السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مداولة

مداولة

عادل سعد

لا بدّ من إيقاف هذا الزخم المفتوح المتكرر من الهدر في حياتنا اليومية أشخاصًا وشعوبًا ومؤسسات، أنا لا أقصد هنا هدر المتبضعين الذين يعتبرون التجول في الأسواق واجبًا يوميًّا يشترون هذه البضاعة أو تلك بدافع الاقتناء والإلحاح الاستهلاكي، ولست أعني هدر السيدات اللواتي يرمين أكثر من نصف مرتباتهن على مستلزمات الزينة والإكسسوارات وإشباع متغيرات الموضة، ولا أقصد أيضًا هدر البيوت العربية التي ترمي في القمامة مخلفات طعام أكثر مما تستهلكه، وكذلك الهدر في المياه، ولست معنيًّا أيضًا في مقالي هذا ما يستهلك من اتهامات وشتائم وتقريعات وذرائع واهية في المشهد السياسي العام.
لقد سبقت وأن كتبت في هذه المواضيع العديد من مقالات، وحررت دراسات عن مخاطر هذه الأنواع من الهدر وأيضًا ما يفعله الفساد من هدر في القيم الحقيقية للمجتمع، إن قصدي هنا هو ما أشره التقرير الرابع لنادي روما الصادر عام 1978 تحت عنوان (الخروج من عصر التبذير) ضمن تنويه بثلاثة مؤشرات، المؤشر الأول يدعو إلى عدم النظر لكل مشكلة اقتصادية على أنها في منأى عن المشاكل الأخرى مثل مشاكل الجوع والبطالة والطاقة والسكان وانحسار الأراضي الزراعية، بل أن ينظر بالمزيد من الاهتمام إلى تكامل هذه المشاكل، لأنها تمثل إشكالية جامعة لا يمكن السكوت عليها، أما المؤشر الثاني فيتعلق في تعقد تلك الإشكالية والوقوع في إجراءات سمتها العامة التخبط والتجريب والانتقائية وليس الاختبار وقياس النتائج، أما المؤشر الثالث فيكمن بأننا في الوطن العربي لم نستطع حتى الآن أن نجد الوسيلة الرادعة لإيقاف هذا الهدر، مع أن العديد من دول العالم استطاعت أن تكيف أوضاعها للخروج من حالة التبذير وإن كانت بنسب متفاوتة.
لقد قلدنا الدول الأخرى في النزعة الاستهلاكية، ولكن حين قامت هذه الدول بالتقاط أنفاسها واعتماد مراجعات جدية لوقف التبذير لم نقلدها في هذه الخطوة وبقينا كما نحن في متوالية متصاعدة للتبذير، ولكي أكون دقيقًا في هذا التشخيص أسأل عن كم هي المبالغ الهائلة التي رصدت لمشاريع وبنى تحتية وإصلاحات إدارية دون أن تحقق ما تهدف إليه هذه المشاريع؟ ثم أين نحن من إمكانية ترشيد الطاقة والطاقة البديلة وما يترتب على هذا الموضوع من عناوين مهمة مثل التلوث ودرء خطره والعمل بموجبات الإصحاح البيئي؟ وأين نحن أيضًا من مواجهة التبذير وما زلنا نضع في حسابنا اليومي أن حصولنا على الشهادات الجامعية وجاهة اجتماعية وليس ضرورة علمية حقيقية، ولكي يكتمل هذا التشخيص لنا أن نستطلع قوائم الخريجين من الأكاديميات العربية في التاريخ والتراث والشعر والقصة والسيسولوجيا (علوم الاجتماع) والفقه والبكاء على ما مضى والتأسيس للثقافة السلفية المطلقة مقارنة بعدد الخريجين في الهندسة الزراعية والصناعية وإصلاح البنى الاقتصادية بمعدلات ترتبط بحاجاتنا إلى الكفاءات ومحاربة الفساد وإقامة شرع التنمية المستدامة، والمساهمة في المنظومة الفكرية للعالم الجديد الذي نعيشه والقدرة على الإنتاج الذي يناسب حاجاتنا، واعتماد سياسات تحد من الإسراف في الموارد الطبيعية؟ وأين نحن من التوجهات السائدة في إعداد المجتمعات الأخرى للسيطرة على حاجات الغد؟
إن (الخروج من عصر التبذير) عربيًّا يقتضي بالضرورة القصوى إعادة النظر بالكثير من المفاهيم اليومية التي ما زلنا نعدها مقدسات أو بالحد الأدنى واجبات لا يمكن التخلص منها ابتداءً من ساعة القيلولة وقت الظهر وانتهاءً بأنه لا يستقيم لنا شأن إلا إذا امتلكنا القائمة المعروفة من العقارات والأرصدة والسيارات والسفر المفتوح وشراء الأسلحة وإقامة متاريس الحروب، والجلوس نندب حظنا الإقليمي والدولي ونتحدث بإسهاب عن المؤامرات التي تستهدفنا.
نحن مبذرون حقًّا، وإذا كان لنا أن نفكر في يوم من الأيام أن نكون ضمن ركب الدول الساعية للخروج من التبذير فالطريق مفتوحة حقًّا، ولنبدأ من واجبات النخب العلمية التي تضع على طاولة اهتمامها ماذا يمكن أن نعتمد في قناعات معينة في إعادة حساب الكلفة اليومية الكبيرة التي نهدرها، وأن نستعيد زمام المبادرة في مواجهة المستقبل.
هل لي أن أقترح على المسؤولين السياسيين في العراق وفي بلدان عربية أخرى قراءة التقرير الرابع لنادي روما الصادر عام 1978 بذات الهمة التي نقرأ فيها مخلفات الماضي، أشك في الاستجابة لمقترحي هذا!!

إلى الأعلى