الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / هكذا يُزوِّر نتنياهو الحقائق!

هكذا يُزوِّر نتنياهو الحقائق!

جواد البشيتي

عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حنان عشراوي أَحْسَنَت القول إذْ وصَفَت خطاب نتنياهو أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة بأنَّه “تزييف صارِخ للحقائق”؛ لكنَّنا لم نسمع حتى الآن (ولن نسمع) تعليقًا لإدارة الرئيس أوباما على هذا الخطاب المكتوب بمداد أوهام “العهد القديم”، وهي التي سارَعَت إلى انتقاد خطاب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
مُسْتَهْزِئًا بعقول وذكاء مستمعيه من الحضور، وخاطِبًا فيهم وكأنَّه يَخْطُب في قَوْمٍ من الأغبياء، قال نتنياهو إنَّ “حماس” و”داعش” فِرْعان من الشَّجَرة السَّامة نفسها، وهي شَجَرة “الإسلام المتطرف”؛ وينبغي للعالَم، إذا ما أراد التَّطَهُّر من رذيلتي “النِّفاق”، و”العداء للسامية”، أنْ يُعامِل “الفِرْعَيْن” على قَدَم المساواة، وأنْ يَفْهَم كل حرب تشنها إسرائيل على قطاع غزة (مع ما تشتمل عليه من جرائم، حسب القانون الدولي) على أنَّها جهد إسرائيلي يُماثِل في ماهيته الجهد الدولي المبذول الآن للقضاء على “داعش”؛ فحركة “حماس” هي “داعش” في فلسطين؛ و”داعش” هو حركة “حماس” في العراق وسوريا؛ وكلُّ الفاكهة برتقال؛ لأنَّ كلَّ البرتقال فاكهة!
لو سُئِل نتنياهو “مَنْ قَتَل كل هؤلاء المدنيين العُزَّل (في قطاع غزة، في “الجرف الصامد”) من الأطفال والنساء والمُسِنِّين؟”، لأجاب قائلًا: قَتَلَتْهُم “حماس”؛ لأنَّها باتِّخاذها لهم “دروعًا بشرية”، وبإطلاقها الصواريخ من بين البيوت على مناطق إسرائيلية مأهولة، “اضطرَّت” الجيش الإسرائيلي إلى قَتْلِهم مع “الإرهابيين”؛ فرئيس الوزراء الإسرائيلي يعيد تعريف “جريمة الحرب” بما يجعل مُرْتَكِبها “حماس” لا الجيش الإسرائيلي، الذي مهما قَتَلَ من الأطفال الفلسطينيين، في هذه الحال، لا يمكن، ولا يجوز، اتِّهامه بارتكاب “جرائم حرب”؛ ويريد، في الوقت نفسه، أنْ يُحَمِّل “حماس” مسؤولية ارتكاب “جريمة مزدوجة” هي “قَتْل الأطفال الإسرائيليين والفلسطينيين”!
نتنياهو (وأشباهه من قادة إسرائيل القدامى والجُدُد) يبحث دائمًا عَمَّن يُبادِله العالَم الغربي عداءً بعداء، ليقيم، بعد ذلك، الدليل السَّاذَج على أنَّ كل مَنْ يُعادي إسرائيل من الفلسطينيين، أو يُقاوِم احتلالها المستمر منذ 1967 للبقية الباقية من فلسطين، هو مِنْ جِنْس هذا “العدو (للغرب)”؛ فالفلسطيني إذا قاوَم هو نازِيٌّ إذا ما كانت النَّازيَّة هي هذا “العدو (للغرب)”؛ وهو شيوعيٌّ إذا ما كانت الشيوعية هي هذا “العدو”؛ وهو إسلامي متطرف (من “القاعدة”، أو “داعش”) إذا ما كان الإسلام المتطرف هو هذا “العدو”!
الفلسطينيون، حسب شريعة نتنياهو وأشباهه، لا حقَّ لهم في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لأرضهم؛ لأنَّ الوجود الإسرائيلي في “أرضهم” ليس “احتلالًا (أجنبيًّا)”؛ ولأنَّ “أرضهم” ليست أرضهم؛ فَهُم قَوْمٌ غرباء يعيشون (ولو منذ مئات السنين) في أرضٍ هي جزء لا يتجزَّأ من “الوطن القومي اليهودي”؛ إنَّهم، من ثمَّ، “إرهابيون” ولو كان الجنود الإسرائيليون فحسب ضحايا “إرهابهم”!
نتنياهو، وبما يُمَثِّل من أوهام دينية توراتية وتلمودية، هو آخر مَنْ يَحِقُّ له التَّكَلُّم عن “أَسْلَمَة” بعض الفلسطينيين، وبعض العرب، للقضية الفلسطينية، وللصراع مع إسرائيل؛ فإنَّ أحدًا من عقلاء البشر، وفي القرن الحادي والعشرين على وجه الخصوص، لا يُصَدِّق، ولا يُمْكِنه أنْ يُصَدِّق، “الشَّرْعية السماوية” لدولة إسرائيل؛ لا يُصَدِّق، ولا يُمْكِنه أنْ يُصَدِّق، إلاَّ إذا ألغى عقله، أنَّ “أَبْرام” لَمَّا خَرَج مع بعض أهله ليذهب إلى “أرض كنعان”، ظَهَر له الرب، وقال: “لِنَسْلِكَ أَعْطي هذه الأرض ( من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات )”. هذا “الظُّهور”، مع هذا “الوعد (أو “المكرمة الرَّبانية”)”، ما هو إلاَّ خرافة خالصة، تَصْلُح لطفلٍ تُقْرَأ له قبل النوم، وحتى ينام. و”الرَّبُّ” ليس كالرئيس أوباما لا يَثْبُت على رأي حتى يُقرِّر لاحقًا أنَّ “أرض الميعاد (أيْ أرض كنعان)” ستكون لـ”نَسْل إسحاق”، الذي أَرْغَمَتْه زوجته (رفقة) على أنْ يُفضِّل ابنهما يعقوب (أيْ إسرائيل) على توأمه عيسو، وأنْ يجعلَ هذه الأرض لنَسْل يعقوب (أيْ بنو إسرائيل)!
إذا كان لـ”أَبْرام” وأقربائه من وطنٍ حقيقي يَنْتَمون إليه (مع أقوام أخرى) فهذا الوطن هو المكان الذي منه خَرَجوا ليذهبوا إلى “أرض كنعان”؛ وإنَّ على نتنياهو أنْ يَسْتَهِلَّ حَمْلَته على “الأوطان والدول الدينية” بالحَمْلَة على “دولة الوعد الرَّباني لأَبْرام العبراني”؛ فهُنا رودوس؛ وعلى نتنياهو أنْ يقفز من هنا إذا ما كان صادقًا في زعمه!

إلى الأعلى