الجمعة 23 أغسطس 2019 م - ٢١ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / السياسية بين أقدام اللاعبين

السياسية بين أقدام اللاعبين

فوزي رمضان
صحفي مصري

“كانت الحادثة الأكبر في العالم كما سجلت الأحداث، عندما اوقعت قرعة تصفيات كأس العالم لكرة القدم، هندوراس والسلفادور في أميركا الوسطى، وجهًا لوجه، وثمة خلاف سياسي عميق بين الشعبين تضاعفه منافسات المونديال، وهو ما جعل أجواء المباريات مشحونة للغاية”.

قد نصدق مقولة اللاعب الإنجليزي (بيل شانكلي) الذى يعتقد أن كرة القدم في كثير من الأحيان هي مسألة حياة أو موت، فمن يستطيع أن يتصور أن مجرد مطاط تتقاذفه الأقدام قد يستخدم في إشعال فتيل الحروب، أو يتسبب في تأجيج الصراعات الدولية، ومن يتخيل ان تتحول تلك المستديرة،من تقريب الشعوب والعمل بروح الفريق، الى تناحر وخلافات وازدراء لمشاعر الغير، وان تسقط الاخلاق الرياضية، وتتبدل الى شتائم وتسفيه الفريق المنافس، لقد تحولت الملاعب الى ساحة مصغرة للصراعات السياسية، ووسيلة لتفريغ الحنق والحقد المكنون في النفوس، ويسجل التاريخ كثيرا من الأحداث المؤسفة، كانت فيها كرة القدم، ضمن اسلحة معارك الدول المتنازعة.
كانت الحادثة الأكبر في العالم كما سجلت الاحداث، عندما اوقعت قرعة تصفيات كأس العالم لكرة القدم، هندوراس والسلفادور في أميركا الوسطى، وجهًا لوجه، وثمة خلاف سياسي عميق بين الشعبين تضاعفه منافسات المونديال، وهو ما جعل أجواء المباريات مشحونة للغاية.
جاء لقاء الذهاب على ملعب العاصمة الهندوراسية، وتعرض فيها الجمهور السلفادورى الى مضايقات جمة، وفي النهاية انتهت المباراة لصالح هندوراس بهدف للا شيء، وتنتحر مشجعة سلفادورية محبطة فتثور ثائرة الشعب، وتدور الدائرة على لاعبي هندوراس في مباراة الإياب، فيتعرضون بدورهم لضغوطات الجماهير وتنتهي مباراة العودة بثلاثة أهداف مقابل صفر لصالح السلفادور، وهو ما كان يتطلب الذهاب إلى مباراة فاصلة.
اقيمت المبارة الفاصلة في المكسيك، وانتهت بفوز السلفادور بثلاثة اهداف مقابل لاشئ، فاندفعت جموع الشعب الغاضبة في هندراوس الى الشوارع، وقاموا بالاعتداء على المواطنين السلفادوريين المقيمين في بلدهم، واتخذت السلفادور قرارًا بقطع العلاقات الدبلوماسية، وسرعان ما بدأت طبول الحرب تعلو شيئًا فشيئًا، فنشبت مناوشات حدودية، ثم شد وجذب، قبل أن تقرر السلفادور قصف المطارات الهندوراسية، تمهيدًا لغزو بري شامل وصل إلى حدود العاصمة.
نزل أهالي هندوراس الى الشارع غاضبين، وراحوا يعتدون على الفقراء السلفادوريين المقيمين عندهم، وتطورت الأمور الى مهاجمة أحياء يقيم فيها السلفادوريون، ممن اضطر معظمهم للفرار إلى بلادهم تاركين ممتلكاتهم وبيوتهم، واندلعت الحرب.
وبدأ القتال فجأة برًا وجوًا في 14 يوليو 1969م، وانتشرت القوات البرية للجيشين على طول الحدود، وبدأ القصف المدفعي عشوائيًا من الطرفين على القرى والبلدات في البلدين، وانتهكت طائرات هندوراس أجواء السلفادور مرات ومرات، فردت السلفادور بهجوم بري واسع النطاق وتوغلت قواتها لمسافة زادت على 60 كيلومترًا داخل الأراضي الهندورية، لذلك ردت هندوراس بغضب، وقصفت مدينتي سان سلفادور وأكابوتل بالقنابل، فقتلت مئات المدنيين.
استمرت الحرب 100 ساعة وانتهت بقتل أكثر من 4000 إنسان، معظمهم مدنيون، ومعهم 10 آلاف مشوّه و120 ألف مشرد، ودمار مئات البيوت والمنشآت التي تزيد قيمتها اليوم على ثمانية مليارات دولار، كل حاكم من البلدين كان يبحث عن وسيلة لتصريف مشاكله الداخلية، وكانت كرة القدم هي الوسيلة الدامية والمدمرة لتحقيق ذلك.
ايضا اراد جمال مبارك، استغلال كرة القدم كوسيلة فائقة الشعبية، لتمكينه من توريث حكم والده الرئيس المصرى السابق حسنى مبارك، تجلى ذلك فى الحشد الجماهيرى المصرى، وتسيس المباراة التى جمعت المنتخبين المصري والجزائري، في التصفيات المؤهلة لكأس العالم في كرة القدم 2010، كانت الأعصاب مشدودة للغاية، فالفائز سينال ببساطة بطاقة التأهل الى المونديال، ووسط اجراءات امنية مشددة ينجح الجزائريون في الفوز بالمبارة بثلاثة اهداف مقابل هدف ليشتعل غضب الجماهير المصرية،
وكانت مباراة الإياب في القاهرة، تحمل نُذر الرعب الأعظم الذي سيزداد بعض تعرض حافلة المنتخب الجزائرى للرجم بالحجارة، وتنافلت الصحف شائعات تتحدث عن الاعتداء على جزائريين في مصر، وفي وسط تلك الأجواء المشحونة، ينجح المنتخب المصري في اختطاف الفوز بالمباراة، ليتم اللجوء إلى مباراة فاصلة في مدينة أم درمان السودانية، انتهت بفوز الفريق الجزائري وصعوده إلى المونديال على حساب الفراعنة.
وسرعان ما انتقلت الأجواء المشحونة إلى أم درمان، وتبادل الفريقان الاتهامات بالاعتداء على اللاعبين أو الجمهور، وأصدر اتحاد كرة القدم المصرى، بيانا اعتبر فيه ان حياة المشجعين واللاعبين المصريين، كانت فى خطر قبل وبعد المبارة، وكانوا تحت تهديد مختلف الاسلحة البيضاء، وكادت تلك الموقعة المؤسفة، ان تتسبب في قطيعة غبية بين الاشقاء، لكن احتوتها مواقف البطولة والنضال المشترك بين الشعبين الشقيقيين، من تأييد ودعم الثورة الجزائرية على الاستعمار الفرنسى، والموقف الرجولى للزعيم الجزائرى هواري بو مدين، فى مساندة ودعم مصرفي حرب أكتوبر، ودائما تنشر تلك الصفحات البيضاء ولغة الحكمة، عند أي خلاف كروى بين الأشقاء ، الأمر الذى يستوعب وينبذ أي مشدات كروية من بعض الجماهير.

إلى الأعلى