الأحد 25 أغسطس 2019 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في رحيل المُناضِل بسَّام الشَّكْعَة (١ ــ ٢ )

في رحيل المُناضِل بسَّام الشَّكْعَة (١ ــ ٢ )

علي عقلة عرسان

“رحم الله المناضل الفلسطيني بسام الشَّكْعَة الذي وافته المنية يوم الاثنين ٢٢ يوليو الجاري ٢٠١٩ بعد أن عانى الكثير من المرض .. فإلى روحه وأهله ورفاق دربه وأبناء وطنه فلسطين وأمته العربية أقدم كلمات لا تفيه حقَّه، ولكنها من بعض ما يستحق.”.

* * *
أبو نضال مُقاوم من جَبل النار.. وهجُ روحه من وهجِ أرضه وقضيته وعزم شعبه وثباته على المبدأ، ذلك الثبات المتجدِّد المُوحي والمتألق على الرغم من المعاناة المُرَّة الطويلة والغياب الذي يتجلى حضوراً في استمرار النضال على طريق تحرير الأرض والإنسان. كان يستمدُّ قوة ودفعاً من عدالة قضية فلسطين التي نذر نفسه لها، ومن خيار المقاومة الذي اختاره، ومن دم الشهداء الذين ينيرون الدروب ويجددون العهد على الكفاح حتى التحرير.. هو يقول بهذا كله وينتمي إليه..
هو كما عرفته عن قرب، صديقاً ورفيقاً، رجل ذو موقف ومبدأ ورؤية ومنهج، أخلص لفلسطين وخلُص كلياً لها، ولم يرها إلا من منظور انتمائه الأعم والأعمق لوطنه العربي وأمته العربية العريقة بأهدافها الكبيرة وتطلعاتها المشروعة..
عايش بسام الشَّكْعة تفاصيل قضية فلسطين من مبتداها، وشرَّشت في عروقه حتى صارت لُحمة حياته وسُداها، وصار حق العودة وحق تقرير المصير لهذا الشعب الصابر المثابر المكافح الصامد المُتَجَذِّر في أرضه التاريخية فلسطين، عنواناً له ونسغاً لحياته، ومحوراً لنشاطه، وشواغله العليا. هو رجل لا يَحْتلِب ضروع قضية شعبه ليشرب ويأكل ويُثري، ويرى ألا حلَّ لها تأتي به مفاوضات عقيمة مع العدو الصهيوني العنصري المُحتل ويقوم على التنازلات، ذلك لأن طرفها الفلسطيني أعزل، ولا يتسلَّح بالمَقاومة لتكون له درعاً وحصناً وعوناً وقوة، ولا تقف أمته خلفه بقوة وثبات.. وكنا وما زلنا نتشارك وإيَّاه في أن الحل هو بتحرير فلسطين كلها من النهر إلى البحر، لأن المُحتل الصهيوني يريد فلسطين كلها من النهر إلى البحر، ويعمل على إبادة شعبها مادياً ومعنوياً، ولا يكون الرد على ذلك المشروع العنصري – الصهيوني الإبادي بالاستسلام له وتسليمه فلسطين دولة “يهودية”، وجعله ينفذ خططه ومخططاته بأمان واطمئنان، وفق مرحليات يضعها ويفرضها هو وحلفاؤه على “فلسطينيين” بكل الوسائل والسبل، ومنها تمزيقهم وعزلهم عن بيتهم العربي وعزل بيتهم العربي عنهم.. ويفرضها على أمة يدفعها العدو وحلفاؤه الغربيون إلى رؤية قضية فلسطين بوصفها “نزاعاً فلسطينياً- إسرائيلياً؟!” وليست صراعاً مصيرياً، “عربياً صهيونياً ويهودياً ضمناً!!.. و”إسرائيل” تفعل ذلك تحت ستار المُفاوضات وادعاء العمل من أجل “السلام”، بينما حقائق الأمور كلها تشير إلى أن هذا الكيان الإرهابي العنصري يقتل، ويستوطن، ويهوِّد، ويعزز وجوده بالقوة الشاملة وبامتلاك كل أنواع الأسلحة النووية والاستراتيجية والتقليدية.. وهذا يعني بوضوح أنه يؤسس للعدوان واستمرار الاحتلال والتوسع والهيمنة، وأنه لا تعايش ولا أمن ولا سلام مع كيان عنصري إرهابي محتل هذه صفاته وأهدافه وأساليبه ووسائله.
هذا كان جُلُّ هم الشَّكْعة، وجوهر دعوته، ومحور اهتمامه.. وقد عمل على أن يعي الشعب الفلسطيني هذه الحقائق، وأن يواجهها باستراتيجية وطنية وقومية ثابتة ومستمرة ومتنامية.. وهذا هو شاغله، ومرتكز تفكيره، ومحور نضاله وتدبيره، وجوهر مواقفه المَبدئية كما أراه، وهو سبب رفضه التعاونَ مع الاحتلال وحلفائه الأميركيين، وسبب خلافاته مع قيادات وشخصيات فلسطينية لها رؤى أخرى مختلفة عن روآه وخيارات مغايرة لخياراته. ومدخل مناضلنا الكبير إلى الحل الذي يراه ويرتضيه لقضية عادلة كتب شعبُه كلَّ حرف من حروف تاريخها بالدمع والدم، مدخله.. هو المُقاومة حتى النصر، والتحرير الشامل للأرض، والعودة المظفرة للشعب إلى وطنه التاريخي ليمارس حقَّه في تقرير مصيره بحرية تامة فوق تراب وطنه المحرر بكرامة واقتدار، والعمل الدؤوب على جعل الشعب الفلسطيني كله، يقف بثبات وراء هذا الخيار ويجعلُه، بالتضحيات والمثابرة، خيارَ الأمة العربية كلها.
وهذا هو أصلاً المنظور الذي قامت من أجله الإضرابات، والهَبَّات الشعبية، والاعتصمات، والثورات، والانتفاضات الفلسطينية، منذ إعلان وعد بلفور المَشؤوم.. وهو ما قامت عليه منظمة التحرير الفلسطينية، وما رسَّخه الميثاقُ الوطني الفلسطيني، وما يأخذ به كثيرون من الفلسطينيين والعرب.. وهو ما تتأكد صحته يوماً بعد يوم وخطوة بعد خطوة، لكل من يتتبع نهج الاتفاقيات والمُفاوضات والمبادرات الفلسطينية والعربية التي تخلَّت عن المُقاومة وأدان مقاومتها بعض قادتها ووصفوا تلك المقاومة للأسف الشديد “بالإرهاب”، في وقت من الأوقات، بل وحاصرها بعضٌ منهم وحاربها. وقد ثبت من خلال التجربة الطويلة المُرة أن المفاوضات مع الكيان الصهيوني لن تعيد وطناً إلى شعب ولا شعباً مشتتاً إلى وطنه، ولن تقدم حلولاً ناجعة لقضية عادلة بحجم قضية فلسطين وعمقها وأبعادها، ولن تحقق سلاماً دائماً وأمناً مستقراً في المنطقة.. وما هي سوى مخدِّر للشعب، ومضيعة للوقت، وتبديد لإرادة الأمة.. لأنه في ظلها وبانتظارها، تموت الهمم ويفسُد الرجال وتتشتت الخيارات، ويتزعزع ولاء الدول العربية للقضية المركزية الأم، ويزحف الاستيطاني والتهويد على القدس وعلى معظم الضفة الغربية، ويستمر قضم الأرض والحق وقتل الشعب، ويضاعف العدو الصهيوني قدراته ويتابع تطوير أسلحته وقواته وأساليبه النازية.. وعلى هذا، ومن خلال التجربة، تسفر المفاوضات عن مزيد المُعاناة للشعب الفلسطيني، وعن مزيد من التنازلات لإسرائيل، وعن تكريس المشروع الاستيطاني – الاستعماري في المنطقة.. الذي يستهدف كل مقومات الأمة العربية وهويتها ونهوضها وتقدمها وأرضها وثرواتها بل ووجودها الحي ذاته.
ومن هذا المنظور كانت قضية فلسطين قضية قومية ومسؤولية قومية وواجب قومي، ويجب أن تبقى كذلك.. لأن ما يملكه المحتل من آلة حرب، وما يعمل على تعزيزه من قدرات عسكرية، نووية وغير نووية، هو وحلفاؤه أكبر من قدرات الشعب الفلسطيني وحده على إنجاز التحرير وهزيمة الاحتلال واستعادة فلسطين.. وهو يحتاج إلى قوة الأمة وقدرتها على شد الأصدقاء والأحرار إليها.. ولهذا ولسواه من الأسباب الاجتماعية والتاريخية والثقافية والعقيدية و.. و.. تبقى قضية فلسطين قضية مركزية وتقع مسؤولية تحريرها على عاتق الأمة العربية وفي طليعتها الشعب الفلسطيني.. هكذا كانت القضية منذ نشأتها، وهكذا ينبغي أن تبقى “قضية مركزية في النضال العربي لمواجهة المخطط الاستعماري – الصهيوني الذي رسخ ” إسرائيل” قلعة متقدمة للاستعمار الغربي، بوجهيه القديم والجديد الزاحف الآن بقوة.. وهو أعتى ما استهدِفَت به الأمة العربية وأحلامُها وتطلعاتها ونضال أبنائها من الاستعمار ومشاريعه الهادفة إلى ضرب الوحدة والتحرير والإرادة والحرية والتقدم الاجتماعي والنهضة الحضارية العربية الشاملة.
هكذا أرى وأقرأ رؤية هذه السنديانة الفلسطينية، بسام الشكعة، لقضية شعبه وأمته، وهكذا أتقرَّى صمودَه في خضم الهزَّات التي انتابت وتنتاب الوضعين الفلسطيني والعربي منذ مصائر جيش الإنقاذ الذي انضم إليه أبو نضال عام 1948، وردَّد مع استاذه الرائد الشاعر عبد الرحيم محمود، بحميّة وحماسة:
سأحملُ روحي على راحتي وأُلقي بها في مَهاوي الرَّدى
فإمَّا حياةٌ تَسرُّ الصَّديقَ وإمَّا مماتٌ يغيظُ العِدا

إلى الأعلى