الأحد 25 أغسطس 2019 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: أمجاد يوليو والعقلية الاستراتيجية العمانية

في العمق: أمجاد يوليو والعقلية الاستراتيجية العمانية

د. رجب بن علي العويسي

لم تكن إطلالة الثالث والعشرين من يوليو المجيد في مفاهيم بناء الدولة ونهضة الإنسان وتحقيق استراتيجيات التنمية حدثا عابرا أو حالة وطنية عارضة؛ بل مرحلة جديدة حملت معها مسيرة إنجاز مشهودة، ورؤية عمل مظفرة، واستراتيجيات أداء مقننة في حياة الأمة العمانية، اتسمت بالقوة، والتزمت الحيادية، وانتصرت للمبادئ، وعكست قوة الهدف الذي جاء به جلالة السلطان في رسم ملامح التحول المنشود، واختيار الطريق الذي يجب أن يسلك، ملتزما نهج العقل الاستراتيجي في الموازنة بين الرسالة السامية التي جادت بها إرادة النهضة وبين طبيعة الأولويات التي يحتاجها الإنسان العماني في تلك الفترة من الزمن، ليعيد مسار التوازن بين الواقع والطموح، فيصنع منه مسيرة إنجاز تفوق التوقعات، ويبرزها واقع العمل الوطني شواهد حية على الأرض، ومنارات عمل تحاكي الأنجم في ضيائها ولمعانها وسموقها وشموخها، مبهرة ناصعة واضحة تبيانها لكل ذي لب.
من هنا كان كل شيء يجري وفق محددات واضحة، وأدوات معلومة، ومفاهيم عميقة، اكتسبت من الثقافة والمبادئ العمانية ونهج الإسلام وأخلاقه وقراءة واسعة لمفهوم السياسة الدولية وواقع المجتمع الدولي محطات نجاحها وبلسم نورها، وأعطت هذا التحول استحقاقا تاريخيا ترك بصمة في جبين الدهر، وأسس لمرحلة جديدة حملت على أكتافها مسؤولية البحث عن أولوية هذا الإنسان، وكيف يمكن أن يستعيد أمجاد عمان الماضية والزاهرة في عمق التأريخ، بطريقة تتكيف مع أحداث العالم ومعطياته، وتستفيد من موقع السلطنة وإسهامها في الحضارة الإنسانية، لقد شكلت النهضة العمانية في ظل مبادئها وفلسفة عملها ومحطات عطائها واستراتيجيات أدائها، ومنطق تفكيرها، وطريقة تفاعلها مع الأحداث؛ مسيرة تحول وضعت العقل الاستراتيجي منطلقها للوصول إلى سياسات ناضجة في ظل أجندة داخلية متراكمة يجب أن تُحل، وإشكاليات في المحيط الخارجي لعمان والعالم يجب أن تشخص ويحدد موقع عمان في خريطتها، ومع كل الظروف الداخلية التي تعيشها عمان في تلك الفترة والتربصات الخارجية الحاصلة، كانت إرادة النهضة على موعد مع التغيير النوعي والمعالجة الواعية والفهم المتعمق في التعامل مع الحدثين، فالقوة التي تحتاجها عمان للوصول إلى حضور فاعل لها في الساحة الدولية كما أراد جلالة السلطان، يتعلق بما تتخذه من استراتيجيات وتؤسسه من سياسات في تعزيز وحدة البيت الداخلي الوطني وتعميق الوحدة العمانية وترسيخ منصات الحوار والوئام، وبناء منطلقات الشراكة والمسؤولية، فكانت الاستثنائية التي أدار بها جلالة السلطان المعظم واقع التحدي واستشراف الطموح في إنسان هذا الوطن؛ تعبيرا عن العقلية الاستراتيجية في إدارة الدولة واستنهاض الإنسان العماني نحو خدمة وطنه والتضحية من أجله، والتعامل مع التفاصيل الدقيقة التي كانت بحاجة إلى التقنين والضبطية وترقية وعي المجتمع بها، وإدخال المواطن في منظومة العمل الوطني كونه جزءا من الحل ومشارك في المسؤولية؛ فجمع الناس على كلمة الوطن، وجعل انتمائهم لعمان: الوطن والدولة والإنسان، وعزز ولاءهم للوطن الأم الذي يحتوي الجميع، ويتقاسم الجميع مسؤولية الحفاظ عليه وحمايته والذود عن مقدساته وأرضه وترابه والعمل الجاد المخلص في سبيل نهضته، وأسس في الإنسان العماني قيم الثقة، وأصّل فيه مساحات الأمان وهامة المجد الموجهة لصالح بناء الإنسان وتقوية الشراكة بين الدولة والشعب، وعزّز من مشاركة المرأة، وأسّس للفكر المعتدل والنهج المتوازن، كاستمرار للفكر العماني النابض بأخلاق التسامح والتكامل، وأقام التنمية على مرتكزات العدالة والشمولية والاتساع، وأطر لمفاهيم البناء الفكري الإيجابي المسؤول، والثقافة الرصينة والفكر الخلاق التي ينبغي أن يصنعها التعليم، وأن يلتزم خلالها مسارات واضحة في التعايش والوئام والحوار واستجلاء الحقيقة واستدراك الحق والثبات على المنهج.
وعليه أسست هذه الأطر والمنهجيات التي التزمتها النهضة، وأوضحتها كإطار لعملها منذ بدايتها، وأكدت عليها حكمة جلالة السلطان في كلماته المعبرة وبوحه الصادق وخطبه السامية وهو يرسم معالم الطريق، ويحدد ملامح الإنجاز، ويؤطر لاستشراف المستقبل، ويوجه أبناء عمان وبناتها للعمل الجاد والعطاء المستمر والمثابرة على بلوغ الهدف سواء في الأعياد والمناسبات الوطنية والتأريخية أو في افتتاحه لمشروعات التنمية الوطنية في بدايات النهضة المباركة، أو لقاءات جلالته الصحفية مع كبار رؤساء الصحف العالمية، وفي جولاته السامية، وزياراته الماجدة لجامعة السلطان قابوس ولقاءاته بأبنائه طلبة الجامعة، وافتتاح جلالته لأدوار انعقاد مجلس عمان؛ فقد أعطت كل هذه المحطات الفكرية، سمة الوضوح لمسار هذه النهضة وتوجهاتها وأبرزت محاور عملها واهتماماتها، وحددت معالمها وأجندتها التي تعمل على تحقيقها، وأفصحت للمواطن بكل مما حملته له مراحل النهضة من تقدم وتطور، وما حققته من نتائج على الصعيد الوطني والعالمي لعمان وشعبها، حيث كان جلالته يصف في خطاباته السامية ما تحقق من منجزات أو ما وصلت إليه مسبرة الخير والتنمية، ودور المواطن ومسؤوليته نحوها، بل كان يستشرف في خطبه السامية مستقبل الوطن والمواطن، بمشروعات تنموية قادمة أو منجزات سوف تضاف إلى قطاعات الاقتصاد والتعليم والطاقة وغيرها كثير.
لقد برزت العقلية الاستراتيجية للنهضة في قدرتها على إعادة هندسة الإنسان العماني، وهيكلة واقعه، وإعادة إنتاجه من جديد بشكل يستجيب لشغف هذا الإنسان العماني للمستقبل وقدرة النهضة على الاستجابة لطموحاته، وإبراز معالم التحول فيه بالشكل الذي يحفظ له خصوصيته ومكانته، ويُبقي خيوط الالتزام ممتدة بتراث الأجداد وأصالة القيم وكفاءة المسؤولية، وهي منصات اعتمدت على تعزيز الروح الايجابية المتفاعلة مع أجيال النهضة، واتسعت لتنمو بنمو فكر إنسان هذا الوطن ووعيه وثقافته وسمو مبادئه، فظلت منجزات النهضة تتوالى وتقترب أكثر فأكثر منه في خطوات حثيثة متسارعة لا تقبل الانتظار ولا تعرف الهوان، حتى أصبحت صناعته، وجسدت معالمه، وأنتجت عصارة فكره، فكان له فيها حظوة، كلما علت إنجازات العمانيين ومشاركاتهم الدولية في العلم والتقنية والتكنولوجيا والطب والهندسة والثقافة والأدب والتعليم وإنجازاتهم في السياسة والاقتصاد والاعلام والدبلوماسية وغيرها كثير، مما يصعب حصره أو سرد وصفه، فلامست إنجازات النهضة شغاف قلب إنسان هذا الوطن المعطاء، وتآلفت مع مشاعره وأفكاره حتى أصبحت واقع عمل، ومنجزات تحكي قصص نجاح خالدة، أعطت المواطن العماني تفاؤلا بمستقبل مشرق، ورؤية طموحة، وتوجهات واقعية تعلو بهاماته السحاب، وتسمو بخلقه فوق أعالي منصات الحوار والتواصل الدولي، وترقى بكرامته وتعّده نحو مرحلة تتطلب منه أن يكون أقوى أثرا وأنضج فكرا وأظهر عملا، وأجدر فعلا، وأجود سلوكا، وأقرب ودا، وأنصع خلقا، وأسمى فكرا، فكان الوطن ملحمة المنافسة في البناء النوعي الذي يتجاوز الشكليات والمظاهر إلى التأكيد على قيمة الإنسان والإعلاء من شأنه، واحترام حقوقه، والارتقاء بفكره وتفكيره، فمع مظلة الأمن والأمان التي يتفيأ ظلالها، كان وطنه صانع السلم والسلام، ومحط أنظار العالم في ترجمته لمفهوم الإنسانية الواعية في أدق تفاصيلها، وضعت إنسان الوطن المقياس الأساسي في قدرة التوجهات على الوفاء بالتزاماتها نحوه، وبغاياتها وأهدافها الإنمائية التي يتربع على عرشها، وكان تحقيق التناغم بين القناعات التي يؤمن بها الإنسان العماني وتوجيهها لصالح الوطن والمواطن، أولوية وضعتها النهضة في مقدمة البناء الفكري للعقلية الاستراتيجية العمانية، وكان على المواطن خلالها أن يعي دوره، ويفهم مسؤوليته، ويدرك حقوقه، وينتصر لمبادئه، ويمسح غبار السنين التي مرت عليه، بأخلاق العلم، وسلامة الفكر، ونهضة الوعي وسمو الإرادة، وشغف المبادرة، وحس المواطنة، وحب الوطن، وبناء الضمير، والولاء للقائد المفدى حفظه الله ورعاه، وهي مسؤولية تنطلق من تعظيم القيمة المضافة للفكر الخلاّق، والخبرات والتجارب الاستراتيجية التي عايشتها التجربة العمانية فأصبحت ممارسة أصيلة كالشورى والشراكة والحوار والتمكين ودولة المؤسسات والقانون والإيجابية والتنويع والفكر الاستراتيجي، التي أسسها جلالة السلطان المعظم في فقه بناء الدولة العمانية والتي كان يخاطب فيها المواطن باعتباره مدار العمل، ومنطلق الهدف، وغاية المقصد، وأساس التوجه، ومسيرة النجاح والتميز.
لقد استطاعت عمان أن تؤسس نهضة شاملة، وسعت الكبير والصغير والرجل والمرأة على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم، فالانتماء لعمان، والولاء لسلطانها المفدى جلالة السلطان قابوس المعظم، الذي عمل لعمان وضحّى من أجلها، ومنحها وقته وجهده وصحته، فكانت له الشغل والإنجاز والبناء والابتسامة والفرح والسعادة والصحة والعافية، وهو يرى بلده في تطور وتقدم وأمن وأمان، لقد امتلك النهضة مسارات استراتيجية في إدارة طبيعة الظروف والمستجدات الحاصلة في عملها في مواجهة أحلك الظروف وأعقدها وأشدها، وضبط كل العمليات الداخلية التخطيطية والتنظيمية والتقييمية ومنظومة الموارد البشرية المؤسسة لكفاءة التنمية وإنتاجيتها، عبر ترقية مستوى الشراكة الداخلية لتصبح أكثر إنتاجية واقترابا من الأهداف الوطنية العليا، واستفادتها من أفضل الممارسات الرائدة الناتجة عن تفاعل الخبرات والتجارب والتوجهات والنماذج العملية والقيمية التي تتكون منها الذاكرة الوطنية العمانية والدور الذي حققته عمان على مر التاريخ، وشكل رصيدا فكريا وعمليا رسم مسارات الإنجاز وخطوط الإنتاج الوطنية القادمة ووضع هذه المحددات كأطر استراتيجية بنيت عليها مسيرة العمل والإنجاز الوطني وفق تخطيط دقيق وتنظيم سليم وتنسيق متقن بين مختلف الفاعلين الوطنيين في القطاعات التنموية، والتي يأتي في طليعتها قوات السلطان المسلحة والفرق الوطنية التابعة لها، والتي كان لها حضورها الفاعل في بناء الدولة في تلك الظروف التي كان تحيط بها.
إن نهضة العقل الاستراتيجي في عمان إطار عمل التزمت به النهضة في مبادئها، وأنتجته في مسيرة بنائها الداخلي، واعتمدته في سياساتها الخارجية، وإدارتها لملف العلاقات الدولية والشراكات الاقتصادية والاستثمارية، وقراءتها لدور منظومة الأمم المتحدة ومنظماتها وجامعة الدول العربية والمؤسسات الدولية والإقليمية، منطلقة من مبادئ الحق والعدل والمساواة، والحكمة في التعامل مع الأحداث، وإدارة المواقف في ظل مبادئ السلام والحوار، والتزام الشرعية الدولية على أساس الإيمان الراسخ بمبادئ التعايش بين الشعوب، وحسن الجوار بين الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، والاحترام المتبادل، وحقوق السيادة الوطنية والهويات والخصوصيات؛ واحترام المواقف الدولية ومصداقيتها وقدرتها على التأثير والاحتواء، وتقريب وجهات النظر بين الأشقاء والأصدقاء في المسائل الخلافية والسياسية بينها بالطرق الدبلوماسية، وترسيخ معايير المسؤولية المشتركة، والعمل المشترك من أجل عالم يسوده السلام ويعيش إنسانه حياة الأمن والاستقرار، فوجدت في السلام العادل قوة ترتقي بالشعوب فكرا وروحا وممارسة، وتتجه بها نحو الوعي والخلق والمسؤولية والتعايش والتقدير والالتزام؛ وعندها تصبح الشعوب قادرة على التكيف مع أزماتها، والتعاطي مع أولوياتها، وإدراك احتياجاتها، وتفعيل مواردها، واستثمار منجزها، لرسم خريطة إنجاز قادمة، تحفظ لها هويتها، وتضمن سلامة منطق تفكيرها، ورصانة ثقافتها، وعمق منهجها في البناء والتطوير.
وعليه يبقى الثالث والعشرون من يوليو المجيد، صناعة للعقلية الاستراتيجية العمانية، غير مسار التنمية، وأبرز معالمها في ظل كفاءة النهج ودبلوماسية المبادئ وحكمة السياسة وسلامة المنطق، ومصداقية الأداء، وعمق الرؤية، وسمو الفكرة، ونضوح السياسة، والتزام المبدأ وكفاءة التعامل مع التحديات، ووضوح التوجهات، والاستغلال الأمثل للموارد، وتعزيز قدرة الممكنات الوطنية والخبرة العمانية، في نقل محور التغيير لصالح البناء الإنساني، إنها الحكمة في أعظم تجلياتها، والعقل في عمق تفكيره، والاستراتيجيات في أدق تفاصيلها، والقيم في أعظم ترانيمها، والتعايش في أوسع أبوابه، والتسامح في أفصح حلله، والإنجاز في شموخه، والسلام في هيبته، والسياسة في هدوئها، والمجد في سموقه، والعمل في إخلاصه، والتغيير في إيجابيته.
لقد شكلت العقلية الاستراتيجية العمانية محور ارتكاز لفلسفة التغيير وبناء الدولة، انتصرت للمستقبل، محافظة على سمو الوداد مع الماضي، مستفيدة من الحاضر في استجلاء العظات والعبر والقوة والمهنية، فإن استقراء مسيرة النهضة وهي تقترب اليوم من إيقاد شمعتها الخامسة لخمسة عقود أضاءتها سلاما وأمانا، وتقدما وازدهارا، يجد مكمن السر خلف هذا التحول، وكيف أن العقلية الاستراتيجية العمانية التي أدركت مصالح مواطنيها ومبادئ الدولة وقواعد عملها، استطاعت بكل كفاءة أن تتناغم مع كل التحولات والظروف والتعقيدات التي مرت بها المنطقة في أزماتها السياسية والاقتصادية والمالية وأزمة الثقة التي تعانيها سياسات المنطقة اليوم، وحالة التصعيد الحاصلة وارتفاع الاصوات المندفعة التي تروج للحرب وتنادي للعنف.
إنّ عمان وهي تقرأ كل هذه الأحداث ببصيرة وحكمة، وهدوء ودبلوماسية، واتزان ومعيارية؛ إنما تنطلق من قيمة العقلية الاستراتيجية التي رسمت معالم التغيير وحددت مسار التوجه، وها هي اليوم تؤطر لبدائل المعالجة في دبلوماسيتها التي يحترمها الجميع، ويقف لها إجلالا وعرفانا لما تقدمه من أثر في تقريب وجهات النظر وإدارة حالة الاحتقان في السياسة الدولية، بما يحفظ كرامة الإنسانية ويؤسس لنهضة السلام والتنمية في بلدان العالم أجمع. إنها مصداقية السياسة وثباتها، وسمو النهج وحيادتيه، وإيجابية الفكر ورسالة الحكمة .. حفظ الله عمان الغالية وسلطانها المفدى، وكل عام والجميع بخير.

إلى الأعلى