السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / أمسية في وادي رم

أمسية في وادي رم

أمسية تحت ضفائر القمر الفضية
تصاعدت ألسنة اللهب من النيران المتأججة في تلك الليلة المقمرة من ليالي منتصف فبراير الماضي على إثر وصول الرفاق إلى المخيم الدائم في وادي رم, حين سارع بعضهم وأضرم النار في الحلقة الصغيرة الدائرية التي تتوسط فضاء المخيم المفتوح. تحلّق الرفاق حول الدائرة الدفيئة, راحت الأيدي تلقي بقطع الأخشاب الصغيرة في قلب النار التي اشتعلت واستعر أوارها. كانت شعلة النار الملتهبة تتراقص يمنة ويسرة على أنغام رياح الليل الهادئة التي عبثت بضفائرها, طارت شعلة صغيرة, أو لهيبة, أو بضع جمرات, خارج دائرة النار الصغيرة, فلم تعد لحظيرتها بعدئذ, لكن جمهرة النيران ما لبثت أن استجمعت واستعادت قواها وحرارتها من رياح الليل الخفيفة فعادت وهبّت دفعة واحدة في وجه من سوّلت له نفسه تجاوز حده المسموح له أو من اقترب من محيط لهيبها وأتونها. حول النار, اصطفت مجموعة من الكراسي الصغيرة المصنوعة من البوص المجدول بعناية, كانت معدّة للرفاق الذين يودون إذكاء نيران الدفء أو التمتع بها. في خلفية المشهد كله وقف بعض الرفاق يستمتعون بلون النيران الذهبي المحمرّ وبأثير دفئها الذي انتقل بدفقات وهبّات متلاحقة بعثت في جو المكان أنسا ودفئا, وبدّد من وحشة الليل وعتمته التي خيمت على أرجاء المخيم, ما خلا شيئا من نور القمر الذي كان يطل على استحياء خلف بعض السحب المتناثرة, وفوق الجبال العظيمة المحيطة.
في دائرة النار التي تحلّق الرفاق حولها يصطلون, أنار ضوء النار فضاء المخيم الصغير المحيط حيث جلس بضع عشرات من المخيمين. كانت جبال وادي رم تظهر في خلفية المشهد في عتمة الليل البهيم, كشاهد صامت جليل يطل على أديم الصحراء المعتم. مشهد يبعث على الرهبة, والريبة, والتأمل, رغم ما به من تسرية وتجربة لم يكن من السهل أن تتكرر, ربما لعشرات من السنين قادمات. في المحيط أنارت بعض الكشافات فضاء المخيم, فيما كان الضوء يشع من بعض الخيام التي اصطفت بنظام على بعض جوانب المكان, مرحبة بالزوار بواجهاتها المشرعة والمسدلة. على الطرف البعيد من دائرة النار اصطفت فرقة للأهازيج الشعبية, وقد توشح أفرادها بالبياض والزي التقليدي الشعبي للفولكلور, وقدموا بعض الوصلات التقليدية تحية للزائرين, وإيناسا وإمتاعا لهم. على الطرف البعيد من دائرة النار جلس بعض الرفاق على أرائك وثيرة يستمتعون بمشهد النار وهي تضطرم وتشتعل تارة وتخبو تارة أخرى. كانت الأرجل تتناقل خطواتها وتحمل الرفاق هنا وهناك على غير اتجاه محدد, فيما دارت دلة القهوة العربية الأصيلة والفناجين بين الشفاه العطشى المتعبة من رحلة اليوم الآنفة لمدينة البتراء. كان المشهد معدا بعناية للراحة والاستجمام وإلقاء عناء المدينة والمدنية وراء ظهور المخيّمين. فالمخيم كان يحتوي على كل وسائل الراحة والرفاهية المدنية, بما فيها قسم صحي نظيف بدرجة مذهلة لدورات مياه والاستجمام العاجل.
في الطريق إلى وادي رم
قبل سويعات من هذا المشهد الليلي الحالم غير المسبوق في التاريخ الشخصي للأفراد المخيمين في وادي رم, وبعد رحلة شاقة لمدينة البتراء, توجهت الحافلة عصر ذلك اليوم باتجاه وادي رم مع مغيب الشمس ودخول عتمة الليل. وبالنسبة للرفاق الذين لم يدخلوا المكان قبلا, فقد كانت الرحلة مثيرة, فبعد مسير حوالي ساعتين على الطريق الصحراوي بدأت الحافلة تنحرف في طريق متفرع, ولم يكن لدى الزوار الجدد أية فكرة عن طبيعة الرحلة أو الوصول لوادي رم, وبخاصة في الظلام الذي كان يخيم على الطريق والتي كان ينيرها أضواء الحافلة. وبالطبع لرحلة وأمسية كهذه فقد كانت هناك الكثير من الترتيبات المحكمة والتي قامت بها سلطة الإقليم لتوفر جوا ورحلة وأمسية للضيوف لا تنسى.
بعد مسير طويل توقفت الحافلة فجأة على جانب الطريق فيما يشبه مكانا لوقوف الحافلات والسيارات, ونظر الرفاق خارج النوافذ وترجل بعضهم وقد ساد جو من الحيرة, فلم يكن يبدو بالأفق أي مخيم أو مكان معدّ لقضاء أمسية, وبدلا من ذلك فقد كانت هناك مجموعة كبيرة من السيارات الصغيرة المعدة لنقل البضائع الخفيفة وهي من النوع المكشوف من الجهة الخلفية حيث تم تصميم صفين من المقاعد المتقابلة في الجزء الخلفي من هذه “البكبات” من نوع “تويوتا”. وبجانب السائق وخلفه كان هناك مقاعد لمن أحب أن يركب السيارة ويجلس تحت سقفها, ويبتعد عن مغامرة الركوب في العراء وتحت أديم السماء. وتبادل بعض الرفاق همسات عما سيكون بعد قليل. إذ ما أن اكتمل العدد وركب جميع الرفاق, بمن فيهم بعض طالبات الجامعات, في الصفوف الخلفية المتقابلة لهذه “البكبات”, حتى أدار السائقون, وهم من سكان المناطق المحلية والمجاورة, محركات سياراتهم وانطلقوا في “سباق” ماراثوني محموم عبر الكثبان الرملية. وينطبق مثل “أهل مكة أدرى بشعابها” تماما على توصيف الحالة والمشهد اللذين كان يعاينهما الرفاق. فمن خلال الكثبان الرملية الممتدة والتي تظهر للعيان على مد البصر تحت أشعة القمر الفضية وجدائله التي كانت تتدلى على جانبي وادي رم السياحي الشهير, راح السائقون يجدون طرائقهم عبر الكثبان الرملية تجاه الهدف المقصود, وراحوا يتبارون في اجتراح أقصر الطرق في سباق “مجنون”, أثار زوابع من الغبار والأتربة وهم يقودون سياراتهم ببراعة وبسرعة لا توصف, لدرجة أن هذه التجربة, تجربة الوصول للمخيم, وكما يظهر للزوار تبدو جزءا ومقدمة من السهرة نفسها, من خلال دفقات الأدرينالين, وصيحات الإثارة التي كانت تنطلق من الرفاق وهم يتقافزون فوق مقاعدهم في الجزء الخلفي المكشوف للسيارات.
بالنسبة لسائقي السيارات من أهل المنطقة والذين كانت أرجلهم تداعب ببراعة شديدة دواسة البنزين وتدير المقود عبر التضاريس الطبيعية للكثبان الرملية. وبين المرتفعات الصغيرة والحفر المتوسطة, كانت السيارات تجري متتابعة تارة وتتقاطع بشكل مثير للقلق تارة أخرى حين كان السائقون يبحثون عن أقصر الطرق المتقاطعة لبز أقرانهم من جهة ولإرضاء كبريائهم في خبرة طويلة في قيادة السيارات والبحث عن خط سيرهم في أديم الصحراء الممتد وعبر الكثبان الرملية ودون مرشد أو دليل أو نقطة مرجعية سوى حدسهم, وخلفية الجبال العظيمة التي كانت تبدو وكأنها تطل عليهم من السماء في ترقب صامت أزلي. وما أن وصل الجمع إلى مشارف المخيم, كان البعض يلتقط أنفاسه من إثارة التجربة وتلاحق المشاهد وتتابع الأحداث في سلسلة المطاردات بين سائقي السيارات المتخمة بركابها, إلى أن لفظتهم أمام باب المخيم.
إعادة تفكيك العناصر قبل تركيبها
في المخيم, وبعد أن تلمس الرفقة طريقهم لمقاعدهم أو لبيوت الراحة, وتحلّق من تحلّق حول النار في وسط الجمع, دارت أكواب الشاي المعدّ على النار الطبيعية, وللشاي والقهوة العربية الأصيلة يكون طعما خاصا حينها. كما دارت قطع الفاكهة, ودارت معها أيضا أحاديث السمر بين الموجودين وكلهم أكاديميون – طلبة أو أساتذة! وبعد أن استرخى من استرخى, ثم استراح من استراح, كان بيننا نفر من الصبية الصغار بينهم موسى. وللصغار هواية طبيعية في جلب انتباه الكبار, وبخاصة حين يصيب الطائفة الأخيرة شيء من الرتابة ويحتاجون للتجديد. وبذلك يكون للصغار دور مهم في هذه الفترات اليسيرة من الوقت في بعث التجديد في المشهد برمته – وهذا ما كان! فبالإضافة لدورهم في تفكيك عناصر الأمسية ذاتها وإعادة تركيبها يكون لهم دور مماثل أيضا في وضع بصمة خاصة لهم على المكان, فضلا عن إعادة الحياة له.
وهنا جاء دور موسى في إعادة تعريف المكان وترتيب عناصره برمتها – الثابتة قبل المتحركة! فقد طفق يجمع كل الكراسي الصغيرة التي تركها أصحابها ويعيد ترتيبها على شكل محور فيزيائي محوري بعلاقة مع دائرة النار الصغيرة. وللمفاجأة, فكأنه أصاب وترا حساسا لدى كبار القوم من الموجودين, وفيهم بعض جهابذة معماريي العالمين العربي والغربي – ومنهم جيمس تيرنر مثلا, لتجدهم يتفاعلون معه في “حوار” جدلي صامت أحيانا, وإن كانت عيونهم تفضح بعض نظرات التفاعل الإيجابي, وفي “استجابة” رفيقة أحيانا أخرى, لينخرط الجميع في “ملاحقة” موسى في “موضعة” الكراسي حسب خطته الفيزيائية البصرية المحورية. وبالإضافة لعملية التفكيك وإعادة التركيب الحسية في إعادة تعريف مفهوم الحيز المكاني حسب ما يراه الصغار لا كما تفرضه الحركة الطبيعية الجماعية للكبار, يكون هناك خط مواز آخر يتشكل تلقائيا وهو خط “معنوي” يتمثل في إعادة تفكيك وتركيب العلاقة بين الصغار والكبار أنفسهم – وهي علاقة مهمة أكثر من العلاقة الحسية الأولى. فالعلاقة المعنوية الثانية تعيد قراءة تصور الصغار للمكان دون الدكتاتورية المفروضة من قبل الكبار, والسائدة والغالبة, ويمكن من خلالها معرفة وقراءة القدرات العقلية ومقدار الكاريزما الطبيعية الكامنة في الصغار والتي يعبر عنها الصغير تعبيرا بريئا عفويا ولكن يمكن قياسه وقوننته ورصده وبخاصة في مثل هذه المواقف التي ينتهزها بعض الصغار الأذكياء وفي أوقات يبدو أن استجابة الكبار “لأوامر” الصغار تبدو متاحة وممكنة أكثر من أي وقت آخر – وهو ما عبّر عنه موسى بشكل عفوي بارع في حادثة ترتيب الكراسي تعبيرا قويا يمكن قراءته بتمهل, وبخاصة حين يرى الكبار في هذه العملية العفوية هروبا لهم من براثن الملل أو سعيا نحو بعث التجديد في المشهد والتجربة والأمسية برمتها.
كرم الضيافة: أصل وتراث
وإذ حان موعد العشاء, وإن لم تكن تبدو هناك بوادره إذ لم يطالع أي من الحضور خاروفا يتحمر على سيخ قوي من الفولاذ الصلب, إذ أعلن المضيف عن مكان “استخراج” العشاء. وتوجه الجميع لاستكشاف هذه الموقعة التي ستشهد حدثا ستتراقص على أنغامه أوتار معداتهم الجائعة. ومشى الجميع خلف المخيم قليلا إلى بقعة ترابية, بها مرتفع وقد وقف بجانبها بضعة رجال أقوياء بيد كل منهم “معولا”! وتقدم المضيف, الدكتور كامل محادين رئيس سلطة إقليم العقبة, وأعلن للحضور موقعة العشاء والذي سيقدم على شكل بضعة خراف تم شيها بما يعرف “بالزرب”, وهي طريقة لطهي الخراف تحت التراب الساخن حيث تسيح الدهون من الخراف المتخمة بها, ليصبح العشاء بعدها طريا حلالا زلالا خاليا من الكولسترول وما قد يصيب المعدة أو الأوردة والشرايين بالكدر.
ولم تخل الأمسية من رعاية المضيف قط, بل حنا على ضيوفه بالتفقد والاهتمام, ودار بينهم متفقدا ومحادثا يجلله معطف الكرم والأصالة العربية والمحلية في بوادي الأردن الأصيلة وأريافها المعطاءة وحواضرها الكريمة. وحين جاء وقت العشاء, تراه يدور على ضيوفه محادثا, وقد وقفوا في صف يتحرك رويدا رويدا للأمام وكل يملأ طبقه مما تجود به مائدة المضيف. وإذ بدأت أطباق الطعام تعانق الملاعق وتدور كؤوس العصير بين الضيوف, ترى مشهدا عربيا أردنيا أصيلا يتبدى ويتجلى حين يأبى المضيف على نفسه, وهي عادة عربية أصيلة بامتياز, أن يذوق طعاما أو شربا بل يتفقد ضيوفه ويقوم على رعايتهم وحوله وصيفون ومن يقوم على رعاية الضيوف. وكما ذكر المضيف لكاتب هذه السطور بعضا من مناقبه أمام زوجته وهنأها بزوجها كان على الأخير أن يكتب هذه السطور احتراما ووفاء, لمضيفه وأستاذه من قبل ومن بعد, وتوثيقا لهذه الأمسية التي راحت في سطور التاريخ الفردي والجمعي الرائع كأمسية لا تنسى وجب تسجيلها وبعث الحياة “اللازمنية” في سطورها وأفكارها ومكانها وزمانها ووفاء لشخوصها! 

د. وليد أحمد السيد

إلى الأعلى