الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حجر سويدي في بركة النفاق الأوروبي!

حجر سويدي في بركة النفاق الأوروبي!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

إنها لم تزد بعد على تصريح يعلن عن نيَّة ترتقي إلى مستوى التعهُّد بالاعتراف بـ”دولة فلسطين”، والأمر الذي، وفقما هو المعلن، لن يتم إلا بعد التشاور مع الشركاء الآخرين في الاتحاد الأوروبي. تلكم هي الخطوة السويدية الجديرة بالترحيب، لكنما مع مستوجب عدم النظر إليها بما يتعدى ما لها من أهمية رمزية، وأكثر من اعتبارها إضافة منشودة لصوت مؤثر في مواقف الاتحاد التي هي عادةً إما منحازة للصهاينة، أو تتسم بنفاق تليد، في كل ما هو المتعلق منها بالقضية الفلسطينية وسائر القضايا العربية إجمالًا.
سبق السويد إلى الاعتراف بـ”دولة فلسطين” ثلاث دول أوروبية، لكنما ذلك كان قبل انضمامهن للاتحاد لا بعده، وهن، المجر وبولندة وسلوفاكيا، بيد أن السويد، وربما هنا تكمن أهمية خطوتها، أقدمت على ما أقدمت عليه وهي العضوة المهمة والمؤثرة فيه، والتي قد تشكِّل أسوة لسواها، أو من شأنها أن تستتبع من سيلحق بها من أعضائه. وهي خطوة في مجملها تأتي في سياقها السويدي المحض، باعتبار أن رئيس الوزراء الجديد في حكومتها، التي أعقبت الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والذي أعلن عن الإزماع على القيام بها، يمثِّل ائتلافًا ليسار فائز في هذه الانتخابات شكَّل هذه الحكومة، مكوَّن من الاشتراكيين الديموقراطيين والخضر، ويجيء بعد خسارة يمين تمثَّل في حزب المسيحيين الديموقراطيين المحافظ وخروجه من السلطة، والذي تقدمت برلمانية تنتسب إليه ببلاغ ضد رئيس الوزراء الجديد لأقدامه على إعلان ما هو مزمع عليه. وما أعلنه رئيس الوزراء الجديد ينسجم تمامًا مع مواقف حزبه المعلنة طيلة ما زاد على العقدين السابقين ولا يخرج عنها، وعلينا أن لا ننسى أيضا أنها تأتي بعد محرقة غزة وملحمة مقاومتها وتصاعد التعاطف الشعبي الأوروبي أثرها مع الحقوق الفلسطينية… هذه المواقف القديمة التي شددت وزيرة الخارجية السويدية الجديدة على توضيحها، محددة سقفا لها قالت إنه “دعم عملية تفاوضية” يحكمها ذات السياق في ذات المسار التسووي إياه، أو ما عرف بـ”المسيرة السلمية”، وذلك، ووفق تعبيرها، “بتقوية الفلسطينيين، عبر جعلهم شركاء على قدم المساواة” في هذه المفاوضات، وجل هدفها، كما قالت، هو “دعم القيادة المعتدلة المهتمة بالتفاوض”… كما حرصت الوزيرة على أن تؤكد أن تنفيذ مثل هذه الخطوة سوف يتم بعد التشاور مع الشركاء الأوروبيين في الاتحاد، وعلى أنه “لن يؤثر على علاقاتنا الممتازة بالولايات المتحدة وإسرائيل”…
هذه الخطوة السويدية، التي لم تتعدَّ تصريحًا وتعهُّدًا لم ينفَّذ بعد، وعلى رمزيتها أولًا، ثم عدم ابتعادها عن ذات المسار التسووي، وبلغة أدق التصفوي للقضية الفلسطينية، الذي يرعاه الغرب وتشرف عليه الولايات المتحدة ثانيًا، والتي ستتم بعد التشاور مع الأوروبيين الآخرين ثالثًا، جلبت ردة فعل أميركية وأزت، بل كادت تسبق، ردة الفعل الصهيونية.
الولايات المتحدة سارعت لانتقادها وعدتها “سابقة لأوانها”، أما الكيان الصهيوني فاستدعى السفير السويدي لديه محتجًّا، وبدا في ردة فعله وكأنما هو المطعون في ظهره، أما الاتحاد الأوروبي فاتسمت ردة فعله بالحذر المترافق مع تسليط الضوء على ما يقال إنه جدل يثار الآن في كل من بريطانيا وفرنسا حول ذات الأمر الذي سيقدم السويديون عليه… وإذ يُلمس من توضيحات وزيرة الخارجية السويدية أنه ما من نية للعودة عنها، فلسوف تجلب ولا شك لاستكهولم وابلًا من الضغوط الأميركية والصهيونية وبعض الأوروبية لثنيها عنها، لكنما نعتقد أنه ليس من المتوقع ولا من السهل على دولة بحجم ومكانة ورصانة السويد الخضوع لمثل هذه الضغوط والعودة عن تعهد أعلنته.
…وفي كل الحالات، فإن أهم ما في هذه الخطوة هو فضحها للصهينة الكاملة لردود الفعل الأميركية الفورية والمباشرة على أي مقاربة دولية صغرت أم كبرت قد توحي بما قد يصب في صالح الاعتراف ببعض الحقوق الفلسطينية المنتهكة، أو من شأنها أن تمس من قريب أو بعيد بالكيان الصهيوني، إلى جانب أن هذه الخطوة قد ألقت حجرًا في بركة تليد النفاق الأوروبي، هذا الذي لا ينفك يلوك شعار ما يدعى بـ”حل الدولتين”، ولا يتوقف عن الإدانة الكلامية لـ”الاستيطان”، والحديث عن “الحل القابل للحياة”، أو “الدولة القابلة للحياة”، وكل ما سمعناه منهم من المصطلحات التصفوية التي روجت خلال ما تدعى بـ”المسيرة التسووية”، والآن ما يسوَّق من جدل بريطاني وفرنسي حول الاعتراف بـ”دولة فلسطين” لكن مع ربطه بـ”الوقت المناسب”… وفي نفس الوقت يعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر للكيان الصهيوني، ومنتجات المستعمرات التي يدين قيامها تسرح وتمرح في أسواقه، إلى جانب كافة ألوان وأشكال أوجه التعاون البيني الأخرى وعلى رأسها التقني والعسكري والاستخباراتي، ودون أن ننسى تليد الدعم ودائم التأييد لكيان استعماري هو منتج أوروبي أصلًا، ومن ذلك متواصل الحماية المعروفة الثابتة للعدوانية الصهيونية في المحافل الدولية. إذ رغم رفعه لكافة الشعارات المشار إليها، فهو لم يتخذ خطوة ضغط واحدة مما يتوفر لديه، وهي كثيرة، باتجاه تنفيذها، وحتى ولو جاءت وفق السياق التصفوي إياه. ومقارنة بمواقفه من روسيا فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية يتبين لنا مدى هذا النفاق، بل إن جوهر المواقف الأوروبية التي يعبِّر عنها الاتحاد هي ذات المواقف الصهيونية مموهةً، إذا ما دققنا، مثلًا، في خلاصتها الداعية إلى “حل على طاولة المفاوضات وبموافقة الطرفين”!!!
…قبل كارثة أوسلو كانت الدول المعترفة بمنظمة التحرير أكثر من تلك المعترفة بالكيان الصهيوني، والاعتراف الرمزي بالدولة لا يعني عودة الوطن، وما نخشاه هو أن لا يرى الأوسلويون الفلسطينيون في الخطوة السويدية إلا محركًا لراكد المجرى التسووي المتعفن…

إلى الأعلى