الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / يا الله.. كم هي سميكة قشرة النفس الخبيثة

يا الله.. كم هي سميكة قشرة النفس الخبيثة

علي عقلة عرسان

يَهلَك الظالمون، نعم يهلَكون.. لكن من بعد ما يهلِكون ويظلِمون ويقتلون ويحرقون ويلحِقون بالناس مآسي كثيرة، وينقعونهم في الذل والعتمة والغم والدم.. قل إنه بؤس العدالة البشرية الأرضية يؤسس لمزيد من بؤس الناس على يد النذالة البشرية المنتشرة آفات في الحياة تسعى على قدمين وتطير في الفضاء كذلك، وقل ما شئت كيفما شئت وأنى شئت، فإنك لن تستطيع الإحاطة بذلك ولن تستطيع له حصرًا ولا صرفًا ولا إصلاحًا. في أيامنا هذه ينزُّ الإنسان، جسمًا وروحًا، سوءات وسيئات تتبدى في سلوك وممارسات تضج بها بلدان ومواقع ومجتمعات، وربما ينزّ ذلك النوع من البشر صديدًا ويؤسس بأقواله وأفعاله وبما ينزُّ منه لما هو آت مما يُثقِل الجسم والروح ويعكِّر صفو العيش، ويعيد الناس إلى ما هو أفظع من قانون الغاب.. وإليكم ألف ألف مثال حي في التاريخ والواقع، ومن آخر ما في الواقع ما يجري في سوريا والعراق مثلًا، وإليكم أيضًا مَن يؤسسون فيهما ومن خلالهما لفوضى شاملة وخراب بعد خراب، ولإطالة سنوات العذاب، ولموجات من الإرهاب والعنف والقتل بعد موجات، تفني الكثيرين من الناس وتدمر مقومات البقاء، ليحقق أولئك النازفون عفنًا ما يتطلعون إليه من طموحات ومطامع وسياسات ومكاسب على حساب حياة الناس وأمنهم ولقمة عيشهم وخراب ديارهم وتدمير بلدانهم وقتل الأمل في عيون وقلوب أطفالهم.. فأي إرهاب وعُصاب وعذاب ينصب على الناس من أولئك الذين يدمرون الحياة ويرتفعون بنظر الأشرار والفجار والغوغاء فوق جثث ضحايهم درجات؟!.. نحن في الفتنة/المحنة، وفي كل صباح تتجدد المحنة/الفتنة وتكبر وتنذِر بمدى أطول وانتشار أوسع ودم يسيل.. في كل صباحٍ ندفن بشرًا ونقتُل بشرًا ويقتلنا بشر، حتى أدمن البشر قتْل البشر.. ويستمر الحال على هذا المنوال المفزع من دون ملمح للتعقل والتوقف، ويتجدد الاقتتال لألف سبب وسبب وبتحريض ودفع من ألف ألف نافخ نار ومستثمر في القتل والعار وخراب الديار؟! يقولون “كل ما فات مات” وابدأ الحياة من حيث انتهيت، وأقول: “نعم ولا.. نعم.. ولا”، نعم: لأن هذا هو قانون الأمر الواقع فلن تعيد من ذهب، ولن ترد رصاصة انطلقت فقتلت أو كلمة حرَّضت على إطلاقها وعلى القتل.. ولأن لكل أمر نهاية مهما كان ومهما طال.. ولا: لأن بعض ما يفوت يموت فعلًا إلا الألم والظلم إذا عرَّشا في النفس وعرَّسا في الروح، وإلا ذكريات يتخطَّين خزائن الجسد وكهوفه ويتأبدن في الروح يتخذنها سكنًا، ويبقين حائمات هائمات عالقات في فضاء النفس، لا يكفّ فعلَهن كافٌّ، ولا يتوارى بطشهن المتبدي بصور حتى لو لفهنّ أكثر من حجاب، إنهن يبقين هناك ويقطِّرن في النفس والروح طعمهن وما يكتنزن. مما اختزنَّه، إن كان حنظلًا فحنظل، وإن كان بعض قطرات العسل النادرة وفوح زهرة عابرة.. فهو كذلك.. لكن الشَّهد والفَوح من الندرة بمكان حتى لا يكاد أمرهن يذكر على كل حال. تعالوا نجرب لعبة أخرى في بعض أيامنا المتبقيات لنا ونحن على قيد الحياة، لنرى ونختبر ونعتبر مما نجرب ونرى.. تعالوا نتغاضى عن بعض استفزازات ما يجري أمام نواظرنا وعما يعتمِل في أنفسنا وما تدلقه فيها ذواكرنا.. ونبتعد عن المثيرات من الأمور والوقائع والصور والروايات، وعمن يؤزون نار الفتنة والفرقة والكراهية فينا وفيما حولنا أزًّا لتشب نار الشر أعلى وتحرق أكثر.. ثم نتبصر في أحوالنا لنرى هل تخف شجوننا وترتاح قلوبنا وتهدأ أنفسنا ونطمئن في عيشنا إلى ما هو آتٍ مما ينفعنا ويكفينا ويشفي قلوبنا مما تجد؟! إنها دعوة للتجريب والتبصر والتدبّر، فمن تُراه يقبِل عليها وفي حشو جوفه دمٌ وثأر وخوف وظلم وحسرة وقهر، وكلٌ ذلك يشب شبوب النار ويحرق حرقها، وحين يرتفع إلى درجة الإحراق ليشتفي يحرق أكثر ويحترق أكثر، ثم يعود، إن عاد، ليكرر سيرته الأولى، فلا اشتفاء ولا اكتفاء ولا راحة.. وتلك حال تشبه حال سيزيف، ومن يعرف تمرُّد سيزيف والعقاب الذي عوقب به والتحدي الذي خاض مخاضته ليكسر إرادة وينتصر بالإرادة.. يعرف النتيجة، هذا إن كان هناك ثمة للعبث نتيجة، غير العبث.. لكنه في مثل حالنا عبث بالدم والمصير والوجود ذاته!!
قال قائل من الناس في الحياة ويقول: “إئنس بما فيها أو تآلف معها إذ لا فكاك لك منها، فامرؤ يعيش عليه أن يتواءم أو أن يتلاءم، فالناس في الحياة كنهر الحياة اللجب تتلاطم أمواجه، ليس لك ولا بوسعك أن تحكمه أو أن تتحكم بمساراته وتياراته وتموّجاته وتغيّراته.. نعم إن لك أن تحاول ركوب مركبه الصعب لكن تعلم كيف تركب وكيف لا تسقط فتغرق.. لأن نهر الحياة رجراجٌ صخَّابٌ هيَّاج، وليس مما يمكن لجمه وضبطه وربطه، فهو أكبر وأقوى من كل لجام وقيد وضبط وربط، وهو مما لا يمكن حكمه ولا التحكّم به.. وهناك في خضمِّه أو على ضفافه ما يأمرنا وما يمرمرنا وما يقهرنا، لكن هناك أيضًا ما يسحرنا ويبهرنا ويغرينا وما يقحمنا في دروب المغامرة إقحامًا.. وفي أعماق ذلك النهر الذي نسكُنه ويسكُننا.. هناك ما يبقى عالقًا بنا وملازمًا لنا، وحين نستبعده يعود إلينا على نحو ما، من دون إنذارٍ وعلى غير توقع أو انتظار، ويفتك بنا فتكًا ذريعًا.. لهذا ليس لنا إلا أن نحفر ونحفظ خطوطًا تشكل لنا متاريس حياة ذات أرباضٍ وأغراض، نحتمي بها حينًا من قصف الحادثات ومن صدى قصفها في داخلنا، ونعزز بثباتنا فيها أحيانًا مواقفنا وفرصنا في الحياة. لا يظنن أحدٌ أن كل ما يرغب فيه يتحقق له وأن كل ما يؤذيه يمكنه أن يتجنبه أو أن يزيحه من طريقه، فهناك ما لا نحصل عليه، وهناك ما لا نقوى عليه، وهناك ما يفرض علينا كوابيسه بحكم الوجود حتى لو ضاق بنا وبه الوجود.. ووجودنا يقوم على أنواع من السجال بين الإمكان والمحال، وحين لا تميل شجرتنا مع الريح العاتية تقصفها الريح العاتية.. فلنتحصن في نهر الحياة وعلى ضفافه ولنسبح فيه ونعُبّ منه، ولنتبصر في القول الكريم: “وجعلنا من الماء كل شيء حي”.
إن هذا لا يعني، بحال من الأحوال، أن نختار تبعيةً أو أن نرضى بها بوصفها قانون حياة، ولا يعني أن نسلِّم بإمكانية محونا فنستسلم لمن يريد محونا، ولا يعني أن نجعل من أنفسنا مطايا للآخرين وأدوات لهم، ولا أن نترك إرادتنا، ومن ثم شخصيتنا، تذوي في عتمة الخضوع فنكون أقرب إلى الإمَّعات منا إلى الأفراد والجماعات والشعوب الحية ذات الإرادة والقيادة والفرادة، ممن تتكامل فيها شخصايتهم الناس وخياراتهم من خلال التجربة والصبر والنضال والمعاناة، لا سيما من حيث قوة الإرادة ونوع الحضور ووضوح الرؤية وقدرة الذات على بلورة الأفكار والمواقف واتخاذ القرارات والدفاع عن الخيارات بالعلم والمعرفة والحكمة، وبالقوة حين يؤول الأمر إلى دفاع عن النفس والوجود والوقوف بوجه من يقتل النفس ويهدد الوجود.
الحياة ليست حضنًا دافئًا لمن يحتاج إليه، بل قد تكون صقيعًا يفتقد معه الشخص الحضن الدافئ الذي بين يديه والغائب الذي يطلبه ولا يجده، والحياة قد يسكنها القلق والرهَق والرعب فيبحث المرء عن أمن وملاذ فلا يجدهما.. إذ كلٌّ فيها يبحث عما يريحه، ويطمع بالآخر ويود لو يلحقه بذاته، وكلٌّ يبحث فيها عما يرضيه وعما يرغب فيه وما يحتاج إليه، وعما يرفعه بنظر نفسه ونظر غيره ممن هم على شاكلته درجات، حتى لو كانت درجات السلم الذي يرتقيه حيواتٌ وجماجم وزفرات وغصص.. وقد لا تجد في الناس مَن طبيعته العطاء بإنسانية فيّاضة تغمر المدى الروحي للآخر وتزيّن له الحياة والآخر، وتقويه وتجعله قادرًا على الوفاء والإشفاء والإرواء، وتستشرف له الإمتاع بحب فتجعل الحياة متعة وبهجة وحب..
ألا وإن الحياة مجازات صعبة، وأصعب مجازاتها مجاز الإنسان إلى الإنسان، مجاز الأنا إلى الآخر، مجاز الروح إلى فضاء تزدهر فيه مع الأرواح، فيكون ذلك مربعها وربيعها بكل الأبعاد والمعاني.. ذلك لأن كلَّ قوقعة بشرية حية على نحوٍ ما وتقبِ على الحياة بطريقة ما، وبعض تلك القواقع تكون بصلابة الصوان، وتجد في داخلها هيولى النفس والروح وفي داخل تلك الهيولى قد تجد من بلورات القواقع الصوانية ما يمركِز حوله الهيولى ذاتها ويجمدها ويسلبها ما فيها من إنسانية وروحانية منبثّتين في الكيان الحي، ويخنقهما داخل تلك القوقعة شوك القوقعة الصواني.. وهي على ما فيها تحيط ذاتها في كثير من الأحيان والأحوال بأشواك حادة قد تكون حرابها آقوى وأقسى من الفولاذ أو مما هو أكثر منه قوة، فيفتك الشوك بالشوك عند الالتقاء، ويتجاوز الأشد منه جلد الآخر ولحمه وعظمه، ويخترقه مبعثِرًا الدم والرخويّات الداخلية في المدى، جاعلًا إياها خبرًا بعد عين ويبددها بِدَدا..؟! وكم.. وكم.. في تلك القواقع البشرية من رخويَّاتٍ تود لو تسترخي هيولاها وتتشكل إنسانيًّا وتتسامى روحيًّا، لكنّ بلورات صوانية حادة ذات شفرات تكمن فيها تدميها وتجعلها تشاركها فعل أن تجرح أو تذبح.. وذاك الذي في الإنسان يبدو أنه من الإنسان؟!.. ومن أسفً ألا تستطيع القوانين البشرية الوضعية، التي تشبه طبقات من القطن المتفاوت السماكة، توضع بين أشواك القنافذ البشرية المتراصة في كهوف رطبة يدلف الماء من سقوفها أو ينزّ من جنباتها نزًّا ويرشح رشحًا.. من أسفٍ أنها لا تستطيع أن تمنع أحدًا منها من أن يغرز شوكه في جسم أحد، وقد لا تستطيع أن تجعل أحدًا منها يتقي مخارز الآخر فضلًا عن أن يطمئن أليه ويثق به.. فكيف به يتوقع منه أن يدفئه أو يحميه أو يفتديه وهو لا يستطيع أن يتقيه؟!.. والمرء قد يحتاج في لحظات من الحياة، بل إنه ليحتاج، إلى من يفهمه ويحضنه ويدفئه ويحميه ويمنحه ثقة وحنانًا، وحتى إلى من يوهمه بأنه قد يحضنه ويحميه ويفتديه ويمنحه.. ومن دون ذلك “الإنساني الحميمي الروحي” يدخل المرء متاهات مظلمات في الحياة بعد متاهات مظلمات، ويتنقل بين بلقع وبلقع، ويبقى مسكونًا من المعاناة بالخوف والرغبة؟!
قاسية هي الحياة بلا حضن دافئ، وبلا قلبٍ حنونٍ حامٍ، أو حتى بلا بائعٍ لوهم الدفء والمحبة والافتداء والحنان، وهي تصبح أقسى بلا توهّم وجود شيء من ذلك فيها حتى لو كان مما يدخل في أقصى درجات تجليات الوهم.. فشعورك بالآخر القريب قد يكون حاجة لك وحاجة له، وقد يتوقع كلٌّ منكما من الآخر أن يفعل ما يعتمِل في نفسه هو وما يتمناه أن يكون.. فكيف تكون الحياة إذا أضيف إلى ذلك الفقد غيابُ الأمن والسلم والرحمة وتحطم الأمل، ووحشية الإرهاب والرعب والاستبداد والخوف، وتربص المرء بالمرء في كل الأوقات والأماكن؟! وحين لا يكون ذلك، أي حين لا يكون لا أمن ولا إنسان، تكون الصَّدمة قاسية مهولة والهوة سحيقة مرعبة، لا سيما مع تبدد الوهم في طرفة عين وتجلي الرعب في كل عين.. هنا يجد المرء نفسه في الوحدة والعزلة والغربة والقسوة، تزلزله الصدمة، ويتردّى في الهاوية المظلمة السحيقة!؟
يا الله.. كم هي رقيقة شفافة وهشة قشرة النفس الطيبة، وكم هي سميكة قاتمة وقاسية قشرة النفس الخبيثة.. وكم في الحياة والأحياء من طيب وخبيث، ومن قاسٍ وقسوة على أنفس تتطلع إلى أن ترى في الناس طيبة ورحمة، وفي الحياة أكثر من الأمن والعطف والحنان والرجاء!!

إلى الأعلى