الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإسلام وأميركا: إعادة تشكيل صورة

الإسلام وأميركا: إعادة تشكيل صورة

أ.د. محمد الدعمي

يظهر الراصد الفطن، المسلح بالقراءات تحت النصية للخطاب الإداري الأميركي، عددًا من الإشكالات والإخفاقات التي تستتبع إخفاقات تسلسلية تالية، بقدر تعلق الأمر بالصلة بينها وبين العالم الإسلامي، ليس كحكومات فقط، وإنما شعوبًا وحكومات كذلك. وهنا يكمن موطن الاختلال في هذه الصلة المكهربة.
وإذا لم تكن هذه الملاحظة وليدة لحظة تاريخية عابرة، لحظة حرجة يشوبها الاحتكاك والارتطام عبر العالم الإسلامي، فإن علينا أن نسلم بأن الإدارة الأميركية، بكامل أطقمها الدبلوماسية والسياسية والأكاديمية والاستخبارية تفكر مليًّا الآن في إيجاد طريقة ما يمكن بواسطتها تقديم وتشكيل “صورة جديدة” لأميركا عبر العالم الإسلامي: صورة تطرد الصورة النمطية المؤسسة وتزيحها على سبيل الحلول محلها، تأسيسًا على آلية الإزاحة والحلول.
بيد أن للمرء أن يعلم الإدارة الأميركية بأن هذه المهمة لن تكون يسيرة قط، باعتبار ما تركته الصورة المؤسسة منذ أواسط القرن الماضي حتى اللحظة من غيمية وتراث ملبد في نفوس المسلمين والدول الإسلامية عامة.
كما تكمن صعوبة المهمة بالنسبة للإدارة الأميركية في تعقيد وعمق التراث الغائم أعلاه، ذلك التراث السالب الذي لم تراكمه السياسات الأميركية المعاصرة، لأنه كان وليدًا لعقود تلو العقود من الانحياز السياسي والعملي ضد المسلمين والدول الإسلامية عامة، خاصة بقدر تعلق الأمر بالشرق الأوسط حيث تكمن الصورة السالبة في نفوس الجمهور، هي بدرجة من السلبية أنها قد تفاجئ الإدارة الأميركية بآثارها، كما حدث يوم قتل السفير الأميركي في ليبيا، إذ كانت تلك الحادثة لا تزيد عن علامة مبكرة مما يمكن للإدارة الأميركية توقعه إذا ما تفجرت الأوضاع في المنطقة على نحو واسع، خاصة في الخليج العربي، عصب الحياة بالنسبة للعالم والعالم الغربي خاصة.
أما إذا ما توجه خبراء الدعاية والاستخبار اللحظة لقاعة الاجتماعات لغرض التداول في كيفية تشكيل صورة بديلة للولايات المتحدة في العالم الإسلامي، فيتوجب عليهم أن يطلبوا ملفات تاريخ الصورة السلبية السابقة للولايات المتحدة التي بقيت متواصلة، درجة التنميط، عبر العالم والشعوب الإسلامية على سبيل إيجاد أنجع الطرق لإزالة تراثها وآثارها النفسية، بل ولتجنب احتمالات ما يمكن أن تولده اليوم من عواطف عدائية ومشاعر مضادة.
تتلخص الخطوة الأولى بدراسة الصورة الأميركية السابقة، أي الصورة المنمطة المراد إزاحتها لتحل الصورة الجديدة محلها شرطًا مسبقًا على سبيل قلب عواطف العدائية ضد الولايات المتحدة إلى عواطف تفاهم وحوار وتفاعل. هذا أولًا؛ أما ثانيًا، فيتوجب على الخبراء أعلاه أن يبحثوا عن مصادر العدائية للإسلام والمسلمين، تلك المصادر المسؤولة عن رسم الصورة السابقة على سبيل معالجتها وكفها عن الإساءات التي انتهت إلى تصوير المسلم بالطريقة الدموية التي يقدمها الإعلام الأميركي والثقافة الشائعة هناك عبر المسلسلات والأفلام وبرامج التواصل والواقع التي لم تزل تضخ خطوطًا مبتورة أو ملتوية، وألوانًا قاتمة لرسم صورة المسلم والإسلام على النحو الذي يخلق الكراهية والضغائن بديلًا عن المحبة والتعاون البنّاء.
وإذا كانت الخطوة الأولى بهذه الدرجة من التعقيد والعتمة، فإن الخطوة الثانية، أي خطوة رسم الصورة الإيجابية البديلة، ستتطلب المزيد من الجهد والأموال وإعادة تشكيل السياسات الخارجية كي تكون الصورة المرجوة ممكنة الرسم والتقديم.

إلى الأعلى