الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: تشويه صورة العرب

باختصار: تشويه صورة العرب

زهير ماجد

سقط العرب حضاريا أمام الغرب، من سيصدقهم بعد اليوم بأن لهم تاريخا نضرا في التاريخ، وبأنهم قدموا للبشرية جل أنسنتها. صار العرب عالما من البرابرة الذين يحملون السكاكين ويقتلون بالجملة ولا تفاهم معهم ولا قبول لطرف آخر.
نجح الغرب في اختراع السبب، وعاد إلى حربه له .. ونجحنا نحن في ابتلاع المسؤولية وفي قبول الفكرة. لن يفهم الغربي أن ثمة فوارق بين العرب وبين المسلمين لأن اعتقاده الراسخ أن كلهم سواسية. لا يريد التعرف على أقطار عربية تبث تلك السموم وتساهم فيها، وأخرى تقاتلها منذ سنوات، كما أن هنالك مسلمين غير عرب هم من أصل المشكلة ومن مخترعيها ومن داعميها اليوم، هم تركيا أردوغان الذي يشار إليه بديكتاتور تركيا اليوم.
لن يفهم هذا الغرب أن أكثر العرب والمسلمين هم ضد ظاهرة التطرف وضد الإرهاب وضد مسمياتها التي صارت معروفة ومرهوبة حتى من أهلها .. الشعوب عادة لا تفرق حين تحكم بالجملة، وتنسى أن ثمة عداوة بين كثيرين وبين أفكار غريبة وممارسات أغرب.
لن يطل العالم الغربي على عرب مناهضين لما يجري في ساحاتهم، تحولاتها في محلها، ومعتقداته أن المسلمين سقطوا في امتحان الحضارة ولن تقوم لهم قائمة .. هم جميعا “داعشيون”، ثم هو هذا الإسلام كما تظهره “داعش” .. تلك الأفكار إنذار قوي للعرب والمسلمين، لكن الصوت الهامس لا يسمعه أحد، يظل الإعلام البارز والمدروس الناجح والمسيطر، وخصوصا عندما يكون مبللا بالدم.
لم يقل أحد من الغربيين إن العرب تراجعوا إلى قاع التاريخ وصاروا مادة تندر على وحشية التصقت بهم ونخشى أن تتأبد. لكن إذا استمر الحال على ما هو عليه سنوات أخرى، فسنكون أمام إصدارات إعلامية لن تتوانى عن ذكر العرب “البرابرة” بصيغة الجمع وبالمفهوم الكلي الشامل.
قضية المجتمعات الحديثة أنها تعرّف ما تراه، ليس مهما ما كان ماضيها وما حصل فيه، المهم ما هو ماثل أمام العين .. بمعنى أن الغرب عاش وحشية أين من بعضها “داعش” ومشتقاتها، ثم وصل إلى حلول سحرية عندما صار لا تدخل دينيا في السياسة والعكس هو الصحيح، ومع ذلك فهو يقرن ما جري في المنطقة العربية بأنه إسلامي وليس سياسيا، وأنه من متن القيم الإسلامية، وليس من مهابط السياسة ودوائرها التي في بعضها بشاعة لا تحتمل، وأنه مؤامرة على الإسلام وعلى المسلمين، ومن دبرها أراد إنزال المزيد بالعرب ناسيا الإشارات اللاحقة التي ستحملها.
المجتمعات الغربية تتطلع إلى ما يجري في المنطقة وكأنه خصائص المكان وليس عملية إنزال جرت بعد تدبير مدروس. لن تتراجع تلك المجتمعات عن التفكير في خوف يسري في عروقها وهي تتابع المشاهد، وبعض من أبناء الغرب يذبحون علنا وعلى مرأى من الإعلام، وهو مدروس أيضا.
لن تغفر تلك المجتمعات للمشاهد البربرية رغم أن لها ذكرى أليمة فيها وتكاد تشبهها. تريد شعوب الغرب أن تعيش الواقع الحالي كما لو أنه بلا تاريخ، فقط في مرئياته، ولهذا تحكم على ما يجري في المنطقة العربية بأنه ذروة التوحش وكأنه لم يحصل في الماضي، لا ماضيها هي، ولا ماضي الآخرين.

إلى الأعلى