السبت 24 أغسطس 2019 م - ٢٢ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / آيات سورة القدر (دراسة لغوية دلالية) (3)

آيات سورة القدر (دراسة لغوية دلالية) (3)

د/ جمال عبدالعزيز أحمد*
.. وأسلوب الحال المتمثل في:(والروح فيها) فهي في محل نصب حال، تبين هيئة نزول الملائكة، وتظهر حالهم، وتواضعهم، ومعهم جبريل ـ عليه السلام ـ بنفسه، وأسلوب الحذف كذلك في:(سلام)، أي: هي سلام، على توجيه بعض المعربين، وأسلوب التقديم والتأخير، أيْ: القصر والحصر في:(سلام هي)،والأصل: هي سلام، ففيها عدة أساليب، وكلُّ أسلوب يحمل دلالاتٍ ومعانيَ كبيرة تتناسبُ مع عظم وكبر الليلة، وفضلها، ومكانتها، ومنزلتها، كما أن فيها أسلوبَ التنازع الذي يتضح من:(سلام هي حتى مطلع الفجر) حيث تُنُوزِعَ في الضمير (هي) إذ يطلبه (سلام) مبتدأ، أي (هي سلام)، ويطلبه شبه الجملة:(حتى مطلع الفجر) مبتدأ، أي (هي حتى مطلع الفجر)، فقد تُنُوزِعَ في الضمير، كل يريده مبتدأ، سواء ما قبله، أو ما بعده.
وكلها أساليب إخبارية، لا فيها أسلوب إنشائي واحد؛ لكونها تقرر حقائق، وترسي قيمًا، وتعمِّق مفاهيمَ، وترسِّخ دلائلَ يصعب معها استعمالُ الإنشاء الذي هو انتظار حدوث الفعل، أو طلب إنشاء حدوثه.
كما كثرت فيها الضمائر، ورغم ذلك فكلها ضمائر واضحة وضوحَ الليلة، منيرة كضوئها، لا يتوقف أمام فهمها وعَوْدها على الأسماء الظاهرة أيُّ مسلم:(إنَّا ـ أنزلناهُ ـ فيها ـ ربهم ـ هي) ضمائر كلها نور، ووضوح تحكي جمال، وكمال، وجلال، وسموَّ، وعلوَّ الليلة لكونها تُعْلي من الضمير، والذات، والنفس، والفؤاد.
وثالثتها تلك الروابط الواردة في السورة، حيث جاءت في مطلعها بالحرف (إنَّ) الذي يتطلب اسماً وخبراً يؤثر فيهما، فهو لون من ألوان الربط، والتمتين، ويأتي حرف الجر (في) ليظهر أن القرآن قد شاع في أزمان الليلة كاملة، وتعمَّق فيها حتى آخر ثانية فيها، وانظر في كلِّيَّتها، وتداخل في كل لحظاتها، ثم تأتي واو العطف لتربط بين الآيتين، وترتِّب حكما بعدها على كل حكم سبقها، فتمزج بين الدلالتين، وتجمع بين المعنيين، ثم تأتي (من) في قوله:(خير من ألف شهر) لتؤكد دلالة التفضيل، حيث دخلت على المفضل عليه:(ألف شهر)، فهي أفضل وأكثر خيرية من ألف شهر، ليست فيها ليلة قدر، فتبرز عظمة الليلة، وتوضح قيمتها، وجلالها.
وتأتي واو الحال في قوله:(والروح فيها) لتظهر حال تنزُّل الملائكة يصحبُهم فيها جبريل ـ عليه السلام ـ فهي تفيد الحالية والمعية والمصاحبة لتبين كيف يحب ملائكةُ اللهِ عبادَ اللهِ لأنهم طائعون مثلهم، عابدون، ذاكرون، متهجِّدون، داعون، فهم قد اشتبهوا بهم في طهارتهم، ونقائهم، وحب الطاعة طوال الليلة، لا يسكتون عن تسبيح، ولا يملون صلاة، ودعاء، ورفع أكُفٍّ، وبكاء، كأنهم ملائكة أبرار.

إلى الأعلى