الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الحدود العُمانية اليمنية (2-2)

الحدود العُمانية اليمنية (2-2)

كنت قد تناولت في العدد السابق دور بريطانيا في رسم الحدود في شبه الجزيرة العربية، وما نتج من مشاكل سواء بين الدول أو حتى في الدولة نفسها، وسأعرض في هذا العدد المشكلات التي حدثت بين عُمان واليمن وكيف تم ترسيم الحدود بين البلدين.

المشكلات الحدودية بين عُمان واليمن
النزاعات الحدودية في منطقة الجزيرة العربية والوطن العربي تمثل أحد العوامل الطاردة للثقة والتعاون والتكامل بين أبناء الوطن العربي، ومهما حسنت النوايا ستبقى قضية الحدود في العالم العربي قنابل موقوتة وستظل عرضة للانفجار في أي وقت، فهي لا زالت تمثل مصدر قلق دائم للجميع، كما يمكن القول بأن المشاكل الحدودية بين الدول العربية تهدد استقرار هذه الأمة أكثر من الأخطار الخارجية، لاسيما إذا استغلها بعض الحكام العرب الذين يواجهون مشكلات داخلية مع شعوبهم لصرف الأنظار بعيدًا عن عدو مشترك.
لقد مثلت نزاعات الحدود اليمنية العُمانية حالة متميزة إذا ما قورنت مع باقي حالات النزاعات الحدودية العربية العربية، وتبدو المفارقة أن هذه التطورات الإيجابية قد تمت بعد قيام الوحدة اليمنية في مايو عام 1992م، والتي جمعت بين شطري اليمن، ففي حين كان الشطر الجنوبي من اليمن مسئولاً عن الحـدود مع عُمان كان الشطر الشمالي المعروف بالجمهورية العربية اليمنية (وقتئذ) مسئولاً عن الحدود مع السعودية.
يعود خط الحدود القديم بين عُمان والمهرة في حضرموت – التي تمثل إحدى محافظات الجنوب في اليمن الموحد مثلما كان شأنها في ظل التشطير- إلى عام 1965م حين وقعت سلطات الحماية البريطانية – التي كانت تسيطر على ما كان يعرف بالمحميات الشرقية لعدن – مع سلطان مسقط وعُمان اتفاقية للحدود ولم يكن الخط المتضمن في اتفاقية 1965م سوى تطوير وتعديل لخط سابق كان يعرف بخط “هيكم بوثم” حاكم عدن في نهاية الخمسينات ومطلع الستينات، وهو الخط الذي تضمنته الاتفاقيات الموقعة بين سلطنة المهرة وسلطنة مسقط وعُمان في عام 1954و 1960م، وكان طبيعياً أن يكون الهدف من رسم تلك الحدود وفرضها على الأطراف المحلية سواء اليمنية أو العُمانية بالطبع هو حماية لمصالح بريطانيا في المحميات الشرقية. كما أن منطقة ظفار تبدأ من رأس ضربة علي على الحدود بين مهرة وظفار على الساحل حتى رأس تهرار وراء جبل سنان شرقاً وشمالاً حتى رملة المقشن وغرباً حتى مهرة.
وقد كتب السلطان تيمور بن فيصل البوسعيدي إلى الميجور جي بي مورفي (Murphy) الوكيل السياسي والمقيم في مسقط في 31 ديسمبر 1929م بين فيها: “أن الجبل المعروف باسم ضربة علي والذي يقع على شاطئ البحر والجانب الغربي لظفار يفصل بين ظفار ومنطقة مهرة، وبذلك فإن منطقة مهرة تقع إلى الغرب، وتكون حدود ظفار التي تخضع لحماية وسلطة مسقط إلى الشرق من هذا الجبل وعلى نحو مشابه فإن وادي رخيوت يعد الحد الفاصل بين عُمان وظفار.
مع استقلال الجنوب اليمني في 30 نوفمبر1967م اعترفت سلطات الجبهة القومية التي تسلمت الحكم في الجنوب في أول بيان لها بحدودها المورثة مع جيرانها وبالعمل على احترام هذه الحدود، إلا أن التطورات السياسية التي لحقت بالمنطقة أدت إلى محاولة تجاوز اتفاقية عام 1965م، ويمكن الإشارة هنا إلى ثلاثة أسباب رئيسية:
أولاً: التطورات التي لحقت بطبيعة السلطة السياسية في الشطر الجنوبي لليمن، وتحوله إلى نظام يعتنق الفكر الماركسي الشمولي وارتباطه بالاتحاد السوفيتي السابق، وسعيه إلى مواجهة ما اعتبره أنظمة عربية تقليدية تدور في الفلك الاستعماري البريطاني والأميركي.
ثانيًا: اندلاع حركة المقاومة المسلحة في إقليم ظفار المتاخم للأقاليم اليمنية الجنوبية، وبالتالي حصولها على دعم سياسي وعسكري من النظام الحاكم في جنوب اليمن.
ثالثًا: قدرة النظام في عُمان بداية مطلع السبعينات على إنهاء كل أشكال المقاومة المسلحة في إقليم ظفار.
ترتب على تلك العمليات العسكرية نشوء واقع حدودي بين اليمن الجنوبي وعُمان اتسم بعدم الاتفاق كلية مع خط الحدود المرسوم في اتفاقية عام 1965م وقد أدى ذلك إلى نشوء ما يسمى بحدود الأمر الواقع.
أما أهم المشكلات الحدودية بين عُمان واليمن فهي:
- جزر كوريا موريا (الحلانيات):
هي خمس جزر تقع على بعد 40 كيلومترا من ساحل عُمان الجنوبي الشرقي، مساحتها الإجمالية حوالي 73 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها يقدر بحوالي مائة وخمسين نسمة أو يزيدون قليلاً، وهذه الجزر هي: الحاسكية نسبة إلى نيابة حاسك، القبلية نسبة لاتجاه القبلة، سوداء كما يطلقون عليها اسم جزيرة الطيور وهو اسم على مسمى؛ لأنها محطة للطيور وهي غير مأهولة بالسكان، الحلانية وهي أكبر هذه الجزر ويوجد بها بعض المواقع الأثرية القديمة التي ترجع إلى ما قبل الإسلام أهمها مقابر ومستوطنة في وادي أنظور، ومغارة مغاره التي تقع إلى الشرق من الشويمية، وأسود، وجارودة، وتتميز تلك الجزر بالتنوع التضاريسي الهائل من الصحاري والمرتفعات والجزر والعيون والخلجان والرؤوس البحرية. وقد تنازل عنها السيد سعيد بن سلطان (1806- 1856م) لبريطانيا؛ لإقامة محطة اتصالات (تلغراف) وقد ضمتها بريطانيا إلى محمية عدن حتى عام 1963م؛ عندما نقلت سلطة الإشراف عليها إلى المقيم السياسي في الخليج ومقره البحرين، ثم أعيدت للسيادة العُمانية في 30 نوفمبر عام 1967م.
وفي تقرير بريطاني يصف هذه الجزر بأنها “مجموعة من الحجارة تقع في الجنوب الشرقي للساحل العُماني، وكان السيد سعيد بن سلطان قد أعطاها للملكة فكتوريا كهدية وذلك في عام 1854م، وهي تتبع محمية عدن ولكنها تدار من قبل المقيم السياسي في الخليج العربي الذي يزورها بشكل غير منتظم وكانت السفن البريطانية تتوقف فيها مرة في العام.
وهناك تقرير بريطاني آخر كُتب عندما زار وفد بريطاني جزر كوريا موريا (الحلانيات) وتضمن هذا التقرير مطالبة بعض الأهالي بجوازات بريطانية، وقد رفض السلطان سعيد بن تيمور اعتبارهم عُمانيين يسكنون خارج الدولة، وعند مطالبة القنصل للسيد سعيد بن تيمور السماح لهم بحمل الجواز البريطاني قال السلطان: “عليهم أن يحصلوا على تأشيرات دخول إذا ما أرادوا دخول مناطق اليابسة في عُمان”. وقد اقترح القنصل حصولهم على جوازين فرد السلطان: “أنهم أصلا من سكان مرباط”.
وقد كانت بريطانيا تريد شراء هذه الجزر؛ فتقدمت بطلب في الرابع عشر من فبراير عام 1854م، وصدرت تعليمات إلى الكابتن فريمانتل (Fremantle) بألا يعرض على السلطان أكثر من عشرة آلاف جنيه إسترليني ثمناً لها، ولكن السيد سعيد بن سلطان تنازل عنها كعربون مودة وصداقة لبريطانيا. ونورد نص الوثيقة التي تحمل تنازله عن هذه الجزر: “في الرابع عشر من يوليو عام 1854م باسم العلي القدير، من المتواضع السيد سعيد بن سلطان إلى كل من يهمه الأمر، مسلمين وغيرهم، أن الكابتن فربمانتل قد جاء إلي من قِبل الملكة العظيمة لأن أعطيه جزائر غلفان التي تسمي “العلنية، أسود، الحسكية، القبلية، جاروده”؛ وبناء على ذلك أمنح حكومة صاحبة الجلالة الملكة فكتوريا تلك الجزر السابقة ولأولادها من بعدها بصفة مطلقة، ذلك بناء على رغبتي التامة وبدون أي ضغط أو تهديد، وليكن ذلك معلوماً لكل من يطلع على هذه الوثيقة”.
وعلى أية حال فقد قامت بريطانيا بإرجاع جزر كوريا موريا إلى حكومة السلطان سعيد بن تيمور في 19 ابريل عام1965م؛ نظراً لعدم أهميتها الاستراتيجية لبريطانيا، وكان الاقتراح البريطاني أن يتم تقديم هذه الجزر على شكل هدية؛ وذلك لأن أسلاف السلطان سعيد قدموها كهدية للملكة فكتوريا عام 1854م.
وقد احتجت اليمن الجنوبي على إرجاع بريطانيا جزر كوريا موريا إلى حكومة السلطان، وطالبت جامعة الدول العربية والأمم المتحدة بتأييد مطالب اليمن الجنوبي على اعتبار أن هذه الجزر تتبع محمية عدن وبالتالي هي جزء من اليمن الجنوبي.
كما تدخلت الإمامة في عُمان في هذه المسألة، حيث تقدم إمام إمامة عُمان الشيخ غالب بن علي بن هلال الهنائي في 30 نوفمبر عام 1967م برسالة إلى الأمين العام في الاجتماع الثامن والأربعين لمجلس الجامعة، وأكد فيها أن جزر كوريا موريا هي جزء لا يتجزأ من عُمان كما أنه يرفض بشدة ضمها إلى أي دولة أخرى.
وتجدر الإشارة إلى أن بريطانيا قد ضغطت على السلطان سعيد بن تيمور للتنازل عن جوادر في باكستان مقابل مبلغ مالي، وكان السلطان يرفض ذلك؛ مما كان يؤرق بريطانيا، حتى أنها قالت للسلطان صراحة “إذا قامت باكستان بمحاصرتكم أو باحتلال جوادر فلن يمكننا القيام بإجراء فعال لردعهم”.
ونستنتج من ذلك أن بريطانيا قامت بإرجاع جزر كوريا موريا إلى حكومة مسقط – التي كانت تابعة لها من الأساس – لتعويض السلطان عن جوادر التي تنازل عنها لباكستان وربما أيضاً لإسكات الشعب الذي بدأ مستاءً من بيع جوادر إلى باكستان.
وعلى أية حال فقد تم حل هذه المعضلة بعد ترسيم الحدود بين عُمان واليمن في عهد السلطان قابوس بن سعيد عام 1992م.

ترسيم الحدود بين اليمن وعُمان.
لقد كانت حدود عُمان الطبيعة تمتد من حدود دولة قطر إلى منطقة حضرموت اليمنية، ومن سواحل الخليج في الشمال والشرق والجنوب حتى الربع الخالي في الغرب، وقد أشار ابن خلدون” أن عُمان وحدودها في ذلك العهد كانت تمثل وحدة سياسية منفردة وأن حدودها تمتد من البحرين إلى حضرموت”.
لقد مر موضوع ترسيم الحدود بين سلطنة عُمان والجمهورية اليمنية بمرحلتين: الأولى كانت قبل قيام الوحدة اليمنية، حيث كانت البداية إثر المساعي الحميدة التي بذلتها دول مجلس التعاون الخليجي، لإنهاء الخلاف الذي كان قائماً بينهما، والتي كللت بتوقيع اتفاق المبادئ الذي أنهى مشكلة الحدود بين البلدين.
أما المرحلة الثانية: فبعدما تمت الوحدة بين شطري اليمن كان الموقف أكثر إيجابية؛ فقد دخلت المفاوضات بعد قيام الوحدة مرحلة اتسمت بالجدية والإصرار على إنهاء هذا الملف الشائك، وتمثلت الأمور المحفزة على سرعة الإنجاز نحو اعتماد جملة من المبادئ العامة التي يتم من خلالها تجاوز منطوق اتفاقية عام 1965م من جانب، والادعاءات التاريخية القديمة من جانب آخر، وتمثلت هذه المبادئ في التراضي والتوازن وعدم الإفراط أو التفريط في الحقوق والسيادة الوطنية لكل منهما، وعدم سعي أي من الطرفين لتحقيق مكاسب على حساب الطرف الآخر وأن يكون خط الحدود مستقيما إلى أقصى حد، وأن يتم تجاوز مبدأ الحقوق التاريخية ما أمكن ذلك، وأن يراعي تسهيل الانتقالات بالنسبة للقبائل التي تعيش على جانبي الحدود.
ومما لا شك فيه أن نظرة السلطان قابوس لليمن باعتباره العمق التاريخي والاستراتيجي والسياسي للخليج لها مدلولاتها؛ فلا شك أن استقرار اليمن هو من استقرار دول الخليج وقد أعلن السلطان قابوس ذلك صراحة حيث قال: “إن اعتزازنا بهذه الثوابت ما هو إلا اعتزاز بالتاريخ المشترك والهدف الواحد للوصول إلى سعادة ورفاهية الشعبين الشقيقين العُماني واليمني”.
لقد كان مبدأ جعل خط الحدود مستقيماً إلى أقصى درجة ممكنة مثيراً لبعض المعوقات خاصة في المنطقة المسماة بمثلث حبروت التي تتداخل فيها مصالح القبائل العُمانية واليمنية على نحو كبير؛ نظراً للتعرج الكبير في الخط الحدودي القديم، ومع اعتماد مبدأ الخط الحدودي المستقيم الذي ينطلق من منطقة “ضربة علي” على المحيط الهندي وبصورة مستقيمة حتى منطقة “حبروت” ليتعرج قليلاً، ثم ينطلق بعدها بصورة مستقيمة في اتجاه صحراء الربع الخالي إلى النقطة التي تلتقي فيها الحدود بين كل من عُمان واليمن والسعودية، ووفقاً للمصادر اليمنية فإن استقامة الخط الحدودي أعطت لليمن منطقة مساحتها تزيد على أربعة كيلومترات مربعة في حدود محافظة المهرة، وهو على عكس بعض الانتقادات الحزبية التي قالت بأن الاتفاق أدى إلى تنازل اليمن عن حوالي 18 كيلومترا مربعا.
لقد تم توقيع الاتفاقية في صنعاء عاصمة الجمهورية اليمنية في الثاني عشر من نوفمبر 1992م، وللاتفاقية ملحقان، وبعد توقيع الاتفاقية وترسيم الحدود بين عُمان واليمن فُتحت أبواب العلاقات الاقتصادية بينهما، كما فُتحت الحدود أمام المواطنين، وسار هذا التنقل في اتجاهين: الاتجاه الأول لفئة خاصة وهم الرعاة من الجانبين، فهؤلاء يأتي تحركهم جماعياً في صورة قبائل وعشائر وأسر متكاملة من هذا الجانب من الحدود إلى الجانب الآخر تبعاً لموسم الأمطار ومرعى كل قبيلة، ومُنح هؤلاء الرعاة بطاقة هوية تحدد الجانب الذي قدموا منه، كما أصبح بمقدور القبائل التوغل في أي جانب من الحدود إلى عمق 25 كيلومترا، وهو الحد الذي سمحت به الاتفاقية في إطار موسم الأمطار والمرعى.
أما الاتجاه الثاني فهو يتعلق بمرور المواطنين بين البلدين فقد سُمح بالتنقل عبر منفذين بريين، المنفذ الأول هو طريق المزيونة – الغيظة ويطلق عليه الطريق الاستراتيجي؛ لأنه سيكون الطريق الأساسي لعبور التجارة والبشر إضافة إلى أنه يكمل شبكة الطرق البرية في العالم العربي، ويقع هذا الطريق بالغرب من حبروت ويبلغ طوله حوالي 435 كيلومتراً وهو أطول الطرق مسافة وأكثرها كلفة لكن البلدين اختاراه كونه طريقاً منبسطاً يمكن اجتيازه بسرعة في خلال أربع ساعات تقريباً، أما الطريق الثاني فهو طريق صرفيت – حوف وهو طريق معبد أقصر مسافة بحوالي 150 كيلومترا لكنه طريق صعب جداً نظراً لارتفاعه وانحناءاته الحادة مما يجعل صعوبة السير في معظم أجزائه بسرعة لا تزيد على 35 كيلومترا في الساعة، كما يصعب على الشاحنات ( ذات المقطورة) استخدامه، إضافة إلى الضباب الذي يخيم على المنطقة في فصل الخريف.
وقد نتج عن ترسيم الحدود استقراراً سياسياً وأمنياً، مما أتاح للمواطنين إمكانية الاتصال والانتقال الميسور والتواصل مع أقاربهم وعشائرهم بعد أن فرقت الظروف السياسية بينهم.

يونس بن جميل النعماني
كاتب وباحث
Younis990095@gmail.com

إلى الأعلى