الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ابن دريد ومعجمه الجمهرة

ابن دريد ومعجمه الجمهرة

بادئ ذي بدء، لا بد من وقفة سريعة عند حياة ابن دريد. فهو هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد المولود في مدينة البصرة سنة 223ه‍ الموافق 838 م في خلافة المعتصم، وكان أبوه من الرؤساء وذوي اليسار، وبالبصرة تأدب وتعلم اللغة وأشعار العرب، وقرأ على علماء البصرة، ثم انتقل منها إلى عمان، وأقام بعمان اثنتي عشرة سنة، ثم رجع إلى البصرة وسكنها زماناً(1). ثم خرج إلى نواحي فارس بدعوة عبد الله بن محمد ابن ميكال، عامل كور الأهواز للخليفة المقتدر بالله بن أحمد المعتضد، ليؤدب ولده أبا العباس إسماعيل بن عبد الله الميكالي، وقد مدح ابن دريد ابني ميكال بمقصورة معروفة، وأفاد ابن دريد من هذين الأميرين أموالاً عظيمة ، وألف في فارس كتابة الموسوم بالجمهرة، ثم انتقل ابن دريد من فارس إلى بغداد ، ودخلها سنة 308 ه‍ بد عزل ابني ميكال وانتقالهما إلى خرسان(2).ولما وصل إلى بغداد أنزله علي بن محمد بن الخواري في جواره، ولما عرف الإمام المقتدر خبره ومكانه من العلم فأمر أن يجرى له خمسون ديناراً كل شهر، وظلت كذلك إلى حين وفاته في بغداد سنه 321 ه‍(3). وعرف عن ابن دريد أنه حافظ للشعر، وكان ذا بصر بالشعر، ومقصورته خير دليل على هذه المنزلة، وله أشعار كثيرة رواها القالي في أماليه، وذكره الزجاجي وغيره، وهي تدل على جودة القريحة، ورقي الخيال، والبعد عن الافتعال(4) أما أهم شيوخه فهم أبو حاتم السجستاني وأبو عثمان الأشناندي والعتبي. وأشهر تلاميذه أبو سعيد السيرافي وأبو الفرج الأصفهاني وأبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه وأبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي(5). أما الحديث عن إنتاجه العلمي فكان عزيز الإنتاج، إذ ترك عدداً كبيراً من المؤلفات في اللغة والأدب. وفي ميدان المعاجم اللغوية يستطاع أن يقال: إنه من مصنفي معاجم الموضوعات ومعاجم الألفاظ. فله من النوع الأول: كتاب السرج واللجام، وكتاب صفة السحاب والغيث، وكتاب الأنواء، و كتاب الخيل الكبير والخيل الصغير، وكتاب السلاح. وله من النوع الثاني “جمهرة اللغة” وله كتاب الاشتقاق والمجتنى(6).
المعجم وهدفه:
أما معجم الجمهرة، فيبدأ به بمقدمة طويلة أشار فيها إلى هدفه، وأشاد بها ـ أيضاً ـ بالخليل بن أحمد صاحب معجم العين وبمعجمه، فيقول: “ولم أجر في إنشاء هذا الكتاب إلى الإزراء بعلمائنا ولا الطعن في أسلافنا وأنى يكون ذلك، وإنما على مثالهم نحتذي وبسبيلهم نقتدي، وعلى ما أصَّلوا نبني، وقد ألف أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفرهودي ـ رضوان الله عليه – (كتاب العين) فأتعب من تصدى لغايته، وعنى من سما إلى نهايته، فالمنصف له بالغلب معترف، والمعاند متكلف، وكل من بعده له تبع أقر بذلك أم جحد”(7).
ونلاحظ في هذا النص تواضع ابن دريد إذ اعترف بجهد العالم اللغوي السابق الخليل بن أحمد، وأشار أيضاً في النص إلى السبب الذي دفعه لكي يقوم بوضع كتابه الجمهرة، إذ توجد صعوبة في طريقة الخليل في معجمه،فيقول:” فأتعب من تصدى لغايته، وعنى من سما إلى نهايته”(8) ويقول أيضاً: “ولكنه ـ رحمة الله ألف كتاباً مشاكلاً لثقوب فهمه، وذكاء فطنته، وحدة أذهان أهل دهره، وأملينا هذا الكتاب والنقص في الناس فاشٍ والعجز لهم شامل…. فسهلنا وعره ووطأنا شأزه”(9). ولكن الهدف الرئيس من تأليف هذا المعجم ذكره ابن دريد في أكثر من موضع في جمهرته، فأراد به حشد الجمهور من كلام العرب، وإرجاء الوحشي المستنكر، واختار اسم الجمهرة لمعجمه انطلاقاً من هذه الرؤية.فيقول: “وإنما أعرناه هذا الاسم لأنا اخترنا له الجمهور من كلام العرب، و أرجأنا الوحشي المستنكر”(10). ويقول في مكان آخر من جمهرته ” على أنا ألغينا المستنكر واستعملنا المعروف”(11). ويقول: “وإنما كان غرضنا في هذا الكتاب قصد جمهور اللغة وإلغاء الوحشي المستنكر”(12) وهذه النصوص تدل على أن ابن دريد في هدفه كان عملياً يأخذ بالألفاظ الشائعة في كلام العرب، أما الوحشي الغريب، فقد ذكر جزءاً منه وفصله في الكتاب وألحقه بآخره، ولم يأخذ بكل الوحشي والغريب فقام بحذف بعضه كما بين في النصوص السابقة.
منهجه في الجمهرة:
أما منهجه في الجمهرة فسار في طريقتين تتمثل في ترتيبه للمفردات بطريقة الترتيب الألفبائي، لا الترتيب الصوتي وفي هذه الطريقة يختلف الجمهرة عن معجم العين الذي سار وفق الترتيب الصوتي، فيقول ابن دريد في المقدمة: “وأجريناه على تأليف الحروف المعجمة إذ كانت بالقلوب أعبق، وفي الأسماع أنفذ، وكان علم العامة لها كعلم الخاصة، وطالبها من هذه الجهة بعيداً من الحيرة مشفيا على المراد”(13).
وفي هذا الترتيب فقد خالف ابن دريد الخليل، “وكان هذا نقد مهذب لطريقة الخليل، فهي طريقة متعبة لا يتم بها الاهتداء إلى مظان الألفاظ إلا بعد جهد”(14). فابن دريد أهمل الترتيب الصوتي واعتمد تقليب المادة كما هو معروف في الاشتقاق الكبير. ويرى ابن دريد بأن الخليل قد اختط نهج عام في تأليف المعاجم، فقد حدد معالم المعجم من حيث استيعابه لمفردات اللغة، فالخليل هو المبدع الأول أي هو الأصل أما غيره فهم الفرع. على كل حال، فهدف ابن دريد هدف جليل فهو يريد التسهيل على القراء في معرفة معان مفردات اللغة دون عناء ومشقة.
ومع سيرة على هذا النهج إلا أننا نلاحظ في مقدمة هذا المعجم يقدم لنا بدراسة غنية عن علم الأصوات، فنراه يخوض في وصف مخارج الأصوات وصفاتها وائتلافها، وما يحسن من ذلك وما يقبح في الأبنية المختلفة المختلفة، والإدغام والإبدال، والحروف الأصلية والزائدة(15). وإذا عدنا إلى مقدمة الجمهرة فنراه يصدر معجمه بدراسة للحروف العربية، وما تتفرد به، فيقول: “اعلم أن الحروف التي استعملها العرب في كلامها في الأسماء والأفعال والحركات والأصوات تسعة وعشرون حرفاً مرجعهن إلى ثمانية وعشرين حرفاً، منها حرفان فيختص بها العرب دون الخلق، وهما الظاء والحاء، وزعم آخرون أن الحاء في السريانية والعبرانية والحبشية كثيرة، وأن الظاء وحدها مقصورة على العرب، ومنها ستة أحرف للعرب ولقليل من العجم، وهن العين والصاد والضاد والقاف والطاء والثاء، والباقي فالخلق كلهم من العرب والعجم إلا الهمزة فإنها ليست من كلام العجم إلا في الابتداء”(16).
ويشير إلى بعض الحروف التي وردت في بعض لهجات العرب، كالحرف الذي بين الباء والفاء، مثل پور إذا اضطروا اليها قالوا فور، ومثل الحرف الذي بين القاف والكاف والجيم والكاف”(17).
وقسم فيها الأصوات إلى سبعة أجناس جمعها في نوعين:
أـ المصمتة وتتمثل في حروف الحلق: الهمزة والهاء والحاء والعين والخاء والغين. وحروف أقصى الفم من أسفل اللسان: القاف والكاف والجيم والشين. وحروف وسط اللسان مما هو منخفض: السين والزاي والصاد. وحروف أدنى الفم: التاء والطاء والدال. وحروف أدنى من سابقتها: مما هو شاخص إلى الغار الأعلى: الظاء والثاء والذال والضاد(18).
1- ب ـ المذلقـة وتتمثل في حروف الشفة: الفاء والميم والباء. وحروف ما بين أسفل اللسان إلى مقدم الغار الأعلى: الراء والنون واللام(19). ونلاحظ بأن هذه المقدمة في دراسة الأصوات ومخارجها لا علاقة لها بالمنهج الذي سار عليه في الجمهرة والقائم على ترتيب الألفبائي، ولكنه كان متأثراً إلى حد بعيد بالخليل بن أحمد في مقدمة معجمه العين، وإن كان هناك بعض الفروق بينهما في الجزئيات والتفاصيل. وبالإضافـة للطريقة الألفبائية التي سار عليها، اتبع أيضاً نظام التقليبات الأبجـدية، وهو يسير فيه على نظام الخليل، وقد شرح ابن دريد طريقة التقليبات وبناء وبناء الأبنية في ختام كتاب الجمهرة، فقال: ” قال أبو بكر إذا أردت أن تؤلف بناءً ثنائياً أو ثلاثياً أو رباعياً أو خماسياً فخذ من كل جنس من أجناس الحروف المتباعدة ثم أدر دائرة فوق ثلاثة أخرى جواليها ثم فكها عند كل حرف يمنه ويسره حتى تفك الأحرف الثلاثة فتخرج من الثلاثي ستة أبينة ثلاثية وتسعة أبينة ثنائية…..
ويمثل على ذلك بمادة ع ب د أمكن التوصل إلى الوجوه الستة التي أشار إليها ابن دريد وهي ” ع د ب، ع ب د، د ع ب، د ب ع، ب ع د، ب د ع “(20).
1- ترتيب الأبنية:
رأى ابن دريد أن أبينة الكلمة في العربية هي(21):
1- الثنائي المضعف: هو ما اجتمع فيه حرفا شدد ثانيهما وهو ما يعرف عند العلماء الصرف بالثلاثي المضاعف، مثل أبَّ، أزَّ. وألحق به:
أ‌- الرباعي المكرر، ويقصد به المضاعف مثل زلزل، صلصل، دعدع.
ب‌- الثنائي المعتل، مثل: زأر، ساس لأنه يعد حرف الهمزة من حروف العلة.
2- الثلاثي الصحيح، وهو ما اجتمع فيه ثلاثة أحرف ليس فيها تضعيف مثل: ثقف، علم. وألحق به أربعة أبواب هي:
أ‌- المضاعف دون إدغام، مثل: بتت.
ب‌- المعتل العين، مثل: صام، قال.
ج- المعتل اللام مثل: رمى، سما.
2- الرباعي الصحيح، مثل: بحتر، بهتر.
وألحق به أبواباً منها: ما تردد فيه حرفان مثلان. مثل الدال في دردق ودردب
وما جاء على أوزان معينة مثل فَعِلّ وفِعِلّ مثل عَكِبّ
وخِدَبّ.
3- الخماسي الصحيح، مثل: فرزدق، وشمردل. وألحق به عدة أبواب منها:
أ‌- ما جاء على وزن إفعيل، مثل: إكليل وإزميل.
ب‌- ما جاء على وزن أفعوله، مثل: أضحوكة، وألعوبة
4- اللفيف وسماه ابن دريد لفيفاً ” لقصر أبوابه والتفاف بعضها إلى بعض “.
5- ختم المعجم بباب جمع فيه طائفة من النوادر وضعها في أبواب فرعية مثل:
أ‌- باب نوادر ما جاء في القوس وصفاتها.
ب‌- باب أسماء الأيام في الجاهلية وأخر في أسماء الشهور.
ج- باب ما تكلمت به العرب من كلام العجم.
وإن كان بعض الباحثين في العصر الحديث قد قسم أبواب الجمهرة إلى سبعة عشر باباً وهي(22):
1- الثنائي الصحيح، وهو ما ضعف فيه الحرف الثاني، مثل أبب، أزز.
2- الثنائي الملحق ببناء الرباعي المكرر، وهو ما ضعف فيه الحرفان، مثل: ب ت ب ت، زل زل.
3- الثنائي المعتل وما تشعب منه وذلك ببناء الحرف الصحيح مع أحد حرف العلة: الهمزة، الواو، الياء، مثل: باء، توى.
4- الثلاثي الصحيح، وما تشعب منه، مثل ب ث ج، ب ك ل.
5- الثلاثي يجتمع فيه حرفان مثلان في أي موضع، مثل: ب ت ت، ج ع ع.
6- الثلاثي عين الفعل منه أحد حروف اللين، مثل: باب، خاخ.
7- الثلاثي المعتل، وقد عبر عنه ابن دريد، بقوله: ” ما لحق بالثلاثي الصحيح بحرف من حروف اللين ” مثل: ب ت (و- أ- ي) ب د (و- أ – ي).
8- باب النوادر في الهمز، وهو مما ألحق بأبواب الثلاثي مثل: أنت، كلأ.
9- باب اللفيف في الهمز، مثل: وزأ الإناء: ملأه. ومنه ما جاء من المقصور مهموزاً، مثل: الرشأ، والفرأ.
10- أبواب الرباعي الصحيح، مثل جُعْتُب، ومنه الجعتبة، ومعناها الحرص والشره، والبحتر بمعنى: القصير.
11- الرباعي، جاء فيه حرفان مثلان، مثل: دردق، وهم صغار الناس. دردبة، وهو نوع من العدو يشبه عدو الخائف.
12- الرباعي، جاء على أوزان: فِعَلّ، و فِعِلّ، و فُعَلّ مثل عِكبّ، وهو الغليظ الشفتين، وخِذَبّ وهو العظيم الخلق.
13- ما يلحق به مما جاء على أوزان أخرى.
14- الخماسي. ولم يصرح ابن دريد بهذه التسمية إلا في أخر الباب، إذ قال: ” هذا أخر أبنية الخماسي ” أما في مبدئه فكان يعنون له بقوله: من الزوائد.
15- السداسي. ولم يذكر ابن دريد هذه التسمية، وإنما عبر عن أبوابه بقوله: أبواب ملحقة بالخماسي، بالزوائد التي فيها، وإن كان الأصل غير ذلك “وقال مرة أخرى” الملحق بالسداسي بحروف من الزوائد”.
ونحن نعلم أن العمل المعجمي عمل شاق ومضن، فجهود القدماء كانت فردية في تأليف المعاجم، وكل عمل إنساني فردي لا يصل إلى الكمال، فلذلك وقع ابن دريد في بعض العثرات، وبين الكثير من القدماء والمحدثين هذه العثرات ولكنها لا تقلل من قيمة كتابه الهام، ومنها:
1- حينما يذكر باب الحرف يذكر الحروف التي تليه ولا يذكر الحروف السابقة عليه، فمثلاً في باب الجيم يصدره بالجيم والحاء، ثم الجيم والخاء، فالجيم والدال وهكذا إلى آخر الحروف دون أن يذكر الجيم مع الحروف التي تسبقها في النظام الألفبائي وهي (الهمزة والباء والتاء والثاء) لأنه يكون قد ذكرها في الأبواب السابقة بسبب إتباعه نظام التقليبات.
2- لم يلتزم طريقة واحدة بالنسبة لحرف الهمزة، فكان يعتبرها تارة حرف علة كما فعل متقدمو اللغويين، وتارة أخرى حرفاً صحيحاً كما فعل المتأخرون. فقد ذكره في باب الثنائي ” أبَّ ” و” أت “…… الخ. لكنه عندما جاوز الثنائي أغفل ذكر الهمزة كحرف صحيح. وقد ألحق ببناء الثلاثي باباً خاصاً سماه ” النوادر في الهمزة “.
3- اعتبر تاء التأنيث ه‍ أصلية في الكلمة، فذكر الكلمتين ” حَبَّة ” و”عَفَّة” في مادتي “ح ب ب ه‍” و”ع ف ف ه‍” وذلك بسبب عدم الفريق بين الهاء الأصلية وبين ما هي زائدة للتأنيث.
4- تعسف أحياناً في توضيح معاني بعض الكلمات من حيث اشتقاقها، وبخاصة أسماء الأعلام المنقولة وكان ابن دريد شغوفاً بهذه الناحية من الاشتقاق، وقد وضع كتاباً في اشتقاق الأسماء.
5- إكثاره من الألفاظ الغربية.
6- الاضطراب في الأبنية.
7- وقع كثيراً في التكرار.
8- عدم التزامه بالمنهج الذي حدده لنفسه.
9- أسرف في الأخذ عن كتاب العين.

أما كيفية استخراج الألفاظ مع معجمه، فهي تسير على النحو الآتي:
1- تجرد الكلمة من الزوائد، أي ترد إلى أصولها، فكلمة استغفر تصبح غفر.
2- تنظر إلى أول حروفها ترتيباً سواء أكان ذلك الحرف في أول الكلمة أم في وسطها أم في آخرها. أو أن ترتب حروف الكلمة المجردة المقصودة أبجدياً، فكلمة غفر لو رتبت أبجدياً تصبح رغف.
ومن خلال توقفي وقراءاتي الكثيرة لهذا المعجم وجدت فيه مميزات كثيرة من أهمها:
1-اهتم ابن دريد باللغات اهتماماً كبيراً، فقد حشد الكثير من المرويات للهجات القبائل، وذكر لهجات من البحرين والحجاز، والشام، والعراق، والمدينة، ومكة، ونجد، ووجه عناية خاصة للغة اليمن لأنه كان متعصباً لأهله هناك، وذكر لغات من الأزد، والأنصار، وتميم، وثقيف، وحمير، وبني حنيفة، وخزاعة وطي، وقيس وغيرها من القبائل العربية.
2-ويجـد القارئ لهذا المعجم متعة في التعرف على أصول الكلمات هل هي عربية أو غيـر
عربية إذ كان يتوقف عند الألفاظ المعربة والدخيلة، حيث ينبه في بعض الأحيان إلى أن اللفظة حبشية أو رومية أو سريانية أو عبرية أو نبطية أو فارسية. وعقد لهذا الدخيل فصلاً خاصاً سماه ” باب ما تكلمت به العرب من كلام العجم حتى صار كاللغة”(23).
3-أكثر من الشواهد وآراء اللغويين، وكان يذكر الشواهد الشعرية دون نسبتها الى قائلها، واستشهد بالمأثور من كلام العرب واستشهد بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. وكان يشرح أحياناً الشواهد الشعرية ويعلق عليها، وكان له أحياناً تعليق خاص على بعض الشواهد” مما يجعلنا نوقن أن ابن دريد لم يقتصر في كتابه على العين، بل رجع إلى كتب لغوية أخرى، ولذلك لا نقبل طعن نفطوية على ابن دريد ومصانعته للأزهري في إدعائه سرقة الجمهرة”(24) فكتاب الجمهرة هو لابن دريد ولم يكن سرقة للعين، ويعلق أحد الباحثين على اتهام نفطويه لابن دريد بالسرقة، فيقول: “وهذا الكلام لا يحمل إلا على أساس المنافرة بين الرجلين” (25).
4-يحتوي كتاب الجمهرة آراء نحوية وصرفية وصوتية هامة وتناثرة هذه الآراء في جمهرته.
5-اعتمد على الخليل كثيراً في مروياته اللغوية، ولكنا نلحظه ناقداً لغوياً، يحسن الاختيار، ويقف على مواد أهملها الخليل وأثبتها ابن دريد مثل مادة “معس”(26).
ونعتقد أن ابن دريد كان يهدف من وضع هذا الكتاب تسهيل مراجعة معاني الألفاظ للعامة وأن لا تقتصر على الخاصة من اللغويين، وذلك بعد أن وجد صعوبة في البحث عن معاني الألفاظ وفق طريقة الترتيب الصوتي التي سار عليها الخليل، وهو يعترف بذلك، فيقول: “وأملينا هذا الكتاب… فسهلنا وعره و أجريناه على تأليف الحروف المعجمة، إذ كانت بالقلوب أعبق وفي الأسماع أنفذ، وكان علم العامة بها كعلم الخاصة، وطالبها من هذه الجهة بعيداً من الحيرة”(27).
وهنا نلاحظ الدور الهام الذي قام به ابن دريد في العمل المعجمي، فكان مجدداً ومبتكراً بمحاولته تسهيل طريقة البحث عن معاني المفردات، وأدى هذا التجديد إلى التأثير في أصحاب المعاجم اللاحقين، ويبدو هذا التجديد فيما يلي:
1-رتب الخليل أصول الألفاظ بحسب مخارج الحروف بينما ذهب ابن دريد إلى نهج مخالف، حيث رتب الألفاظ بحسب النظام الأبجدي.
2-كان الخليل يراعي أواخر الأصول، بينما مال ابن دريد إلى مراعاة أوائل الأصول.
فكانت محاولته محاولة جديدة، ففتحت أمام الآخرين أبواب التسهيل “غير أن رائدة الأول، الخليل بن أحمد، سلك مسلكاً وعراً في وضع المعجم، فرغب ابن دريد في تمهيد أكنافه، معتذراً بتغير الحالة العلمية في عهده بالقياس إلى ما كانت عليه في عهد الخليل(28). ويقول ابن دريد ” وقد ألف أبو عبد الرحمن بن أحمد الفرهودي (رضوان الله عليه) كتاب العين، فأتعب من تصدى لغايته، وعنى من سما إلى نهايته، فالمنصف له بالغلب معترف، والمعاند متكلف، وكل من بعده له تبع، أقر بذلك أم جحد، ولكنه رحمه الله ألف كتابه مشاكلاً لثقوب فهمه، وذكاء فطنته، وحدة أذهان أهل دهره. وأملينا هذا الكتاب والنقص في الناس فاشٍ، والعجز لهم شامل، إلا خصائص كدراري النجوم في أطراف الأفق، فسهلنا وعره ووطأنا شأزه”(29).
ولهذا يعد كتاب الجمهرة تطوراً تالياً لمعجم العين.
ولا نغالي إذا قلنا إن ابن دريد صاحب الفضل في تدعيم النظام الألفبائي في فن صناعة المعجم ” وهو الذي منحه ما يشبه الشرعية في وضع المعاجم من بعده”(30).
ويلاحظ من خلال المعجم الأمانة الدقيقة التي كان يتحلى بها ابن دريد، فحينما يذكر المعاني يذكر أسماء الرواة والعلماء وكتبهم التي اعتمد عليها، فنراه يذكر الخليل و أبو حاتم و أبو عبيدة، وإذا لم يعرف مصدرها يقول: (لا أدري ما هو).
قيمة الجمهرة:
يعتبر كتاب الجمهرة لابن دريد من المصادر الهامة في اللغة ولذلك توقف الكثير من الباحثين عند هذا المعجم، ومعظمهم أشاروا به والبعض الآخر حاول تمحيصه، فيقول الدكتور عبد السميع محمد أحمد” إذا وضع كتاب الجمهرة في ميزان النقد رجحت، من غير شك، كفة مزاياه، وأمكن كذلك التجاوز عن بعض ما به من الارتباك. والكتاب يشهد بقدره ابن دريد اللغوية، وسعة باعة وقدرته على الحفظ والاستيعاب، مع الدقة والضبط، وأمانة الرواية عن العلماء. وقد عبر عن جميع ذلك العلماء الذين استفادوا من الجمهرة، واعتبروها من الكتب اللغوية الهامة الجديرة بأن توضع في ثبت المراجع مع محكم ابن سيدة وجامع القزاز، وصحاح الجوهري، ومجمل ابن فارس وأفعال ابن القوطية وابن طريف”(30).
وأما أسباب التكرار والخلط الذي وقع فيه ابن دريد في معجمه فيعود إلى كثرة التفريعات في التبويب، ويعود أيضاً إلى أنه كان يملي هذا المعجم إملاءً دون الاعتماد والنظر في شيء من الكتب إلا في باب الهمزة واللفيف. فيقول أبو العباس الميكالي: ” أملى علي أبو بكر الدريدي كتاب الجمهرة، من أوله إلى آخره حفظاً، في سنة سبع وستين ومائتين، فما رأيته استعان عليه بالنظر في شيء من الكتب إلا في الهمزة واللفيف، فإنه طالع له بعض الكتب”(31). ويقول ابن دريد نفسه: ” وإنما أمللنا هذا الكتاب ارتجالاً، لا عن نسخة، ولا تخليد في كتاب قبله. فمن نظر فيه فليخاصم نفسه بذلك، فيعذر إن كان فيه تقصير أو تكرير، إن شاء الله”(32).
ويقول أيضاً: “فإن كنا أغفلنا مع ذلك شيئاً، لم ينكر علينا ذلك، لأنا إنما أمليناه حفظاً، والشذوذ مع الإملاء
لا يدفع”(33).
واهتم العلماء بالجمهرة وقامت حوله دراسات كثيرة منها “فائت الجمهرة” لأبي عمر الزاهد (ت 345 ه‍) “وجوهرة الجمهرة” للصاحب ابن عباد (ت 995م) و”نظم الجوهرة” ليحيى بن مقط ابن عبد النور الزواوي (ت 1231م) و”مختصر الجمهرة” لشرف الدين محمود بن نصر الله الأنصاري الشاعر (ت 1232) كما وضع أبو العلاء المعري كتاباً في شرح شواهد الجمهرة. لكن هذه الدراسات فقدت جميعاً(34).
وعلى كل حال، بقيت جمهرة ابن دريد مصدراً للغة، يرجع إليه العلماء، ومظهراً من مظاهر تطور المعجم العربي، تالياً لمرحلة كتاب العين، وسابقاً لأخرى خطت بالمعجم العربي خطوة هامة نحو تمهيد أكنافه وتيسيره(35).
واعتبره البعض من أهم المعاجم القديمة “وهو من أهم المعجمات القديمة في اللغة العربية، اسماه المؤلف كتاب الجمهرة لأنه اختار له الجمهور من كلام العرب، وأرجأ الحوشي والمستنكر، والغريب النادر، على عكس الخليل الذي كان يريد حصر اللغة وجمعها، المستعمل منها والمهجور”(36).
ويعتبر كتاب الجمهرة أول معجم متكامل في اللغة العربية، قد رتب على الطريقة الأبجدية(37). ولكن الشيء الهام في الجمهرة أن معظم المعجميين اللاحقين اعتمدوا عليه ومن أشهرهم القالي في معجمه البارع و أيضاً ابن سيده في كتابه المخصص، فنال الكتاب “منزلة عظيمة بين اللغويين بعد وفاة ابن دريد واعتمدت أكثر المصادر على أقواله في الجمهرة”(38)، وقد أهتم المستشرقون بجمهرة اللغة وقد قام المستشرق فريتس كرنكو بتصحيح الجمهرة.
ويعد الدكتور عبده الراجحي في كتابه ” اللهجات العربية في القراءات القرآنية ” كتاب الجمهرة من أفضل المعاجم في التعرف على اللهجات العربية فيقول: ” وتعتبر المعاجم بطبيعة مادتها مصادر هامة للهجات، ولكن كثيرا منها لم يهتم بعزوها إلى قبائلها، فصاحب اللسان مثلا لا يكاد يذكر إلا قليلاً جداً من لهجات القبائل بل انه يكتفي بقوله لغة فيه أو عند بعض العرب، والمعجمان اللذان نعتبرهما مصدرين هامين وبخاصة لهجات اليمن، هما:
1.الجمهرة لابن دريد إذ تنتشر فيه لهجة أكثرها من اليمن، والغريب انه لم يذكر من لهجات قبيلة الأزد إلا سبعة عشرة مادة…….(39). ولا شك أن لكتاب الجمهرة دور هام عند المعجميين بعد وفاته، فلقد تأثر به عدد من المعجميين، ومن هؤلاء احمد بن فارس المتوفي سنة 395 ه‍. والذي ألف معجمين هما: كتاب المقاييس وكاتب المجمل، وقد اتخذ ابن فارس منهجاً في كتاب المقاييس يقترب من أسس ابن دريد في تقسيم كتابه وترتيبه وقد اختلف معه في بعض الأمور، فقد سار على الترتيب الهجائي ولكنه خالفه في اتخاذ هذا الترتيب الأساسي الأول للتقسيم، وقد ذكر في مقدمة كتابه انه اعتمد على اشرف الكتب وأعلاها منها كتاب العين وكتاب الجمهرة.ومنهم أيضاً الزمخشري المتوفي سنة 538 ه‍ في كتابه أساس البلاغة.
الهوامش:
1. انظر د. برهومة، عيسى: ذاكرة المعنى، دراسة في المعاجم العربية ص.97 ط أولى 200 م توزيع دار الفارس للنشر والتوزيع عمان – الأردن.
2. المرجع السابق: ص97.
3. المرجع السابق: ص97.
4. المرجع السابق: ص98.
5. المرجع السابق: ص98.
6. د. عبد السميع، احمد: المعاجم العربية دراسة تحليلية ص 41،ط دار الفكر العربي القاهرة 1979 م.
7. ابن دريد: الجمهرة، حـ1، ص3 تحقيق د. رمزي منير بعلبكي ط دار العلم للملايين ط أولى1987 م.
8. ابن دريد: الجمهرة حـ1 ص 40.
9. ابن دريد: الجمهرة حـ1 ص 40.
10. ابن دريد: الجمهرة حـ1 ص 41.
11. ابن دريد: الجمهرة حـ1 ص 4.
12. ابن دريد: الجمهرة حـ1 ص 514.
13. ابن دريد: الجمهرة حـ1 ص 40.
14. د. بعلبكي، منير: المقدمة ص 17.
15. ابن دريد: الجمهرة حـ1 ص 47.
16. ابن دريد: الجمهرة حـ1 ص 41.
17. ابن دريد: الجمهرة حـ1 ص 41.
18. ابن دريد: الجمهرة حـ1 ص 43.
19. ابن دريد: الجمهرة حـ1 ص 45.
20. ابن دريد: الجمهرة حـ3 ص 1338.
21. د.برهومه، عيسى: ذاكرة المعنى دراسة في المعاجم العربية ص 102 – 103.
22. د. احمد وعبد السميع: المعاجم العربية دراسة تحليلية ص 58 -59.
23. ابن دريد: الجمهرة حـ1 42ص .
24. د.برهومه، عيسى: ذاكرة المعنى ص104.
25. د.عبد الجليل، عبد القادر: المدارس المعجمية دراسة البنية التركيبية ص 2050 ط دار صفاء للنشر والتوزيع عمان ط أولى 1997 م.
26. السابق: ص 205.
27. ابن دريد: الجمهرة حـ1 ص 40.
28. د. احمد، عبد السميع: المعاجم العربية دراسة تحليلية ص 55.
29. ابن دريد: الجمهرة حـ3 ص 1322.
30. د. احمد، عبد السميع: المعاجم العربية دراسة تحليلية ص 71.
31. الحموي، ياقوت: معجم الأدباء 18 / 138.
32. ابن دريد: الجمهرة حـ2 ص 1085.
33. ابن دريد: الجمهرة حـ3 ص 1339.
34. د. نصار، حسين: المعجم العربي نشأته وتطوره حـ2 ص 434 ط دار مصر للطباعة الفجالة القاهرة 1968 م.
35. د.احمد، عبد السميع: المعاجم العربية دراسة تحليلية ص 78.
36. د. الصوفي، عبد اللطيف: اللغة ومعاجمها في المكتبة العربية ص130 ط طلاس للدراسات والترجمة والنشر دمشق.
37. د. الراجحي، شرف الدين: محمد بن دريد وكتابه الجمهرة ص 187 ط دار المعرفة الجامعية الإسكندرية 1995 م.
38. السابق: ص 187.
39. د. الراجحي، عبده: اللهجات العربية في القراءات القرآنية ص 54 ط دار المعارف بمصر 1968 م.

د. عيد الخريشه
ألقيت هذه الورقة ضمن ندوة نظمتها وحدة الدراسات العمانية بجامعة آل البيت بالأردن

إلى الأعلى