السبت 24 أغسطس 2019 م - ٢٢ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / وفود رسول الله «صلى الله عليه وسلم» : وفـــد هوازن

وفود رسول الله «صلى الله عليه وسلم» : وفـــد هوازن

روى البخاري في المغازي وغيره: أن رسول الله )صلى الله عليه وسلم( لما انصرف من الطائف في شوال إلى الجعرانة, وفيها السبي ـ يعني: سبي هوازن، وذكر موسى بن عقبة في (المغازي) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصل إلى الجعرانة ليلة الخامس من ذي القعدة، لأمور عرضت له في الطريق اشتغل بها، وكان انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلمَّا تَبَيِّنَ لهم أنه (صلى الله عليه وسلم) غير رادّ إليهم إلّا إحدى الطائفتين، وبهذا وافق قول ابن سيد الناس المعروف عند أهل السير أنه انتهى إلى الجعرانة لخمس ليالٍ خلون من ذي القعدة، فقدمت عليه وفود هوازن، وذكر الواقدي: أن وفد هوازن كانوا أربعة وعشرين بيتًا مسلمين، وفيهم تسعة نفر من أشرافهم, فأسلموا وبايعوا، ثم كلموه ـ كما رواه البخاري وغيره فسألوه: أن يردَّ إليهم سبيهم وأموالهم، فقال لهم (صلى الله عليه وسلم): معي من ترون, وأحب الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم، فقالوا: يا رسول الله، إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات، فقال: سأطلب لكم، وقد وقعت المقاسم، فأي الأمرين أحبّ إليكم، السبي أم المال؟ قالوا: خيرتنا يا رسول الله بين الحسب والمال، فالحسب أحب إلينا، ولا نتكلم في شاة ولا بعير، فقال: أما الذي لبني هاشم فهو لكم، وسوف أكلم لكم المسلمين فكلموهم وأظهروا إسلامكم، وفي رواية ابن إسحاق: وأنا إذا بالناس فأظهروا إسلامكم وقولوا: إنا إخوانكم في الدين، وإنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله، فإني سأعطيكم ذلك وأسأل لكم الناس، وعلمهم (صلى الله عليه وسلم) التشهد، أي: كلمة الشهادة كيف يكلمون الناس، فلمَّا صلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الهاجرة، يعني الظهر بالناس (قاموا) زاد في رواية: فاستأذنوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الكلام، فأذن لهم، فتكلَّم خطباؤهم وأصابوا القول: فأبلغوا فيه, ورغبوا إلى المسلمين في ردّ سبيهم، فقام (صلى الله عليه وسلم) في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: “أما بعد، فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين, وإني قد رأيت أن أردَّ عليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل، فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال (صلى الله عليه وسلم): إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرجع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا حين فرغ، وشفع لهم وحضَّ المسلمين عليه، وقال: “قد رددت الذي لبني هاشم عليهم، وفي رواية ابن إسحاق أدركه وفد هوازن بالجعرانة، وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنا أهل وعشيرة ـ ترقيقًا واستعطافًا ـ وقد أصبنا من البلاء ما لم يخف عليك, فأمنن علينا منَّ الله عليك، وقام خطيبهم زهير بن صُرد، فقال: يا رسول الله, إن اللواتي في الحظائر: جمع حظيرة، وهو السرب الذي يصنع للإبل والغنم يكفها، وكان السبي في حظائر مثلها، وكانوا ستة آلاف من الذراري والنساء، من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، وأنت خير مكفول ثم أنشد:(امنن علينا رسول الله في كرم .. فإنك المرء نرجوه وندخر، امنن على بيضة قد عاقها قدر .. مشت شملها في دهرها، فاعفوا عفا الله عمّا أنت راهبه .. يوم القيامة إذ يهدي لك الظفر) .. والأبيات طويلة ـ قال: فلمَّا سمع النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا الشعر قال:(ما كان لي ولعبد المطلب فهو لكم)، وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله. وعند ابن إسحاق في حديث عمرو: لبني عبد المطلب, فهو لكم بلا فداء، وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله يفعل فيه ما شاء، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله .. زاد ابن إسحاق: وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بلى ما كان لنا فهو لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال لهم عباس: وهنتموني، فقال (صلى الله عليه وسلم): أما مَنْ تمسَّك منكم بهذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه، فردوا إليهم أبناءهم ونساءهم، وعنده من طريق آخر: إلّا عيينة بن حصن أخذ عجوزًا من عجائز هوازن، وقال حين أخذها: أرى عجوزًا, إني لا أحسب لها في الحي نسبًا، وعسى أن يعظم فداؤها، فلما ردَّ (صلى الله عليه وسلم) السبايا بست فرائض أبى أن يردها، فقال له زهير بن صرد: خذها فوالله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواحد، ولا درها بماكد. فردَّها بست فرائض حين ذلك، ولقي الأقرع فشكا إليه ذلك، فقال: والله إنك ما أخذتها بيضاء غريزة ولا نصقًا وتيرة، وكسا النبي (صلى الله عليه وسلم) كل واحد من السبي قبطية. وذكر الواقدي: إن وفد هوازن كانوا أربعة وعشرين بيتًا، فيهم أبو برقان السعدي، فقال: يا رسول الله، إن هذه الحظائر لأمهاتك وخالاتك وحواضنك ومرضعاتك، وفي رواية الواقدي: وإن أبعدهنَّ قريب منك، حضنك في حجرهن، وأرضعنك ثديهن، وتوركنك على أوراكهنَّ وأنت خير المكفولين، وفي رواية عند ابن إسحاق: أن زهيرًا قال: ولو أنَّا ملحنا للحارث بن أبي شمر، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منَّا بمثل الذي نزلت, رجونا عطفه وعائدته علينا وأنت خير المكفولين، فامنن علينا منَّ الله عليك، فقال: قد استأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسمت السبي. وتوجّه إلى الطائف فحاصرها، ثم رجع إلى الجعرانة، ثم قسم الغنائم فيها، فجاءه بعد ذلك وفد هوازن، فبيِّنَ لهم أنه آخر القسم ليحضروا فأبطئوا. انتهى . انظر شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (5/ 114) .. وغيره.

إلى الأعلى