الخميس 5 ديسمبر 2019 م - ٨ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / ليس أسوأ من الإرهاب سوى استغلاله

ليس أسوأ من الإرهاب سوى استغلاله

د.احمد مصطفى

شهدت الأيام الماضية سقوط عشرات من ضحايا الإرهاب الظلامي في بلدين قد يكونان متباعدين جغرافيا ولا وجه للمقارنة بينهما على أي صعيد. ففي حادث إرهابي أطلق عنصري أبيض من معتنقي افكار الكراهية العنصرية النار عشوائيا على سكان مدينة الباسو ذات الغالبية من اصول مكسيكية في ولاية تكساس جنوب الولايات المتحدة فقتل اكثر من 20 واصاب اكثر منهم. وفي القاهرة انفجرت سيارة مليئة بالمتفجرات يقودها عنصري من نوع آخر ـ ممن يسمون انفسهم جهاديين ولا علاقة لهم بالدين او الانسانية اصلا ـ امام معهد الأورام القومي على كورنيش النيل فقتل أكثر من عشرين واصيب اكثر منهم. ربما نجد صعوبة في التماثل بين ارهابي اميركي ابيض وارهابي عربي رغم ما قد يفتي به “الخبراء” و”المحللون” الذين امتهنوا الادلاء بآراء غريبة منذ 11 سبتمبر 2001 – في الاغلب من اجل “اكل العيش”. وبداية، لا ادعي أني خبير بالعلوم الاجتماعية ولا السياسية كما هو حال الاكاديميين في تلك المجالات.
هنا لا نناقش تعريف “الإرهاب” الذي يختلف عليه المختصون والقانونيون ولا نبحث في الاجتماع السياسي ولا العوامل الاقتصادية او الثقافية التي يعتبرها البعض اساسية في التعامل مع الظواهر الارهابية. انما الأمر ببساطة هو ان الارهاب يتساوى في استهداف ارواح الابرياء العزل بدوافع عنصرية مقيتة، سواء كانت كراهية للآخر واستعلاء عنصري عليه كما في حالة ارهاب البيض الامريكيين او تكفير الآخر واستعلاء ديني عليه وبالتالي استباحة الدماء والأرواح. أما التماثل هنا فليس في الحدث الإرهابي، الذي يتكرر في أمريكا ومصر وغيرها بأشكال مختلفة وجوهر واحد، لكنه في التعامل مع الحدث من قبل الحكومات والسلطات ومن يسمون “النشطاء” والجماعات ذات المصلحة. وهذا هو موضوعنا، ويا له من تماثل أبشع من الإرهاب وازهاق الأرواح البريئة بجرائم عنصرية. ولنبدأ بالإرهاب العنصري الأبيض الأمريكي، مع التأكيد على أنه ليس كل أبيض عنصريا أو ارهابيا ـ كما نقول عندنا انه ليس كل جهاديا ارهابيا.
استغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حادث الباسو، وحادثا مشابها في أوهايو، لأغراض انتخابية بحتة حتى لا يخسر أصواتا في انتخابات الرئاسة في 2020م ليبقى فترة ثانية في البيت الأبيض. فالرئيس الجمهوري الذي منذ انتخابه في نهاية 2016م يستخدم خطابا شعبويا عنصريا في جوهره لإرضاء قاعدته الانتخابية والتأكيد على أنه “رجل يفعل ما يقول” قلب موقفه مئة وثمانين درجة ليتبنى شعارات منافسيه الديموقراطيين. في البداية جاء رد فعل الرئيس بأن الإرهابي مرتكب مجزرة إلباسو مختل عقليا ومريض نفسيا (كما نقول عندنا عن بعض الإرهابيين أنهم لا يفهمون الدين ويفسرونه بشكل خاطئ ، قلة عقل يعني). ثم نصحه من نصحه بأنه من الضروري أن يتخذ موقفا مغايرا لما اتخذه من قبل في أحداث عنصرية كي لا يبدو مؤيدا للنازيين الجدد، خاصة وأنه أصبح هناك اجماع على أن تصريحا الرئيس المعادية للآخر والمفرقة بين الأمريكيين على أساس اللون والدين والعرق لها أكبر الأثر في زيادة أعمال الإرهاب العنصرية.
هنا، انقلب ترامب وطالب بضرورة النظر في قوانين حمل السلاح رغم أنه انتخب على أساس مناصرته لانتشار السلاح بين الأمريكيين ومن أكبر داعمي حملته رابطة السلاح الأمريكية ولطالما هدد معارضيه بأن أنصاره من مسلحي الدراجات النارية يمكن أن يؤذوهم. صحيح أنه ليس هناك ما يدعو لأخذ موقف الرئيس على محمل الجد، فهو رجل يغير آرائه ومواقفه ـ خاصة على تويتر ـ كما غير رابطة عنقه، لكن استغلاله للمجزرة الارهابية في تكساس لأغراض سياسية يعد أبشع كثيرا مما لو كان ظل على موقفه المعروف والأصلي بدعم خطاب الكراهية والعنصرية. وربما لم يفده مستشاروه الذين نصحوه بضرورة التصرف على أساس “الصحة السياسية” Political Correctness كي لا يخسر ناخبين. وهناك احتمال كبير أن ينقلب عليه هذا التغير ويخسر أكثر مما لو ظل على طريقته السابقة والقائه اللوم على المهاجرين الاسبان وغيرهم (أي الآخر عموما) وبقي الرجل الذي “يلتزم بكلمته”.
أما في حادث القاهرة، فقد جاء الاستغلال من الناس مثلما هو من السلطة وأكثر. مفهوم أن السلطات في مصر تواجه إرهاب الجماعات، وبالتالي فمواقف السلطة مفهومة ـ إن لم تكن مبررة. كذلك استغلال الارهابيين وتابعيهم للحادث بطريقة تثير التقزز والغثيان في صراعهم مع السلطة في مصر مفهوم أيضا ـ وإن كان مستحيلا تبريره انسانيا، لكن هكذا هم الارهابيين أساسا. إنما الذي يجده المرء أسوأ من الفعل الإرهابي نفسه هو ما يبثه من يسمون “النشطاء” وغيرهم على مواقع التواصل من استغلال مقيت للحادث لتعزيز وجهة نظر مسبقة أو موقف من السلطة أو أجهزتها، خاصة الشرطة والإعلام. صحيح أن أجهزة الأمن في مصر لم تتعامل مع الحادث بشكل مثالي وأن الإعلام في مصر في وضع شبه ميؤوس منه وليس كما صرح الرئيس عبد الفتاح السيسي في مؤتمر الشباب بأن وضعه ليس جيدا. إنما استغلال أن الضحايا من مرتادي معهد السرطان والمتاجرة بآلام الناس البسطاء لأغراض الموقف من السلطة فهو فعلا أسوأ من الإرهاب ذاته.

إلى الأعلى