السبت 24 أغسطس 2019 م - ٢٢ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / لنا في “عروس” عبرة

لنا في “عروس” عبرة

أيمن حسين

انشغل العالم في الفترة الأخيرة بقصة يهود الفلاشا المنحدرين من أصل أثيوبي وأقاموا في إسرائيل لسنوات كثيرة، وتناقلت وكالات الأنباء العالمية العنف الذي واجهتهم به الدولة العبرية ومدى العنصرية التي واجهها اليهود الأفارقة في تل أبيب؛ لكن في نفس الآونة لم ينتبه العرب لفحوى فيلم سينمائي أنتجته هوليود عن يهود الفلاشا وعلاقتهم بإسرائيل عبر قرية سياحية تسمى “عروس”.
وأثناء تصفحي لموقع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) وجدت تقريرًا عن الفيلم، وأنه يدور حول حكاية حقيقية لإنقاذ اليهود الإثيوبيين في أوائل الثمانينيات للهروب من المجاعة ونظام الحكم الأثيوبي وقتها بزعامة مانغستو هايلا ماريام، ونقلهم إلى تل أبيب، وبحسب البي بي سي، أطلق الموساد الإسرائيلي منتجعاً سياحياً في واحة صحراوية بالسودان تضم منشآت مميزة ورياضات مائية وقبلة لهواة الغوص ووافرة الطعام الطازج والكحول ومنتجع للغطس على البحر الأحمر؛ لكن ذلك لم يكن سوى غطاء لعملية خداع استراتيجي قام بها جهاز المخابرات الإسرائيلية لإنقاذ آلاف اليهود الإثيوبيين (الفلاشا) العالقين في مخيمات اللاجئين في السودان ونقلهم لإسرائيل.
الإشكالية التي واجهت الموساد في البداية كانت عدم اعتراف السودان بدولة الكيان المحتل، وبالتالي فهم بحاجة لطريقة شرعية وسرية لتنفيذ المهمة، وتم حل الإشكالية عن طريق استغلال مستثمرين من سويسرا لموقع مشروع بدأه مستثمرون إيطاليون عام 1972م وتوقفوا لعدم وجود كهرباء ومياه أو حتى طريق للوصول للقرية، فقام المستثمرون الجدد (العملاء) بإقناع السلطات السودانية بأنهم يريدون الاستثمار في موقع القرية التي استأجروها لمدة ثلاث سنوات مقابل 320 ألف دولار، وتم تسمية القرية “عروس”، وحققت نجاحُا مبهراً وصل بها لحد الاكتفاء، والاعتماد على عوائدها كنفقات لتهريب اليهود الإثيوبيين.
ويروي التقرير تفاصيل عملية الخداع عن طريق مغادرة مجموعة من العملاء للقرية ويبلغون الطاقم الوظيفي بأنهم ذاهبون للخرطوم؛ بينما كانوا يذهبون لتنفيذ عملية تهريب اليهود الإثيوبيين من المعسكرات، ويقطعوا بهم نحو 800 كيلومتر، يمرون خلالها بنقاط تفتيش ينجحون في عبورها مستخدمين الخداع والرشوة حتى يصلوا للشاطئ، ثم تقوم وحدات من البحرية وأحيانا القوات الجوية الاسرائيلية بنقلهم، وفي أحيان أخرى استخراج أوراق مزورة لهم ونقلهم إلى جنيف ومنها إلى تل أبيب.
القرية انكشف أمرها فيما بعد، وتدخلت الولايات المتحدة لإقناع الرئيس السوداني السابق جعفر نميري بنقل اللاجئين اليهود سراً عبر رحلات جوية مباشرة من الخرطوم لأوروبا، وبالفعل تم نقل 6 آلاف و380 من يهود إثيوبيا إلى بروكسل على نحو 28 رحلة جوية، ومنها لإسرائيل في عملية أطلق عليها “موسى”.
لكون الفيلم يحكي قصة حقيقية، فإنه يفتح باب التفكير بأفق متسعة كي يتحقق العرب من الوفود الأجنبية التي تدخل محيطها، وكذلك التحقق من هويات المستثمرين ودراسة اتجاهاتهم وميولهم بل والبحث في مصدر ثرواتهم، وألا تنخدع الأنظمة أو السلطات في أي دولة عربية بعملية تدفق السائحين أو العملة الأجنبية إلى الداخل؛ فإن كان منتجع “عروس” تم كشفه، فقد تحقق ذلك بعد سنوات تمكنوا فيها من نقل نحو 17 ألف يهودي من أرض السودان، كما يجب الحيطة والحذر عن اختيار أماكن العسكريين والدبلوماسيين والمسؤولين، فقد ذكر التقرير البريطاني أن من بين ضيوف “عروس” وحدات جيوش عربية، وقوة بريطانية، ودبلوماسيون أجانب، ومسؤولون سودانيون.
إذا نظرنا إلى التكنولوجيا والتقدم الموجود في هذا العصر، وفي ظل تطور أجهزة التنصت والاستشعار عن بعد، فإن أي عملية اختراق داخلي مثل “عروس” أيًا كان هدفها تمثل كارثة كبرى، وخرقاً للأمن القومي، مهما كان الغطاء القانوني الذي تتخفى خلفه سواء سياحة أو استثمار أو تجارة أو تصنيع أو غير ذلك، ولتكن لنا في “عروس” عبرة لاتتخذ التدابير الوقائية من اختراق العدو.

إلى الأعلى