الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / لسه بدري علينا

لسه بدري علينا

فوزي رمضان
صحفي مصري

” .. كما تؤكد بعض النظريات السياسية، فإن تأسيس السلطة الشعبية يحتاج إلى مستوى متقدم من الحضارة .. لذلك فإن معظم دول المنطقة ليست مؤهلة للحكم الديمقراطي، وقد تحتاج إلى سلطة مطلقة وطنية ومزيد من الوقت كي تجمع فرقاء الوطن تحت سلطة واحدة أولا، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدمار والخراب ثم نتحدث عن وهم الحرية والديمقراطية…”
ــــــــــــــــــــــ

هل بلغت الشعوب العربية سن الرشد؟ قبل أن نسترسل في الإجابة نستعرض معا وضعنا الحالي .. فقد كانت معظم دول المنطقة مستقرة على الأقل أمنيا وعسكريا تحت وطأة أنظمة متسلطة فاسدة وفرت له هذا الجانب مقابل سحبها منه الحياة الكريمة وسبل العيش الآدمي .. وطبقا لطبيعة الأشياء فلا بد للمكبوت من فيضان، وعليه قامت ثورات ما يسمى بـ”الربيع العربي” التي تم ضبط مؤشر اليأس والإحباط وفقدان المستقبل لدى تلك الشعوب مع مؤشر المخطط الجهنمي للتخلص من بعض الزعامات وإعادة تقسيم المنطقة بدعاوى “الحرية والديمقراطية وسبل العيش الكريم…” .. وسنوات عدة مرت على تلك الدول؛ فلا تم هذا ولا حدث ذاك، ولا ذاقت تلك الشعوب (عنب الشام ولا بلح اليمن) حيث سيطرت قوى المصالح ومن أبناء تلك الدول على مقدراتها، وأحبطت كل آمالهم في التغيير الذي هو سنة الحياة، وجاءت تلك الانتكاسة لعدة أسباب:
أولا: سيطرت النخب والعملاء ومن يسمون بالنشطاء السياسيين على تحريك دفة الوطن، حيث مصالحها وما تشتهي وما يتلاءم مع الكم الهائل من المال السياسي والتحويلات الأجنبية والأموال الموجهة والأجندات الأجنبية ودعوات التدريب والزيارات لدول المخطط .. ما يؤكد الهدف من التغيير المطلوب هو الأرض والمكان وليس الحال والأحوال.
ثانيا: المعارضة غير الوطنية .. والتي سمنت وانتفخت أكراشها من العمالة والارتزاق وتربت في أحضان الخيانة لأوطانها، وجاءت لبلادها غازية وفاتحة تحت غطاء الطائرات والدبابات الأجنبية، وبعد أن حفظت الدور المنوط لها في المخطط المطلوب عادت لتسيطر هي على مقاليد الحكم وإدارة شؤون العباد .. هل هناك أقذر من ذلك؟
ثالثا: سيطرة ما يسمى بالإسلام السياسي ـ أو على الأصح قوى سياسية متلطية بالاسلام ـ بما لديه من عناصر منظمة ولها الباع الطويل في التعامل مع الشارع وسهولة الوصول للجماهير، وجذبت حولها كل الجماعات المتشددة والمتطرفة وأرادت أن تفرض قناعاتها على المجتمع، وتغيير هويته وثقافته تحت شعارات تدغدغ مشاعر الناس البسطاء.
رابعا: الشباب وهؤلاء هم فرس الرهان ووقود الثورات ومفتاح التغيير وأمل المستقبل، ولكن نصطدم هنا بالأمية السياسية التي تجعل معظم الشباب سهل الانقياد وقابلا للوقوع في الفخاخ المنصوبة له واستغلاله لخدمة أهداف ومصالح معادية لاستقرار المجتمع، والأمية السياسية للشباب تجعلهم يختلفون على ما لا يجوز الاختلاف عليه ولا يفرقون بين مصلحة الوطن ومصالح المنتفعين..
خامسا: المجتمع حيث تشكل الأمية (القراءة والكتابة) نسبة 39% من عدد أفراده ونسبة الفقر تصل إلى 40%، والكثير منهم يحكم على الأشياء وفق مصالحه وانطباعاته، وكونها تتلاءم أو تتصادم مع احتياجاته، لذا فإن الرهان على الصندوق الانتخابي أن يأتي بالشخص المناسب لإدارة الحكم مشكوك في أمره طبقا لنظرية المصالح والرشاوى الانتخابية والعائلة والقبيلة ووجهاء وأعيان المجتمع..
وبناء على ذلك، وكما تؤكد بعض النظريات السياسية، فإن تأسيس السلطة الشعبية يحتاج إلى مستوى متقدم من الحضارة .. لذلك فإن معظم دول المنطقة ليست مؤهلة للحكم الديمقراطي، وقد تحتاج إلى سلطة مطلقة وطنية ومزيد من الوقت كي تجمع فرقاء الوطن تحت سلطة واحدة أولا، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدمار والخراب ثم نتحدث عن وهم الحرية والديمقراطية بعد أن فشلت القوى المدنية غير المنضبطة في الحفاظ على الوطن أو الاحتفاظ بمواطنيه .. ومن المرجح أن الشعوب العربية لم تبلغ سن الرشد بعد فعندما يتخلصون من عدوهم يعادون بعضهم بعضا، وعندما يبحثون عن الحرية يرفعون شعار الفوضى، وعندما يطالبون بحقوقهم يدمرون حقوق الآخرين، وعندما يتخلصون من نظام يتخلصون أيضا من الدولة، وعندما يختلفون تكون التصفية الجسدية هي الفيصل.. والحال كما نرى وكما نشاهد ولا جديد سوى مزيد من الدماء وكثير من الدمار..
وما زال المشوار طويلا. ولسه بدري علينا.

فوزي رمضان
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى