الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / هل غير الروائي الطاهر بن جلون جلده ؟

هل غير الروائي الطاهر بن جلون جلده ؟

لقد شعرت بالحيرة ..عقب انتهائي من كتابة كلمة “الروائي”..فلقد توقفت للحظات أفكر : هل أذيلها ب” المغربي ” أم “الفرنسي” “؟! .. وهذا ما يشاع منذ سنوات في الأوساط الثقافية العربية والفرنسية ..أن ابن جلون غير جلده الذي ولد به ..حيث يفضل أن يصنف نفسه كاتبا فرنسيا !فماذا عن الجذورالتي تمتد في أعماق التربة المغربية وتغزي شرايينه ببلازما الوطن التي تفوح بقوة عبر أعماله الروائية ودونها ما كان بمقدوره أن يقتنص جائزة جونكور .. أعلى الجوائز الأدبية الفرنسية عام ؟ .. ومن وجهة نظر البعض أن غوص ابن جلون في تربة بلاده ليكتب ليس أصالة وانتماء ..بل هي الرغبة في أن يحول بلده المغرب إلى فولكلور يتفرج عليه الغربيون.. وخاصة الفرنسيين، على طريقة بعض المستشرقين… هذا ماقاله الروائي الراحل محمد شكري.خلال مهرجان الأدب العالمي ..اللغة والمنفى ” الذي نظمته “لندن ريفيو أوف بوكس ” في صيف 2010أبدى بن جلون غضبه لأن كتبه كانت تباع في المكتبات الفرنسية في خانة ” الأدب الأجنبي ” ..لقد منحه الفرنسيون جنسيتهم ..بالطبع طبقا لأنظمة الهجرة في بلادهم ..لكن بعيدا عن تلك الأنظمة التي توافرت شروطها مع رغبة بن جلون في الحصول على الجنسية الفرنسية ..هل يضمر الفرنسيون له ولنظرائه من الكتاب الأجانب الذين يكتبون بالفرنسية ويحملون جنسيتها نظرة أخرى ؟ يبدو أنه رغم كل ماهو مسجل في جوازات سفر هؤلاء الكتاب من أنهم مواطنون فرنسيون ..وبالتالي يحظون بكل ما للفرنسي من حقوق ويمتثلون لكل ما عليه من واجبات ..لكن ثمة حاجزا ..غضاضة في الحلق الفرنسي من أن يحمل هؤلاء الكتاب القادمون من الجنوب نفس الهوية التي حملها سارتر وكامي وهوجو وفولتير وروسو ..وإلا لماذا أودعوا كتب ابن جلون رفوف الكتاب الأجانب بمنافذ البيع ! ..ويقينا مثله كتاب آخرون استجابوا لإغراءات الفرانكفونية العالمية ..فانتقوا من منظومة الحياة في الوطن الأم ما يسيل له لعاب المتلقي الغربي..المرأة المقهورة والفقر المدقع والحاكم الذي يرى الوطن بعيون شهواته في الثراء والاستبداد والرعية الجاهلة التي لاحول لها ولاقوة.. انتقاء متعمد يلجأ إليه هؤلاء الكتاب لينعموا برضا دور النشر على ضفاف السين ..والتفاتة من الصحفيين والنقاد الفرنسيين قد تنتهي بالكتابة عنهم ..فإن كان العمل جيدا فربما فاز بجائزة ثمينة .. بحجم ” جونكور “..هل يشعر مثل هؤلاء الكتاب وهم يكتبون بالفرنسية بالألفة ؟ حين سئل ابن جلون في حوار مع ” الشرق الأوسط اللندنية ” ..عد 29 يونيو 2003عن مسألة الكتابة بالفرنسية قال أنا أنتمي الى جيل عبد اللطيف اللعبي ومحمد خير الدين ومصطفى النيسابوري.. ولما بدأنا الكتابة باللغة الفرنسية في الستينات لم نكن نتصور أن الكتابة بالفرنسية ستستمر. كنا نحس أننا نشكل ظاهرة غريبة بالنسبة للعالم العربي .. لأنه لم يكن مستساغا في البداية للبعض أن يكتب كاتب بلغة غير لغته الأم التي لا يتكلمها لا أبوه ولا أمه.. هذا الأمر كان غريبا.. ولكن في نفس الوقت كانت لدينا حاجة للتعبير.. وأحسن أداة كنا نتقنها هي اللغة الفرنسية.. فحفاظا على اللغة العربية ولكي لا نتعسف عليها ونشوهها فضلنا أو فضلت أنا شخصيا أن أتقن أكثر اللغة الفرنسية حتى يكون العمل الابداعي الذي أقدمه في المستوى. وقد حاول البعض في الستينيات والسبعينيات أن يجعلنا نحس بالذنب بسبب الكتابة بلغة هي ليست لغة البلد الأم.. ليس الأساسي هو اللغة ولكن ما يكتب، وكما يبدو لايشعر الطاهر بن جلون الذي يعتبر نفسه كاتبا فرنسيا وسعيدا بالجنسية الفرنسية بأية معاناة من إشكالية التمزق بين لغة الوطن الأم ولغة الوطن البديل التي استأنس إليها بها قلمه.. غيره ربما يشعرون بالتمزق ..هم يجدون أنفسهم يكتبون بالفرنسية لأنها من وجهة نظرهم الخيار الوحيد لأن يتحققوا خارج أوطانهم ..بل أنهم من أمضى سنوات يكتب بلغة الوطن وداخل الوطن دون أن يشعر به أحد لاأقول خارج الوطن ..بل داخل الوطن ..وحين استبدلوا الأبجدية تحققوا عبر القارات ..وربما في محاولة لاقناع الذات يضعون أمامهم على طاولات الكتابة ماقاله بول فاليري في مسألة التحقق: ‘لكي يضمن الإنسان حياته ككاتب ينبغي أن يتوفّر لديه أمران اثنان الاوّل بطبيعة الحال هو أن يكتب، والثاني هو قدرته على تحقيق الانتشار الواسع لما يكتبه.. والمجد الادبي لا يمكن تحقيقه الا بتلاحم هذين العاملين الذين يبدوان وكأنهما منفصلان الواحد عن الآخر..العامل الأوّل هو تحقيق الإبداع ذاته.. والثاني هو ضرورة إقناع الناس بفحوى وجدوى هذا الابداع بواسطة الكاتب نفسه أو عن طريق هؤلاء الذين قرأوا أعماله وأعجبوا بها .بذلك تتحقق الشهرة ويتأكد النجاح والانتشار’. وربما أيضا يضعون بجوار ما قاله فاليري ماقاله ناشر كافكا ‘كورت وولف’ ‘ان الكاتب الجيّد ينبغي له ان يظهر في الوقت المناسب وعن طريق دار النشر المناسبة ومحاطا بالحماس الذي هو قمين به وعلى عكس ذلك فإن الامر قد يغدو مجرّد نشر مطبوع ضائع .. وحتى لا تصبح كتابات هؤلاء مجرد مطبوعات بلا متلقي ..لاذوا بلغة أخرى وربما هوية..! لكن هل استبدال لغة الكتابة تتطلب استبدال الهوية ..؟ قال مالك حداد يوما والذي كتب بالفرنسية ” اللغة هي منفاي ” ..قول مثل هذا يعني أن هذا الكاتب العظيم كان منشطرا بين لغة آخر يكتب بها وجينات مناوئة تشكل هويته.. وأراه كان دقيقا في عبارته ” اللغة هي منفاي ” ..لكن هي في النهاية منفى اختياري ! وحتى لو أصبحت اللغة الأم للكاتب فمن العسير هضم فكرة أن تصبح هويتها هوية من يكتب بها حتى لو كان يحمل الجنسية التي تنتمي إليها ..وكما يقول الشاعر العراقي فاضل السلطاني في مقاله بجريدة الشرق الأوسط اللندنية “عدد 1أغسطس 2010 “: لا أحد ينتسب لبلد آخر، حتى لو حمل جنسيته، وحصل على أرقى جوائزه، إلا إذا غير فصيلة دمه، وجلده، وأعود لسؤالي الذي استهللت به سطوري هذه : هل غير الطاهر بن جلون جلده؟.

محمد القصبي

 

إلى الأعلى