الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الإصلاح الاقتصادي.. بين تصحيح الاختلالات، ومراعاة البعد الاجتماعي

الإصلاح الاقتصادي.. بين تصحيح الاختلالات، ومراعاة البعد الاجتماعي

محمد عبد الصادق

أثار تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء الذي صدر مؤخرا عن معدلات الفقر في مصر، عاصفة من الجدل وقدرا من الصدمة، حيث أظهر التقرير ارتفاع معدلات الفقر من 27.8% منذ عامين، لتقفز إلى 32.5% نهاية العام المالي المنتهي 2017/2018 م، وعزت الحكومة ارتفاع نسب الفقر، للزيادة السكانية التي وصل معدلها لـ 2.6% سنويا، وهي نسبة تحتاج معدل نمو اقتصادي لا يقل عن 7% سنويا، حتى يشعر 100مليون مصري بثمار الإصلاح الاقتصادي ويقل عدد الفقراء، في بلد يعاني محدودية الموارد ـ كما تقول الحكومة المصرية ـ والمنحصرة في دخل قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين في الخارج، و يكفي ما تتكبده ميزانية الدولة من أجل أن يظل رغيف الخبز بخمسة قروش.
لم يكن أمام الحكومة المصرية حلا إلاّ بدء برنامج إصلاحي، يعتمد على الاقتراض الخارجي لتدبير التمويل اللازم، وعلاج الاختلالات المزمنة في الاقتصاد المصري والمتراكمة منذ عقود، ورفع معدلات النمو الاقتصادي، وهو ما تحقق بعد أقل من ثلاث سنوات من انطلاق البرنامج، و تسعى الحكومة لمضاعفتها من خلال الاستخدام الرشيد للتمويلات الدولية، وضخها في مشاريع تستوعب أعدادا كبيرة من الأيدي العاملة، وتدر مداخيل تسدد من خلالها الحكومة أصل الدين وفوائده، وتنشئ بنية أساسية حديثة ؛ متمثلة في محطات كهرباء وطرق ومرافق وشبكة اتصالات وموانئ، لازمة لجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
يرفض المعارضون وصف برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري بالنجاح، ويصرون على وصفه بأنه برنامج إصلاح مالي ـ فقط لاغير ـ ويشبهونه بطبيب أمراض نساء يجري عملية ولادة قيصرية لامرأة حامل، ويخرج ليبشر الأب بنجاح العملية ولكن للأسف “ماتت الأم والجنين”، ويرون أن شرط نجاح أي برنامج إصلاح اقتصادي، هو القضاء على الفقر، وبعد ذلك تأتي المؤشرات الإيجابية من انخفاض عجز الموازنة، وزيادة نسبة النمو.
يرفض المعارضون حجج الحكومة، ويحملونها مسؤولية زيادة السكان بإهمالها تنمية المناطق الريفية في الصعيد والوجه البحري، التي تشهد النسبة الأكبر من الزيادة السكانية، وبخلها في تمويل البرامج الصحية المتعلقة بالأمومة والطفولة والصحة الإنجابية، وتوفير وسائل منع الحمل في الريف والحضر، ويدعون الحكومة للنظر إلى تجربة الصين التي استطاعت تقليل نسب الفقر من 70% في ستينيات القرن الماضي لأقل من 10% في العام 2010م، وتحقيق نسب نمو مرتفعة لمدة ثلاثين سنة متصلة، حتى تحولت لمنافس شرس للولايات المتحدة اقتصاديا رغم المليار و400 مليون نسمة، واستطاعت الاستفادة من عدد السكان الهائل في زيادة الإنتاج وخفض التكاليف وغزت الأسواق العالمية بحسن إدارة الزاد البشري، وتحويله إلى ميزة نسبية، وليس عبئا ثقيلا تشكو منه ليل نهار.
رد خبراء الحكومة على موضوع الصين، بأن الشعوب الآسيوية شعوب منضبطة وطيعة، وأنه لولا سياسة الطفل الواحد والتعقيم الإجباري، التي اتبعتها الصين ونفذها الحزب الشيوعي الحاكم بصرامة وحزم، منذ عصر “ماوتسي تونج” و”شوين لاي”، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ما استطاعت الصين الوصول للنتائج والمعدلات الاقتصادية والاجتماعية، التي وصلت إليها خلال السنوات العشر الماضية، بينما يصعب تطبيق مثل هذه السياسات في مصر لأسباب دينية واجتماعية، ولمخالفتها القانون والدستور، الذي يؤكد على حرية الإنجاب.
وبرنامج الإصلاح الصعب بدأته مصر بالتعاون مع البنك الدولي منذ ثلاث سنوات و حصلت بموجبه على 12مليار دولار على دفعات ؛ مقابل تنفيذ شروط البنك وأولها تحرير قيمة الجنيه أمام الدولار والذي أفقد العملة المصرية أكثر من 60% من قيمتها، وإلغاء الدعم على المحروقات وتحرير أسعار الكهرباء ومياه الشرب وفرض ضرائب على العقارات والسيارات والسلع الاستفزازية، وترتب على ذلك زيادة كبيرة في أسعار كافة السلع والخدمات.
الحكومة المصرية تؤكد نجاح البرنامج، مستندة إلى انخفاض نسبة الباحثين عن العمل من 12.7 في 2016 إلى أقل من 8% في 2019، وخفض التضخم لـ 7.8% مقارنة بـ13% في السنة الماضية، وارتفاع النمو إلى 5.6%، في الوقت الذي يشهد العالم أزمة اقتصادية خانقة، وتحقق دول كثيرة أكثر ثراء نسب نمو سالبة.

إلى الأعلى