الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / استنساخ البؤساء
استنساخ البؤساء

استنساخ البؤساء

في معاجم اللغة العربية كلمة “بؤساء” هي صفة في صيغة الجمع تطبق على المذكر والمؤنث وتدل على ثبوت البؤس، مفردها بائس، ومؤنثها بائسة، جمع المذكر بائسون وجمع المؤنث بائسات، وطبقًا لأهل اللغة فإن معناها الفقر والوضع المزري واستخدامها يدل على ثبوت البؤس.
ومن منطلق المعنى اللغوي الوصفي الشامل، نتأمل من حولنا لنجد أن البؤس لم يترك في زماننا الحالي مذكرا أو مؤنثا، جمعا أو مفردا ، إلا وحاكاه، حتى أصبح البؤس ملازمًا للكثيرين كصديق، خاصة بعد الحروب التي تُشن هنا وهناك، والصراعات التي تندلع بلا أي مبرر بعد أن باتت الإنسانية تتبنى خلايا متصارعة ضد بعضها البعض فخلفت وراءها قصصًا ورواياتٍ للعديد من الناس الذين يعيشون حياة البؤس والفقر في مجتمعاتهم، حتى وصل الأمر أن منهم من يضحي بنفسه في صراعه مع رحلات المجهول فيفقد حياته , إما بسبب رصاصة لرجل أمني على الحدود أو في قارب بعرض المياه دون طوق للنجاه فتكون النهاية الهلاك المحتوم.
وللبؤس قصص في كل مكان وزمان، منها ما قرأنا عنها أو شاهدناها في واقع الحياة في كثير من المجتمعات، ومن أشهر تلك الحكايات التي جسدت مرارة الحياة مع الفقر والبؤس رواية «البؤساء» لمؤلفها فيكتور هوجو والتي تناول فيها قصة “جان فالجان” الإنسان الأمي البسيط الذي امتدت يده إلى رغيف خبز تحت طائلة العوز والجوع من أجل إطعام أخته وأطفالها السبعة، إلا أن المحكمة لم تأخذ بروح القانون، ولم تراع السبب المهين للواقعة، وأصدرت حكمها عليه بالسجن خمس سنوات مع الأشغال الشاقة، وامتدت إلى 19 سنة لإصرار جان فالجان على الهروب من السجن وتكرار المحاولة لعدم قدرته على تحمل حياة السجناء، فكانت أطول فترة زمنية لسجين من أجل رغيف خبز.
وبحسب الرواية، فإنه عندما أطلق سراح البطل – المتهم بسرقة رغيف خبز – كان مقتنعًا “أن ليس ثمة تكافؤ بين الأذى الذي ارتكبه، وبين الأذى الذي لحق به”، لذلك كان إنسانًا بائسًا ويائسًا وقاسيًا وحاقدًا على المجتمع الذي لم يرحمه هو وأخته وأطفالها السبعة الجياع، وحتى بعد خروجه من السجن نبذه المجتمع وكأنه كلب أجرب، لكن في وسط الطوق الكبير من الظلام الذي التف حول حياته قابل رجلًا عجوزًا فتح له قلبه ومسكنه، إلا أن جان فالجان الذي لم تهدأ ثورته ضد المجتمع وهو في أول عهده بالحرية، سرق من العجوز الأطباق الفضية الستة مع ملعقة الحساء الكبيرة التي ورثها العجوز، وهرب مع خيوط الفجر الأولى، لكن الدرك أعادوه إلى العجوز لشكهم بسرقته الأطباق والملعقة، وظن جان فالجان أنه سيعود إلى السجن مجددًا، غير أن العجوز زعم أمام الدرك أنه منحه الأطباق والملعقة، بل وزاد على ذلك بأن أعطاه شمعدانين كان يستعملهما للإضاءة في منزله.
وأثرّ ذلك الدرس البليغ في حياة جان فالجان فقرر أن تستمر حياته بكرامة، وذهب إلى مدينة «مونتروي سورمير»، وأصبح يحمل اسم «مادلين» مخفيًا حقيقته بعد أن انصلح حاله وتحسنت أموره المالية وكون ثروة بات بها رجل أعمال ناجح، وأصبح من أكثر المحسنين في المدينة مؤمنًا بأن الخير الذي ينعم به يجب أن يعم على المعوزين والبائسين والمظلومين، وفتح أبواب التوظيف في معاملته للناس بشرط واحد يعرفه الجميع وهو وجوب شعار “كن أمينًا”!.
هذا الجزء من القصة يعطى درسًا بليغًا لاستنساخ “البوساء” إذا طبق في واقعنا الحالي، فلا يخفى على أحد أن الكثيرين في بعض المجتمعات يدخلون السجون من أجل أموال صغيرة استدانوها لشدة الاحتياج، ودخلوا بسببها السجن، ودفاتر الأحوال الشخصية في وطننا العربي مليئة بتجارب واستنساخات لمثل هؤلاء البؤساء الذين وصلت بهم الظروف الاقتصادية للاستدانة من أجل رغيف خبز أو للصرف على علاج أو لظروف عديدة متشابهة.
إن الرحمة والتكاتف مطلوبان على كل المستويات في كل بقاع الدنيا وبين كل الديانات، لأن الإنسان كُرِّمَ في كل الرسالات، فيجب أن يستقر في الوجدان الجمعي أن يساعد الإنسان الميسور أخاه البائس، وينطلق ضميره مثل صوت المذياع يركز مؤشّر موجاته نحو الرحمة حتى لا يكون هناك بؤساء يقبعون في السجون من أجل رغيف خبز، أو أناس يتساوى عندها الموت بالحياة، خاصة وأن السجن فاتح ذراعيه ولا يوجد في زمننا الحالي عجوز معطاء يمنح الذهب والفضة.

جودة مرسي

إلى الأعلى