الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / وصمة الاحتلال وصناعة الفشل (2)

وصمة الاحتلال وصناعة الفشل (2)

كاظم الموسوي

بالعودة للعنوان الكبير، وصمة الاحتلال وصناعة الفشل، وأسرار وخفايا الحملة الأميركية لإسقاط صدام، يطلع القارئ على محاولات المؤلف الدكتور گوران طالباني في الكشف والسرد والعرض كما رآها هو وفي إطار مشاركته في مجموعة عمل عراقية، نشطت في برنامج عملها مع برامج وخطط أميركية، خاصة بعد مجيء الحزب الجمهوري للبيت الأبيض وقيادة ما سمي بالمحافظين الجدد لإدارة أبرز الأجهزة والمؤسسات التنفيذية الأميركية. ولهذا سنتجاوز الفصول الخمسة الأولى، 260 صفحة من الكتاب، لنصل إلى ما يتصل مباشرة بالعنوان، رغم أهمية صفحات التاريخ التي استعرضها المؤلف، والتي قد يناقش فيها أيضا، إلا أن السير إلى العنوان المباشر يعطي معلومات إضافية للفترة التاريخية وللقارئ المتابع.
اهتم المؤلف بإبراز الصراعات الداخلية، سواء داخل المؤسسات الأميركية أو فصائل المعارضة العراقية، وكشف طبيعتها وتأثيرها على العمل السياسي، والعلاقات الأميركية العراقية، من جهة وعلى نشاط مجموعته وباقي القوى العراقية المعارضة من جهة أخرى. مشيدا بعلاقة مجموعته لأبرز عناصر المحافظين الجدد الذين استلموا مواقع مهمة في مؤسسات الإدارة الأميركية والسياسات التي تمكنت مجموعته من الاستشارة بها والدفع إليها. واضعا في الخلافات والصراعات وتفرد قيادات أو رهان صلات أو تخادم أسباب الفشل أو صناعته. ولعل هذه الانقسامات والصراعات التي يمكن تسميتها وتقسيمها الى الداخلية والخارجية من أهم أسباب ما وصل إليه المؤلف والمشروع الأميركي. وهي خلافات وقناعات وممارسات لها نتائجها على ما حدث ويحدث في العراق، عرضها المؤلف أو وثقها بالأسماء والتاريخ والنتائج، وفيها أو عليها أسئلة وتساؤلات، تبدأ بكيف ومَن ولماذا ولا تنتهي بكل ادوات الاستفهام. وتركز على مرحلة من تاريخ العراق ودور كل طرف ممن أراد أن يكون في إطار المشهد العام في العراق.
مثلا ذكر المؤلف في صفحة 492 “كانت إحدى تداعيات عداء الخارجية ووكالة المخابرات للتعاون مع عراقيي المنفى هو موضوع تشكيل حكومة عراقية مؤقتة والتعاون العسكري والامني والسياسي معهم. وفي مارس 2002م رجعت هذه الفكرة إلى الصدارة بمبادرة من بول ولفويتز حيث أقترح أن يتم إعداد دراسة حول تدريب العراقيين لمساعدة القوات الأميركية أثناء الحرب ومن ثم قيامهم بواجبات حفظ الأمن وكذلك فكرة تشكيل حكومة عراقية مؤقتة تستلم السلطة بعد الاطاحة بالنظام”. ثم كتب في ص500 “ختمت رايس (مستشارة الأمن القومي) التقرير بالقول المتناقض بأن اميركا يجب أن تدخل كمحرر ولكن رجعت للقول بأنه يجب على امريكا أن تقود السلطة في العراق في البداية، بالرغم من أن العراقيين سيرون هذه الخطوة كاحتلال امبريالي جديد، حسب تعبيرها”. وهذا أمر يلفت الانتباه، ولم يحلل سياسيا أو يسلط ضوء أوسع عليه بسبب نتائجه الكارثية، أو نقد وتفنيد الخطط التي أضرت بمصالح الشعب العراقي الاستراتيجية ونهب ثرواته، وتحميل المسؤولية القانونية والتاريخية للجهات التي أقدمت أو ارتكبت ما آل إليه الوضع والأحداث. رغم أن الصفحات وثقت بعض مواقف داخلية وبالاسماء ولكنها ظلت في مجالها أو محيطها غير المؤثر اساسا.
حاول المؤلف التأكيد على وجود صراعات داخل المؤسسات الأميركية، وبالمقابل صراعات داخل المعارضة العراقية، في صفحات أو فصول عديدة من خلال المواقف والرهانات والارتباطات الخارجية، (ص 634 مثلا وما بعدها) وفيها صور ومشاهد عن تحضيرات وتخادمات ورغبات سهلت الغزو والاحتلال وكشفت النوايا والتوجهات. وفي كل الأحوال تم غزو العراق واقرار احتلاله. وهو ما ثبته الكتاب في فصوله، أو يومياته وما آلت إليه الأوضاع في العراق. لاسيما بعد استلام السفير بول بريمر مهامه في السيطرة على العراق، وتصريحه خلال مقابلة مع التلفزيون البريطاني في 29 يونيو 2003م “نحن نسيطر على المشهد ونحن سنواصل فرض رغباتنا على هذا البلد” (ص727 ). وفعلا حكم بريمر احتلال العراق بقراراته وبمشاركة او رضا المتعاونين معه أو مع أسياده. ورغم الخلافات بين الأطراف السياسية الا ان الوقائع تشهد وتوصم. وهو ما سرب ونشر في 8 نوفمبر بالتفاصيل عن أعضاء مجلس الحكم في جريدة واشنطن بوست، “حيث قالت بأن معظم أعضاء المجلس لا يحضرون الاجتماعات النصف أسبوعية ولا يعرفون ما يقوم به وزراؤهم وهم غافلون عن القوانين التي تم تشريعها وان أعضاء المجلس عينوا اقرباءهم كوزراء حيث أن مسعود بارزاني عين خاله هوشيار زيباري كوزير وجلال طالباني عين عديله لطيف رشيد كوزير وان اياد علاوي عين قريبه نوري البدران وأحمد الجلبي عين قريبه علي علاوي كوزير للدفاع ومحمد بحر العلوم عين ابنه ابراهيم كوزير للنفط ونصير الجادرجي عين قريبه هاشم الشبلي كوزير للعدل بينما عين غازي الياور ابن عمه عبد الباسط تركي وزيرا لحقوق الإنسان” (ص 826) . ومع كل هذا اختصر المؤلف في الخاتمة وجهة نظره الشخصية أو رغبته في مسار أو سير الأحداث وكيف اصبحت وصمة وانتهت الى الفشل.
ختم المؤلف برسم صورة تراجيكوميدية في صفحة 898 عن المقرر والمفروض أن تقام مراسم احتفالية في بغداد في 30 يونيو بمشاركة الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني لتسليم السلطة إلى العراقيين وتأجيل اجتماع قمة حلف الناتو السنوية ليتسنى للرئيس الأمريكي الحضور، بينما ما حصل هو تسليم بريمر رسالة التنازل عن السيادة الى رئيس المحكمة العراقية العليا في طقوس سرية دامت 10 دقائق فقط في مكان سري. ومن عمّان التي وصلها بطائرة سي 130 كتب إلى زوجته فرانسيس يخبرها بأنه “سالم وحر وفي طريقه إلى البيت”. وسجل المؤلف “أنهى بريمر بذلك حكمه العراق الذي تسبب بمآس ستبقى آثارها السيئة لأجيال عديدة قادمة” (ص898). من هذا الحكم وما ضمته الصفحات العديدة عن المسؤوليات وما حدث وجرى في العراق والضحايا الأبرياء ومحنة الحرب وتوابعها وتداعياتها، تبرز أسئلة أخرى مثل مَن يتحمل المسؤولية واين هي العدالة والقانون الإنساني الدولي، وحقوق الشعب العراقي وهل تكفي الإدانة اللفظية؟.
قال حينها أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان، بلا شرعية الحرب على العراق، وأكد مثله النائب العام البريطاني في رسالته إلى رئيس الوزراء البريطاني كما عارض البرلمان البريطاني والشوارع العالمية. أن المأساة لا تنتهي بالقول أو التعبير عنها إذ لابد من المحاكمة لها، ولعل ما أورده المؤلف من توثيق يقدم دليلاً، أو بعض دليل وشهادة.

إلى الأعلى