الأربعاء 11 ديسمبر 2019 م - ١٤ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / وفود رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

وفود رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

وفــد دَوس
كان قدوم وفد دوس على رسول (صلى الله عليه وسلم) بخيبر، وهم قبيلة أبي هريرة، ينسبون إلى جدِّهم دَوْس بن عدنان، ينتهي نسبهم إلى الأزد، يقول ابن إسحاق: كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرَّق جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرِّق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمع منه. قال: فوالله ما زالوا بي حتى عزمت أن لا أسمع منه شيئًا، ولا أكلمه، حتى حشوت في أدني حين غدوت إليه كرسفًا، فرقًا من أن يبلغني شيء من قوله. قال: فغدوت إلى المسجد, فإذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريًبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله: فسمعت كلامًا حسنًا، فقلت: واثكل أماه، والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان ما يقول حسنًا قبلت، وإن كان قبيحًا تركت. قال: فمكثت حتى أتى ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل بيته فقلت: يا محمد, إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوّفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف أن لا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولًا حسنًا، فاعرض عليَّ أمرك. فعرض عليَّ رسول الله )صلى الله عليه وسلم( الإسلام، وتلا عليَّ القرآن، لا والله ما سمعت قولًا قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا رسول الله، إني امرؤ مطاع في قومي, وإني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية. قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر، وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللَّهم في غير وجهي، إني أخشى أن يقولوا إنها مُثْلَة وقعت في وجهي لفراقي دينهم، قال: فتحوّل فوقع رأس سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية، حتى جئتهم وأصبحت فيهم، فلمَّا جئت أتاني أبي ـ وكان شيخًا كبيرًا ـ فقلت: إليك عني يا أبت، فلست مني ولست منك، قال: ولم يا بني؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال: يا بني, فديني دينك، قال فقلت: فاذهب فاغتسل وطهّر ثيابك ثم تعالى أعلمك ما علمت، قال: فذهب فاغتسل وطهَّر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم. ثم أتتني صاحبتي فقلت لها: إليك عني, فلستُ منك ولستِ مني، قالت: لِمَ؟ قلت: فرَّق الإسلام بيني وبينك، أسلمت وتابعت محمدًا، فقالت: فديني دينك, فأسلمت. ثم دعوت دَوْسًا إلى الإسلام، فأبطئوا عليَّ, فجئت رسول الله )صلى الله عليه وسلم( فقلت: يا نبي الله, إنه قد غلبني على دوس الزنا، فادع الله عليهم، فقال: “اللَّهمَّ اهد دوسًا”، وفي البخاري عن أبي هريرة: جاء الطفيل بن عمرو إلى النبي )صلى الله عليه وسلم(، فقال: إن دوسًا قد هلكت، عصت وأبت، “فادع الله عليهم، فقال:(اللهم اهد دوسًا)، زاد البخاري:(وائت بهم)، ثم قال:(ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم)، فرجعت إليهم, فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله، حتى هاجر النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة، ومضت بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بخيبر، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتًا من دوس، وللطبراني بسند ضعيف أنهم أربعمائة، فلمَّا رآهم النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(مرحبًا بأحسن الناس وجوهًا، وأطيبهم أفواهًا) أي: كلامًا، (وأعظمهم أمانة) ثم لحقنا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين، وهذا يدل على تقدُّم إسلامه، كذا ذكره (شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (5/ 179)، وروى البخاري في التاريخ وابن خزيمة والطحاوي والبيهقي، وعن أبي هريرة: قدمنا المدينة… فصلينا الصبح خلف سباع بن عرفطة الغفاري، فقرأ في الركعة الأولى بسورة مريم، وفي الأخيرة بويل للمطففين، فلمّا قرأ:(إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) (المطففين ـ 2)، قلت: تركت عمي له مكيالان: إذا اكتال اكتال بالأوفى، وإذا كال كال بالناقص، فلمَّا فرغنا من صلاتنا قال قائل: رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بخيبر، وهو قادم عليكم، فقلت: لا أسمع به في مكان أبدًا إلا جئته، فزودنا سباع، وجئنا خيبر، فنجده قد فتح النطاة، وهو محاصر الكتيبة، فأقمنا حتى فتح الله علينا، (فأسهم لنا مع المسلمين)، وقد جزم ابن أبي حاتم بأنه قدم مع أبي هريرة بخيبر، وعن ابن إسحاق: ثم لم يزل معه )صلى الله عليه وسلم( حتى إذا فتح الله عليه مكة، قلت: يا رسول الله, ابعثني إلى صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه، فبعثه فأحرقه وهدمه، ثم رجع، فأوقد النار عليه، ثم رجع، فكان مع المصطفى حتى قبض، فلمَّا ارتدت العرب، خرج مع المسلمين حتى فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كلها، ثم سار إلى اليمامة، ومعه ابنه عمرو، فرأى رؤيا (شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية 5/ 186)، وبينما متوجه إلى اليمامة، فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا، فاعبروها لي، إني رأيت أن رأسي قد حلق، وأنه خرج من فمي طائر، ولقيتني امرأة فأدخلتني في فرجها، وأن ابني يطلبني طلبًا حثيثًا، ثم رأيته حُبِسَ عني، قالوا: خيرًا، قال: أما أنا والله فقد أوّلتها، قالوا: بماذا؟ قال: أمَّا حلق رأسي فوضعه، وأمَّا الطائر الذي خرج من فمي فروحي، وأمَّا المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض تحفر لي فأغيب فيها، وأمَّا طلب ابني إياي ثم حبسه عني، فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني، فقُتِلَ شهيدًا باليمامة، وجُرح ابنه جراحة شديدة، ثم استفل منها، ثم استشهد عام اليرموك زمن عمر. انتهى. وبقتل الطفيل يوم اليمامة جزم ابن سعد أيضًا، ومن قبله ابن الكلبي، وقيل: باليرموك، قاله ابن حبان، وقيل: بأجنادين، قاله موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وأبو الأسود عن عروة، ويأتي في ترجمة عمرو بن الطفيل، أنه الذي استشهد باليرموك، قاله في الإصابة. وعند ابن سعد: إن عمرو بن الطفيل قُطِعَت يده أيضًا، زيادةً على الجراحة الشديدة يوم اليمامة، ثم صحّ، فبينا هو مع عمر إذ أُتِيَ بطعام، فتنحَّى، فقال مالك: لعله لمكان يدك، قال: أجل، قال: والله لا أذوقه حتى تسوطه بيدك، ففعل. قال ابن أبي حاتم: لا أعلم، روى عن الطفيل شيء، وتعقبه الحافظ بأن البغوي أخرج من حديث عبد ربه، عن الطفيل بن عمرو الدوسي، قال: أقرأني أُبَيّ بن كعب القرآن، فأهدَيْتُ له فرسًا.. الحديث .. والله أعلم.

محمود عدلي الشريف

إلى الأعلى