الأربعاء 11 ديسمبر 2019 م - ١٤ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الإعجاز القرآني في تأكيد القاعدة النحوية (سورة يوسف نموذجا)

الإعجاز القرآني في تأكيد القاعدة النحوية (سورة يوسف نموذجا)

يقول الله تعالى:(ما فرطنا في الكتاب من شئ)، ويقول عزوجل:(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كبيراً)، ويقول في مطلع سورة يوسف ـ عليه السلام:(لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ).
ومن السائلين نحاةٌ، وصرفيون، ولغويون، حيث يجدون بُغيتهم، ويحققون نَهمتهم، ويتضلَّعون في تخصصهم من مشارب، ورياض القرآن الكريم.
وقد حاولتُ أن أقرأ تلك الآيات في إطار تخصصي في اللغة: نحواً وصرفاً لأستجلي عمق دلالتها، وجلال صدقها، فوجدتُها قد أسعدتْني كثيرا إذ رأيتُ بركتَها في تخصصي، حيث وجدتُ من خلال النظر العميق في الآيات والسور أن ثمة قواعدَ نحوية وصرفية قد شُرِحَتْ كاملة، أو أُكِّدَتْ مرارًا في آية واحدة ليشبع منها المتخصصون في هذا العلم، كما شبع متخصصون آخرون في فنون أخرى، وحتى لا يكون الكلام ضربًا من العاطفة الجوفاء، أو لونا من الحب غير المقترن بالحقيقة، أذكر هنا جملةً من تلك القواعد التي أكد عليها القرآن الكريم، وأبدأ بالقاعدة النحوي، فأذكر منها جملة من الشواهد، وأثني بالقاعدة الصرفية فأستوفيها هي الأخرى بجملة من الشواهد توضح صحة ما أذهب إليه، وأريده.
فقد لا حظتُ عند شرحي لباب الأسماء الستة أن سورة يوسف قد تضمنت كلَّ ما يتعلق بها من الشروط، والأعاريب، وشواهد اختلال الشروط، من ذلك مثلا أن الأسماء الستة عند إعرابها ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجر بالياء، وقد جاء في مطلع سورة يوسف قوله تعالى:(إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)، فقد جاء الإعراب متكاملاً في آية واحدة فرفعت كلمة:(أخوه) بالواو، ونصبت كلمة: (أبانا) بالألف، وجرت كلمة:(أبينا) بالياء، فشملت الآية الواحدة الإعرابَ كاملا في حالاته الإعرابية الثلاث: رفعاً ونصباً وجرّاً.
وسنعود إلى السورة لاحقًا عندما نتحدث عن اختلال الشروط، وما يتبع ذلك من أحكام.
والمعروف أن الفعل الماضي يُبْنَى على الفتح إذا اتصلت به تاءُ التأنيث الساكنة، وقد جاء ذلك تكرارًا في أفعال في هذه السورة الكريمة تتابعت في آية واحدة لتؤكد على تلك القاعدة النحوية، حيث يقول الله تعالى:(فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ).
فالأفعال المتتابعة:(سمعت، أرسلت، اعتدت، آتت) قالت:(كلها) اتصلت بها تاء التأنيث الساكنة فبني الفعل الماضي معها على الفتح، سواء أكان الفتح ظاهراً، كما في الأفعال: (سمعت، أرسلت، اعتدت، قالت) أم كان مقدرا كما في الفعل:(آتت).
ـ كما أن الفعل الماضي المُسند إلى نون النسوة يُبْنَى على السكون، وقد جاء في الآية السابقة مكررًا للتأكيد على تلك القاعدة النحوية كما في الأفعال:(فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ)، حيث بني كل من:(رأينه، أكبرنه، قطعن، قلن) على السكون لاتصاله بنون النسوة التي هي الفاعل في كل ذلك في محل رفع.
ـ وفي جزم المضارع في جواب الطلب تأتي الآيات تترى لترسخ من فهم الدارس لها حيث وردت ثلاث مرات متتابعة، يقول الله تعالى في سورة يوسف:(اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ، قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ، قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ، أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، فالشاهد الأول قوله تعالى:(اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ ..) حيث جاء الفعل:(يخل) مجزوماً في جواب الطلب:(اقتلوه أو اطرحوه أرضاً)، فحذف حرف العلة الواو من الفعل (يخلو)، والحالة الثانية قوله تعالى:(وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ) حيث جاء الفعل:(يلتقطه) مجزوماً، وعلامة جزمه السكون لكونه صحيح الآخر قد وقع في جواب الطلب:(ألقوه)، والحالة الثالثة بعدها مباشرة، وهي قوله تعالى:(أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ)، حيث جاء الفعلان:(يرتعْ ويلعبْ) مجزومين لوقوعهما في جواب الطلب:(أرسلْه معنا) فقد أكد القرآن الكريم على قاعدة الجزم في جواب الطلب، وهي، وإن كان الجزم والرفع فيها جائزًا إلا أن الجزم أولى؛ لأن القرآن يأتي دائمًا بالأفصح المستعمل.

د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم بجامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Dragmal2020@hotmail.com

إلى الأعلى