الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : عيون العرب تقتلع وخزائن البترودولار تستنزف

شراع : عيون العرب تقتلع وخزائن البترودولار تستنزف

خميس التوبي

مهما تكن من نتائج ستؤول إليها المعارك في مدينة عين العرب السورية سواء بسقوطها بيد تنظيم ما يسمى “داعش” أو باستمرار المعارك داخلها ومحيطها أو بسيطرة التنظيم الإرهابي على أجزاء منها، فإن الإسقاط الحتمي للمدينة تحت أي صيغة بات مطلبًا مسلمًا به لدى رعاة الإرهاب في المنطقة وداعمي التنظيم الإرهابي تحديدًا. وقد قالها صراحة ودون أدنى مواربة جون كيري وزير الخارجية الأميركي إنه ليس لدى بلاده أو لدى تحالفها استراتيجية منع سقوط المدن؛ فالولايات المتحدة ـ وحسب قوله ـ ما زالت في طور البحث عن الهدف الاستراتيجي الذي لم يظهر بعد في الأفق، ولذلك ما صرح به كيري صحيح مئة بالمئة، فحتى يظهر الهدف الاستراتيجي وتلوح ملامحه في أفق المنطقة يجب أن تسقط مدن كثيرة في الدول المستهدفة؛ أي أننا أمام مشهد دراماتيكي قادم يتم خلاله خلع عيون العرب وليس مدينة عين العرب السورية وحدها.
وأمام هذا القدر المتيقن، نجد أن الضربات الجوية التي يشنها تحالف كيري هي أكبر دليل على ذلك، فمن يتابع مسار الضربات يجد أنها ترسم مسارات جغرافية لجحافل ما يسمى تنظيم “داعش”، ففي العراق تتركز الضربات الجوية شمال الموصل باتجاه حدود مدينة كركوك الغنية بالنفط ونحو سنجار وحتى الحدود مع سوريا، ولعل ما يؤكد ذلك هو السقوط السريع للقرى والمدن في غرب العراق في الأنبار ونينوى وصلاح الدين، وكذلك استعادة التنظيم الإرهابي القرى التي حررها من ربقته الجيش العراقي وقوات الدفاع الشعبي. بمعنى آخر أن مناطق النفوذ والامتياز والمصالح الأميركية والغربية والصهيونية في العراق وتحديدًا شمال العراق ممنوع على التنظيم الإرهابي الاقتراب منها. أما في سوريا فتسير الضربات وفق بوصلة واضحة باتجاه الشريط الحدودي الممتد من مدينة عين العرب والحسكة شمالًا وحتى ساحل اللاذقية إلى إدلب ودير الزور ودرعا وحماة والجولان جنوبًا.
وهنا لا بد من إعادة التذكير وقدح زناد الذاكرة لمن يملكون ذاكرة كذاكرة السمك، بما قاله الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في بداية مؤامرة ما سمي بـ”الربيع العربي” بأن ما يجري من فوضى في المنطقة هو اتفاقية “سايكس ـ بيكو” ثانية تقوم على تقسيم المنطقة وفق مناطق الثروات، بعد أن قامت الاتفاقية الأولى على تقسيم المنطقة على أساس جغرافي بين الدولتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا.
ولذلك فإن مسارات الضربات ـ كما ذكرت آنفًا ـ ترسم جغرافيا التقسيم والتوزيع للثروة بين المستعمرين القدماء والجدد. فبالعودة إلى العراق نجد أن شماله المسمى بكردستان العراق غني بالنفط، في حين وسط العراق فقير، وجنوبه غني بالنفط ويتحكم به كل من الاستعمارين الأميركي والبريطاني. أما بالنسبة لسوريا فالاستكشافات الحديثة تشير إلى وجود ثروات هائلة من النفط والغاز على السواحل السورية؛ أي الشريط الحدودي الذي يشهد ضربات تحالف كيري.
وعلى الرغم من أن العنوان العلني العريض لتحالف كيري هو محاربة ما يسمى تنظيم “داعش” في حين أن الهدف المختفي وراء هذا العنوان هو الرهان على ما يسمى “داعش” في قضم المدن والمناطق المستهدفة ومن ثم إفراغها للتحالف عبر الضربات، فإن هناك خشية تتملك تحالف كيري من قيام الجيش العربي السوري أو قيام المحور المقاوم بملء الفراغ في المناطق المراد قضمها. وتحسبًا لذلك يعمل الأميركي وأدواته وعملاؤه على إقامة جيش من المرتزقة والإرهابيين أعلن عن تدريب فرقه في كل من السعودية والأردن وتركيا وجورجيا ليحل محل ما يسمى تنظيم “داعش”.
ما يندى له الجبين ويبعث على الألم والحسرة، ذلك التفاوت في الأهداف والمصالح والذي يصل إلى حد النزاع والصراع بين بعض مكونات تحالف كيري، فعلى سبيل المثال أن تركيا ـ أردوغان الساعية إلى إحياء الدولة العثمانية تسعى إلى قضم أراضٍ عراقية (كالموصل) وأراضٍ سورية كالحسكة وعين العرب بالإضافة إلى لواء الإسكندرون وصولًا إلى مدينة حلب، محققةً بذلك أيضًا هدفها الأساس بالتخلص من الأكراد وضرب حلمهم في أي استقلال قادم ينشدونه، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى تحاول تركيا ـ أردوغان تعويض فشلها في دعم الإخوان المسلمين في مصر وعجزها عن مقارعة أُم الدنيا في إمكانية إيجاد موطئ قدم لهم في سوريا، وهذا ما يفسر ربط شرط دخولها في تحالف كيري ودعمها بإسقاط النظام السوري. في حين تتنافس قوى الاستعمار الغربية الأخرى على الفوز بأكبر كعكة من مناطق الثروات، بينما مكونات أخرى في التحالف لا همَّ لها من هذه العربدة والاندفاع نحو تمزيق الأمة العربية سوى التخلص من الرئيس السوري بشار الأسد، وفي سبيل ذلك مستعدة أن تدفع آخر قرش من أموال شعوبها.
الخلاصة، نعم لقد نجح الأميركي بالخبث البريطاني ـ الصهيوني ليس في العودة العسكرية المطلقة وإخضاع المنطقة لسيادته فحسب، وإنما في إعادة تدوير تروس الاقتصادات الغربية للدول الاستعمارية الإمبريالية التي تعاني أزمات مالية طاحنة، ومن يتابع أسواق وول ستريت يجد الارتفاعات المتوالية والكبيرة لأسهم شركات مصانع السلاح. كما في المقابل أكد الأميركي أنه ليس له صديق دائم، بل كعادته ينظر إلى المتعاونين معه في مخططاته التدميرية والاستعمارية وفق مزاجه؛ تارة يرفعهم إلى مرتبة أصدقاء وتارة إلى مرتبة حلفاء، وتارة أخرى إلى ما دون ذلك، فبعد أن أدخلهم في معمعة المؤامرة وشراكها اتهمهم بأنهم يدعمون الإرهاب وأنهم من أنتجوه، ليضع يديه على خزائنهم مبتزًّا ومستنزفًا، لتبدأ المنطقة رحلة العودة إلى المربع الأول خلال استنزافها بالحرب العراقية ـ الإيرانية، ثم حربي الخليج الأولى والثانية، فالنَّصَّاب الأميركي يريد أن يلزم الممولين العرب بدفع فاتورة خمسمئة (500) مليار دولار حتى آخر سنت، وفوق ذلك يسعى ليزيدهم تكبيلًا ورهقًا وليفقرهم بدأ يتلاعب بأسعار النفط التي بدأت الهبوط المخيف في الوقت الذي يشهد تخلي الولايات المتحدة تدريجيًّا عن نفط الخليج لبدئها إنتاج خام النفط الصخري..
هذا هو الأميركي حين يتجمع حوله الخبث البريطاني والصهيوني، وهذا هو العربي حين يَحِنُّ لركوب مطيته في رمضاء بيداء قاحلة.

إلى الأعلى