الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : أسئلة النهضة العمانية الجديدة .. في ضوء انكشافات واستشرافات بن علوي

العين .. الثالثة : أسئلة النهضة العمانية الجديدة .. في ضوء انكشافات واستشرافات بن علوي

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

(1)
تفتح لنا ردود وشروحات معالي يوسف بن علوي بن عبدالله وزير الدولة للشئون الخارجية في اللقاء الذي جمعه بإدارة جمعية الصحفيين العمانية مؤخرا، تفتح أفقا سياسيا جديدا ذا بعدين، داخلي وإقليمي، والبعدان متلازمان، لا يمكن فصلهما عن بعض تماما، لأن التلازم أصبح سمة عربية عربية، وعربية كونية منذ عام 2011، رغم أن الردود والشروحات الخاصة بهذا الأفق كانت مقتضبة ومحدودة شكلا ومضمونا، وإحداها وردت في (11) كلمة فقط ، إلا أننا استقبلناها بفهم عال وبعيد المدى، ويمكننا من خلال هذا الفهم إنتاج رؤى مستقبلية تكشف أن بلادنا تشهد متغيرات سياسية كبرى، فكيف ستتعامل معها ؟ خاصة وأنها متغيرات حتمية هى انعكاس لمرحلة تداعيات ما يسمى بالربيع العربي، وانعكاسات ثورة المعلومات والاتصالات في المجال السياسي خاصة.
يرجع فهمنا لانكشافات واستشرافات بن علوي لأننا كنا نترقب تطورات داخلية معينة كحتمية متلازمة لطبيعة المرحلة الجديدة التي بدأت منذ عام 2011، تطورات من صناعة المجتمع وبالذات نخبه، أي ليست صناعة حكومية، وكذلك ترقبنا لتحولات في النظام السياسي العربي بعد أن عجز نظام المركزية في احتواء واستيعاب الانسان العربي داخل منطقته بل ووطنه، وذلك لحجمه الديموغرافي الكبير من جهة وكبره الجغرافي واتساعه من جهة ثانية، وربما علينا هنا أن نضيف بعدا آخر ومهما جدا، وهو تنوعه المذهبي من جهة ثالثة، وبسبب عدم هذا الاحتواء والاستيعاب، انهارت بعض الأنظمة العربية التقليدية، وأصبح يمس هذا الانهيار الدول نفسها خاصة الكبيرة ،، ديموغرافيا وجغرافية ،، أصبحت السيناريوهات تتحدث عن تفكك دول اقليمية كبرى، وربط الداخل بالخارج، والعكس، جدال لا يزال مستمرا وبصيغ مختلفة، الذي يهمنا هنا، الرؤى والمرئيات التي حددها معالي يوسف بن علوي في لقائه السنوي مع إدارة جمعية الصحفيين، وسنتناول في مقال اليوم نمو التيارات السياسية في بلادنا وموقف السلطة منها، على أن نخصص مقالنا المقبل لشكل الدولة الاقليمية الجديد الذي يستشرفه معاليه انطلاقا من نجاحه في اليمن، فبن علوي قد كشف بصورة علنية وبشفافية وصراحة وإن كانت مقتضبة عن تطور يهز الوعي عامة، ليس في وقوعه، فبلادنا تقع في محيط اقليمي وكوني غير معزول وغير منعزل ولابد أن يؤثر ويتأثر، وإنما الهزة تكمن في الكشف عنه سياسيا وبمبادرة من معاليه نفسه، وهذا الحدث الأبرز الذي يغطي على الحدث المكتشف، وهو نمو التيارات السياسية، فقد نقل عن معاليه عبر بعض صحفنا المحلية بما فيها الحكومية ،،أن هناك نموا لبعض التيارات السياسية في الدولة وإن كانت قليلة ،، وكلنا نعرف طبيعة (التيارات) السياسية القديمة، ونعرف عددها وحجمها، وتستوقفنا في عبارة معاليه مفردتان هما ،، نمو وقليلة،، والنمو نفهمه في السياقات الدلالية بأنه معطوف على التيارات السياسية القديمة، والقليلة دلالتها واضحة، وهى تشير الى البعض وليس الكل قد نشط على الساحة، وكل من يتابع شأننا الداخلي ويحلله برؤية سياسية تاريخية، سوف يخرج منها بأن تبني مفردة،، قليلة ،، كانت عملية توصيفية وتفسيرية موضوعية تحسب لصالح شفافية وصراحة معاليه أي ليست سياسية لدواعي التقليل من هذا التطور السياسي، من هنا، فإن هناك مجموعة أسئلة تطرحها النهضة العمانية في مرحلتها السياسية الراهنة، وهى تشكل أهم التحديات التي سوف تواجه البلاد في مرور نهضتها (44) عاما ، أبرزها: كيف سنتعامل مع نمو التيارات السياسية ؟ وهل بعضها يتعارض مع مواد دستورية وقانونية؟ وفي حالة التعارض فما هو الحل ؟ بمعنى كيف سوف يتم التوفيق بين مواجهة إكراهات قوية كنمو التيارات السياسية وبين التعارض الدستوري والقانوني؟ وقوة هذا الاكراه يكمن في ماهية المرحلة العربية التي تعيشها بلادنا عبر الابواب المفتوحة والمنفتحة في ظل انتقال العواصم العربية من ربيع فاعله الشعوب الى ربيع تحاول التيارات السياسية العربية أن تكون البديل الفاعل فيه، ومن بين اسئلة النهضة البارزة كذلك ، تلك التي تبحث عن الاسباب العميقة التي توفر لهذه التيارات شروط النمو وربما التوسع مستقبلا؟ وهل ينظر معاليه لهذا النمو بأنه طبيعي الآن ؟ وهل يتقاطع معه الخارج أم هو شأن داخلي خالص ؟ وما هى استشرافات معاليه لهذا النمو ؟ بمعنى ماذا بعد هذا النمو ؟ وإذا كانت انكشافات بن علوي تشكل مفاجأة للبعض، فهل كانت النهضة تتوقع أن تظل التيارات السياسية القديمة في غياهب الماضي بعد الانفتاح الكوني ؟ وهل تتوقع عدم تناغم النخب العمانية مع الخارج تجاذبا ومن ثم انتماء؟ تلكم أبرز اسئلة النهضة المعاصرة التي ينبغي أن تطرح في ضوء اعتراف معاليه علانية بنمو التيارات السياسية في بلادنا، وكنا نتمنى من المحاورين أن يفكوا غموض ذلك الانكشاف السياسي بدلا من تمريره غامضا ومبهما، غير أنهم يبدو أنهم لم يتحرروا من أدائهم المهني التقليدي، فمعاليه لو اراد أن يظل ذلك سريا، لما كشفه علانية، ولظل ذلك تحت الطاولة يعالج في حدوده الضيقة رغم أنه انكشاف لن يظل طويلا معتما سياسيا، فإثارته في هذا اللقاء المنقول صحفيا للرأي العام يعبر لنا عن توجهات الدولة في الكشف والتوضيح من جهة وعن شفافية وصراحة معاليه السياسية لكن لم تقابله جرأة صحفية مماثلة، لماذا؟ هل وراءه أداء مهني غالب عليه النمطية والتقليدية أم وراءه تعتيم حراس البوابات الذين مارسوا رقابة مسبقة على انكشاف واقعنا حتى لو كان مصدره قيادات بارزة؟ في العموم، يحسب لصالح معاليه هذه الصراحة والشفافية رغم قلقنا على كيفية ادارة النهضة لهذا التطور المهم، لأن هذه من بين كبرى الاكراهات التي ستواجهها النهضة خلال المرحلة المقبلة، لذلك أطلقنا على الأسئلة سالفة الذكر بأنها اسئلة النهضة المعاصرة سواء كانت التيارات السياسية اسلامية أو ليبيرالية أوعلمانية أو عقلانية أو يسارية.. الخ .
إذن، الى اين نسير؟ وكيف ينبغي أن يكون المصير؟ وهنا نجد أنفسنا مرة أخرى امام استشرافات ابن علوي المستقبلية لتحديد ملامح السير لعلنا نقترب من ماهية المصير، فبلادنا فعلا مقبلة على تغييرات حدد معالي يوسف بن علوي إطارها الزمني بعشر سنوات فقط، وذلك عندما توقع بروز زعامات متنوعة من جيل التواصل الاجتماعي سوف تغير التوازن، وهذا يعكس لنا الثراء الفكري الذي تصطبغ به النهضة العمانية، وبكل تأكيد، فلن يكون الجيل المقبل ولا زعاماته دون انتماءات سياسية، من هنا سوف ينكشف لنا مستقبل مشهدنا السياسي إذا ما ربطنا ماهيات الجيل المقبل وقيادته بنمو التيارات السياسية الآن ، إذن ، بلادنا تسير نحو التغيير .. فكيف نديره منذ الآن ؟ هناك جزء ثان من هذا المقال.

إلى الأعلى