الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / صناعة المؤامرات أم ثقافة الاستراتيجيات

صناعة المؤامرات أم ثقافة الاستراتيجيات

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. يكشف لنا الدكتور إسماعيل صبري مقلد في كتابه ((الإستراتيجية الدولية، المفاهيم والحقائق الأساسية)) عن بعض خصائص الفكر الإستراتيجي، فيرى بأن:” النظريات الإستراتيجية تعددت وتعقدت إلى الحد الذي أصبحت معه مزيجا متداخلا من الآراء والتصورات لكل منها مقوماته ومبرراته، ومن أمثلة هذه النظريات نظرية الحروب الإستراتيجية العامة،”
ــــــــــــــــــ

يبدو أن العديد من النظريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية قد بدأت تتغير وتتطور بشكل ملفت للنظر، بحيث لم يعد التفكير الاستراتيجي للأمم والشعوب مقتصرا على بناء الحاضر من أجل صناعة المستقبل فقط ، بل بات في أغلبه قائما على العكس من ذلك، فهم يعدون للمستقبل بشكل مسبق من أجل ترسيخ الحاضر وتقوية شوكته وبنائه ، أي أننا نصنع المستقبل في الحاضر من اجل حاضر واعد، وليس بناء الحاضر من اجل مستقبل واعد.
وهو ما قامت عليه خطط واستراتيجيات العديد من الدول والشعوب الناضجة سياسيا، خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين على وجه التحديد، وان كانت تلك النظريات والإستراتيجيات قد عرفت من السابق لدى العديد من الأمم القديمة كالآشوريين واليونان والرومان والفرس على سبيل المثال، تلك الدول والإمبراطوريات التي تنبهت الى فكرة صناعة المستقبل والإعداد له حتى قبل أن يكون ، أي أن نضع إستراتيجية معينة او خطة مستقبلية في الحاضر، وذلك بهدف الحصول على غاية معينة في المستقبل، يراد من ورائها تمكين تلك الدولة او الإمبراطورية او الأمة من هدف ما.
وقبل أن نجنح بعيدا في سرد تفاصيل هذا التطور التاريخي في نظريات واستراتيجيات صناعة المستقبل، لابد أولا من معرفة وتوصيف المعنى اللغوي لكلمة التفكير الاستراتيجي، فالخطط الإستراتيجية هي الخطط طويلة المدى، وهي على عكس التكتيك في الاصطلاح العسكري، والذي يعني الخطة المؤقتة او السريعة او قصيرة المدى، وقد تنبهت دول كثيرة الى مثل هذا النوع من التفكير الاستراتيجي القائم على إعداد وتجهيز المستقبل على طاولة الحاضر.
وبالطبع فقد انقسمت تلك الخطط الإستراتيجية الى قسمين، احدها كان للتطوير والبناء، والآخر للتدمير والهدم، وفي كلتا الحالتين يعتبر ذلك تفكيرا ايجابيا لدى المخطط والمفكر الاستراتيجي، حيث اعتبر الهدم والتدمير في كثير من الحالات، ومن خلال إشعال الحروب المستقبلية نوعا من الخطط الإستراتيجية الايجابية، وذلك لتمهيد الطريق أمام أمم جديدة قوية، او لتسهيل ظهورها، او بهدف إزاحة أخرى ضعيفة من أمامها.
( فعندما تختل الموازين وتتغير العلاقات، فإن موازين قوى جديدة تنتصب وأوضاعا جديدة تتشكل ومصالح تتوزع، ولفهم هذه الصيرورة لابد من العودة لمفهوم الحرب لمعرفة مدى مساهمة عامل القوة في حسم الصراعات بين مختلف الجماعات البشرية عبر العصور المتطاولة ، ثم لابد كذلك من أن ندرك ونعي أن مفهوم الحرب، عرف تطورا كبيرا ودخل في منظومة المعرفة الإستراتيجية أو الفكر الاستراتيجي، الذي يحدد الطريقة التي تصاغ بها السياسة الرشيدة، وأيضا كيف تستخدم الدولة قوتها العسكرية لتحقيق أهدافها ، وفي هذا الصدد يرى أكبر فلاسفة الحرب في العصر الحديث، وهو “كارل فون كلاوزفتز بأن الإستراتيجية هي فن إعداد المعارك ووضع الخطط العامة للحرب، لأن الحرب هي فن استخدام القوة للوصول إلى أهداف سياسية).
ونحن هنا بالطبع لن نتناول الجانب المشرق في مثل هذا النوع من التفكير الاستراتيجي، فذلك الجانب معروف لدى الجميع، بل سنتناول الجانب المظلم منه، ذلك الجانب السوداوي الذي يعنى بصناعة الخطط الإستراتيجية القائمة على التدمير والهدم، كإشعال الحروب والمساهمة في الانقلابات والثورات وإسقاط الأمم والزج بها الى أتون الصراعات والفوضى والإرهاب، وفي حين يطلق عليه البعض هذا المسمى ـ أي مسمى التفكير الاستراتيجي ـ ينظر إليه آخرون على أنه نوع من المؤامرات، وهو في كل الحالات يهدف الى تغيير الواقع التاريخي الراهن وذلك من خلال خلق وضع جديد، او على اقل تقدير تغيير بعض منه.
ويكشف لنا الدكتور إسماعيل صبري مقلد في كتابه ((الإستراتيجية الدولية ، المفاهيم والحقائق الأساسية)) عن بعض خصائص الفكر الإستراتيجي، فيرى بأن:” النظريات الإستراتيجية تعددت وتعقدت إلى الحد الذي أصبحت معه مزيجا متداخلا من الآراء والتصورات لكل منها مقوماته ومبرراته، ومن أمثلة هذه النظريات نظرية الحروب الإستراتيجية العامة، والحروب التكتيكية الصغيرة ونظرية الردع ، ونظرية التصعيد ونظرية الحروب الوقائية وحروب الاستنزاف ونظرية الحروب الدعائية والحروب النفسية، ونظرية الصراع الممتد، ونظرية الاحتواء ونظرية توازن الرعب النووي ” وإن أهم ما يميز هذه المفاهيم أنها تعبر، عن حقيقة العلاقات الدولية السائدة ” ، في عالم اختلطت فيه مفاهيم الحرب مع مفاهيم السلام ، لتشكل بذلك مزيجا من الفوضى والصراعات في عالم نتصور انه يتجه كل لحظة من الزمن إلى مجهول مخيف ومرعب.
ولكن وللأسف، فانه وبالرغم من جل تلك الدلائل الواضحة، فإنه لا زالت الكثير من دول العالم، وعلى رأسها دول العالم الثالث بوجه عام والعربية على وجه الخصوص، غير قادرة على ممارسة ولعب واستيعاب هذا النوع من التفكير الاستراتيجي، ونحن هنا بالطبع لا نشير الى ألمطالبة بإعداد الخطط الإستراتيجية الهادفة الى التدمير والهدم، وذلك موازاة مع خطط الطرف الآخر، ولكن نشير الى المطالبة بإعداد الخطط الإستراتيجية الوقائية، في مختلف الجوانب الحياتية، بداية من السياسة الى الاقتصاد وليس انتهاء بالشؤون العسكرية، وذلك بهدف احتواء خطط الغرب والإمبراطوريات الساعية الى تدمير أوطاننا، والزج بها إلى عالم من الفوضى والعنف والإرهاب كما سبق وأشرنا.
كما انه وللأسف الشديد كذلك، لا زال العديد ممن يدعون بأنهم أصحاب التفكير العقلاني في المدرسة السياسية والواقعية، غير مقتنعين بوجود مثل هذا النوع من الخطط الإستراتيجية المشار إليها سابقا، وهم بالتالي يرون أن هذا النوع من التفكير الاستراتيجي الموجه، مجرد خيال في عقول مروجي هذه النظريات والفرضيات السياسية، لدرجة أن وصل بنا الحال في العديد من المواقف إلى درجة الصراع والمواجهة الأيديولوجية والسياسية.
وقد لعب الإعلام العالمي بوجه عام، وبعض الإعلام العربي بشكل خاص، دور الحاوي الذي مارس لعبة التفكير المزدوج في كثير من الأحيان، وذلك بطريقة عتمت وسخفت من مثل هذا النوع من الخطط والاستراتيجيات، او بالمفهوم الآخر المؤامرات الموجهة الى عالمنا الإسلامي والعربي على وجه التحديد، وهو ما شكل بدوره ذلك الحجاب الذي أعمى كثير من الأبصار، وأغشى العديد من الأفئدة عن النظر بعين الحقيقة الى الأمور والوقائع والأحداث، وخصوصا أن وسائل الإعلام قد باتت هي السيد المسيطر على عقول البشر وأفكارهم، والعامل الرئيسي في فرض رؤيتهم للأشياء.
(( والواقع أنَّ المؤامرات بقصد المكر بالخصوم والنيل منهم هي جزء من طبيعة البشر منذ أن عُهِدَ لهم وجود اجتماعي على الأرض، ولا يعني هذا أنّ المؤامرة تقف وراء كل تصرف أو كل حدث يقع في الدنيا، ولكنه من الخطأ تماما تجاهلها عند وجود دواع لها وشواهد عليها، وخاصة إذا ما تضافرت الأدلة معا مشيرة إليها كما هو الحال في كثير من الأحداث القائمة في عالمنا اليوم )).
وبالطبع فإن الكثير من تلك الوقائع والأحداث قد انكشفت للملأ ، ولو أن ذلك قد حدث بعد فوات الأوان ، ووقوع العديد من الضحايا الأبرياء ، وسقوط العديد من المجتمعات في هوة الفوضى والانحطاط والتدمير، وفضح البعض الآخر منها قبل وقوعه، وهنا نشير الى أن العديد من تلك المخططات الشيطانية والاستراتيجيات لا يدركها سوى المتمرس في استقراء أحداث التاريخ، والذي يعرف يقين المعرفة أن لا مكان للصدفة المحض فيما يحدث اليوم على الساحة الدولية من تحولات على الصعيدين السياسي والجيواستراتيجي.
أي انه لا يمكن أن نرجع تلك التطورات الاستثنائية في البناء الدولي، إلى دورة التاريخ الطبيعية الناتجة عن التسلسل الزمني للأحداث، وبمعنى آخر، أنه من السذاجة أن تعزى بعض تلك الأحداث التي غيرت مجرى التاريخ إلى أسباب طبيعية او سياسية او اقتصادية او اجتماعية بشكل بحت، دون توجيه أصابع الاتهام إلى أيد بشرية قصدت وقوع ذلك الحدث، وسعت إليه بقصد الحصول على نتيجة معينة من وراء وقوعه ، والدليل على ذلك هو التاريخ نفسه الذي يثبت لنا ذلك كل يوم.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، لا يمكن أن نثبت بالدليل القاطع أن وقوع انقلاب او ثورة ما في أي بقعة من العالم، هو نتاج أيديولوجي طبيعي ناتج عن تحولات فكرية او اجتماعية كالقهر او الظلم او الاستبداد، او سياسي نتيجة رغبة الطبقة السياسية او الثقافية الناضجة لتغيير الوضع الراهن في ذلك البلد، وان كنا بالطبع كذلك لا يمكن أن نثبت أن ذلك غير ممكن مطلقا، ولكن الحقائق والصور القادمة لنا من كل أنحاء الأرض تثبت جملة وتفصيلا أن جل تلك الانقلابات قد حدثت نتيجة تدخلات خارجية.
كما أن هناك من الأحداث العالمية والانقلابات التاريخية والظواهر السياسية، ما لا يمكن أن يصدق العقل الواعي أنها حدثت نتيجة الصدفة او التشكل من دورة التاريخ واستمرارية الأحداث، دون تدخل بشري قصد من ورائه تغير الخارطة التاريخية الراهنة، او قلبها او تغير دورتها الطبيعية وذلك بقصد الحصول على نتيجة ما من وراء ذلك الانهيار المقصود في دورة التاريخ السياسي، كأحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي بدورها قد أنتجت العديد من الامتدادات الايديوبوليتيكية، كنظرية مكافحة الإرهاب وغيرها من التوابع التي تشكلت من وراء ذلك الحدث العالمي الهائل، كما أننا نتذكر الحدث الآخر، ونقصد سقوط وانهيار الاتحاد السوفيتي، والذي اثبت التاريخ بان ذلك الحدث قد كان جزءا من مؤامرة كبيرة أريد من ورائها تغيير خارطة العالم بأسره، وغيرها الكثير مما تعجز الصفحات عن ذكره والإحاطة به.
ومن الأمثلة الحاضرة على تلك المخططات الدولية التي أريد بها تدمير حاضر أمتينا الإسلامية والعربية، هو ما أصاب الوطن العراقي العظيم في وقت من الأوقات على سبيل المثال لا الحصر، فبعد تكشف الحقائق ( حول تلفيق الأدلة حول امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل ، وهو ما أصبح يعرف الآن بعراق جيت، ووصول المسألة الى حد الفضيحة، بل وبعد عدة سنوات من الاحتلال الاميركى للعراق وعدم العثور على شئ بهذا الصدد، فانه يحق لأنصار نظرية المؤامرة أن يقولوا ـ وكلهم ثقة ـ أن نظريتهم صحيحة مائة في المائة، وان كل حديثهم السابق عن تعرض المنطقة لمؤامرة تم الاتفاق عليها سلفا، هو حديث صحيح تماما، وفى الحقيقة فإن كل أحداث المنطقة منذ الغزو الاستعماري ومروراً بإقامة إسرائيل ثم الممارسات الأميركية المستمرة لا يمكن تفسيرها بغير نظرية المؤامرة، أما ما يمكن أن نختلف عليه فهو حول نوع المؤامرة وهل هي مؤامرة إستراتيجية أم تكتيكية أم هما معاً، ولكن لم يعد من الممكن تفسير الأحداث بغير تلك النظرية حتى لو اعترض على ذلك دعاة ما يسمى بالعقلانية ـ وهى انهزامية وليست عقلانية ـ فمن العقلانية أن نصف الأشياء بأوصافها الحقيقية دون تزويق او تجميل).
وأخيرا فإنه قد آن الأوان لإعادة هيكلة التفكير الاستراتيجي العربي، وذلك بهدف بناء مستقبل يأخذ في الاعتبار ما يمكن أن يواجهه من تحديات وعوائق مستقبلية، وفي مختلف جوانبه ونواحيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية و..الخ، وذلك بهدف استيعاب المخططات الغربية والصهيونية الهادفة الى زعزعة استقرار أمتينا الإسلامية والعربية، وإلا فإن القادم سيكون أكثر سوداوية ومأساوية مما هو عليه حاضر واقعنا الإسلامي والعربي في هذه الأيام.

إلى الأعلى