الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / البشير مُتهمًا
البشير مُتهمًا

البشير مُتهمًا

جودة مرسي:
في لقطات بثها التليفزيون السوداني ونقلتها وسائل الإعلام العالمية، ظهر الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، يوم الاثنين الماضي، وهو في ظل حراسة مشددة لدخوله قاعة المحكمة لحضور أولى جلسات محاكمته، وما أن دخل قفص الاتهام حتى بدا مبتسمًا ولوح للحضور، وكأن خاطره ينبه الجميع بأنه كان رئيس السودان حتى 11 إبريل الماضي، ظنا منه بأن هيبته الرئاسية ستظل موجودة حتى وإن كان داخل قفص الاتهام.
وفي داخل الجلسة قال المحقق القضائي للمحكمة، إن البشير أبلغهم أنه حصل على 25 مليون دولار من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لإنفاقها على “تبرعات وهدايا للفقراء”، وأنه سبق وتلقى 35 مليون دولار من العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبدالعزيز ، ومليون دولار من ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد لأسباب مماثلة” حسب وكالات الأنباء.
وسرد المحقق أن أموال التبرعات التي تلقاها من المسؤولين الخليجيين لم يتم تضمينها في ميزانية الدولة، وكان يجب أن يتم إنفاقها على التبرعات والهدايا والخدمات الصحية والتعليمية”، وتتحول توجهات محاكمة البشير صوب الحيازة غير القانونية للعملات الأجنبية كجزء من اتهامات الفساد التي يحاكم بسببها.
التنظيم الشكلي لمحاكمة الرئيس السوداني السابق عمر البشير ربما يرضي غالبية الشعب السوداني، لكن هناك لغط وحيرة في الأوساط الشعبية من جوهر المحاكمة، فالبشير الذي حكم السودان لمدة 30 عامًا لا يمكن أن تكون الاتهامات الموجهة إليه هي حيازة عملات أجنبية، لأن ذلك يثير حفيظة وامتعاض الأجهزة الرقابية والمالية في الدولة، وفي نفس الوقت حجم المبالغ المتلقاة لا تتناسب أبدًا مع طول فترة وجوده في سدة الحكم أو مع حجم الانفاق اليومي للدولة السودانية.
أضف إلى ذلك أن البشير هو من اعترف بذلك ولم ينكر، وبالتأكيد لديه من الأسانيد والدفوع القانونية ما يثبت براءته، وأنه قام بإنفاق الأموال في المجالات المخصصة لها، وهو ما ينفي التهمة ويبرىء ذمة الرجل المالية.
أنا لست جهة اختصاص كي أكيل الاتهامات بدون سند قانوني لسياسي عرب حكم بلاده فترة طويلة، كما أنني لست مخولاً للدفاع عنه وعن نظامه؛ لكني أعتقد أن الشعب السوداني الذي خرج ضد البشير وطالب بتنحيه عن السلطة لم يكن ضمن مطالبه التحقق من حيازته للعملات الأجنبية، لأنه من المنطقي جداً أن يكون لديه رصيد كبير من العملات الأجنبية سواء حيازة شخصية أو في حساباته البنكية، كما أن خروج الشعب لم يكن للشكوى من سوء عملية إنفاق التبرعات الخليجية التي تلقاها الرئيس السابق، لأنهم لم يكونوا على دراية كاملة بالمنح والتبرعات والهدايا التي تمنحها الدول العربية لشقيقتها السودان.
المجلس العسكري في السودان لم يكن تحركه ضد البشير بسبب فساد مالي أو سوء توفيق في توجيه النفقات؛ لكن العسكر استجابوا للرغبة الشعبية في الإطاحة به بسبب سوء الأوضاع المعيشية، وتدني المستوى الاقتصادي، وفساد الحياة السياسية، وتآكل السلام المجتمعي بين الطبقات المختلفة، فرأي المجلس العسكري أن مستقبل البلاد يستوجب تغيير نظام الحكم حفاظاً على السودان.
أعتقد أن عملية محاكمة البشير لا ترضي طموحات وآمال الشعب السوداني، كما أن الرمزية التي هيمنت على البشير في محاكمته، والثقة التي تحلى بها سببت غضبًا شعبياً، فالمثالية الثورية التي طالبوا بها تقتضي أن يحاكم البشير ونظامه محاكمة عادلة دون تحيز أو إجحاف على حقوقه، وأن تكفل سلطة 11 إبريل العدل للجميع أثناء المحاكمة، لكن لا يمكن أن يكون البشير المتهم هو البشير الرئيس لسبب جوهري وهو أنه لم يصبح رئيسًا بالفعل منذ 11 إبريل الماضي.
وكأن الصورة التي تتواجد في الذاكرة ومازالت محفورة بقوة بأن الزعيم المخلوع كان على هوى الحاكم الحالي ومازالت له سطوته يجب أن يعامل كونه رجل دولة مازال في السلطة وينقص المشهد النظارة والسرير المرضى ليكتمل المشهد المعتاد، حمى الله شعوبنا العربية من كيد المحاكمات، ومن مقولة عودوا إلى أماكنكم.

إلى الأعلى