الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أيام في القاهرة

أيام في القاهرة

د.احمد مصطفى

قضيت بضعة أسابيع في العاصمة المصرية القاهرة كانت فرصة لاكتشاف الكثير عما يجري في هذا البلد العربي المركزي وما شهده من تغيرات في السنوات الأخيرة منذ بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة للميلاد. طبعا الملاحظة الرئيسية هي خاصية للمصريين منذ آلاف السنين، أي منذ سلطة الفرعون كحاكم دنيوي أرضي وإله سماوي: الشكوى. فالمواطنون يشكون من الغلاء وصعوبة العيش، والسلطة تشكو من عدم استجابة الشعب. طبعا لاشك أن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تتبعه الحكومة منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد السلطة قبل ست سنوات شكل ضغطا هائلا، ليس فقط على محدودي الدخل بل أساسا على الطبقة المتوسطة حتى شرائحها الأعلى. تلمس ذلك بوضوح في غلاء الأسعار التي تتجاوز أحيانا متوسط الأسعار العالمية للسلع والخدمات وكذلك في محولات تقليل الترهل البيروقراطي بتسريح العاملين في القطاع الحكومي وعدم كفاية فرص العملي في القطاعات الأخرى لاستيعاب فائض القوى العاملة.
صحيح أن الأرقام الكلية للاقتصاد المصري في تحسن دائم وبشكل مطرد، لكن المواطن العادي لا يشعر بأثر ذلك ولا يعرف حتى متى يمكن أن ينعكس هذا على حياته اليومية بشكل ايجابي. كما أن هناك مشروعات عملاقة تنفذ في مصر، وبوتيرة أسرع مما كان في سنوات الرواج الاقتصادي السابقة، لكن أيضا لا تلقى المشروعات سوى التندر من قبل المواطنين – حتى لو كانوا مستفيدين مباشرين منها – الذين يئنون تحت وطأة تكاليف المعيشة. وللأسف وصل الحال في البلد إلى وضع جعل السلطة غير قادرة على تقديم ايجابياتها للناس بالطريقة التي تكفل دعمهم لها والتفافهم حولها. فقد مصر ميزتين أساسيتين في التواصل بين السلطة والناس: الإعلام والبرلمان. نعم، هناك برلمان منتخب في مصر لكنه في الواقع غير ملموس التأثير. فإذا أخذنا دوره الدستوري، وهو مراقبة شعبية للسلطة التنفيذية، فهذا أمر خارج المناقشة منذ بداية التجربة البرلمانية الحديثة في مصر. لكن على الأقل كان للبرلمان دور في الاتجاه الآخر: تواصل السلطة مع الناس الذين يمثلهم النواب. وهذا مفقود تماما في البرلمان الحالي.
أما الإعلام، فحدث ولا حرج وقد اعترف الرئيس السيسي نفسه بذلك في مؤتمر الشباب الأخير. والحقيقة أن الإعلام في مصر يعاني ترهلا واهتراء منذ عقود، وتحديدا النصف الثاني من حكم الرئيس الراحل أنور السادات. لكن إعلام الرأي كان موجودا، إلى جانب قدر يسير من الإعلام الإخباري والاستقصائي حتى قضت وسائل التواصل على ذلك تماما، ليس لقوتها فحسب ولكن لضعف المهنية والقدرات للإعلام المصري التي ظلت تتدهور ككل شيء في البلد في العقود الأربعة الأخيرة. حتى محاولة الدولة السيطرة الكاملة على وسائل الإعلام لم تجد نفعا معها في توصيل رسالتها للناس، بل على العكس ربما أتت بنتائج عكسية. وبالطبع لم يكن “إعلام رجال الأعمال” الذي ساد في عقود حكم الرئيس السابق حسني مبارك مهنيا كثيرا وبالتالي ذهب بسرعة كما يذهب الزبد، ولم يبق شيئا ينفع الناس – لأنه لم يكن هناك أصلا.
ربما كان الملمح الرئيسي للمشروعات التي تمس حياة الناس مباشرة هو شبكة الطرق الجديدة في أنحاء مصر ومشروعات التعمير لمناطق ساحلية وصحراوية وأيضا استزراع الصحراء. ورغم أهمية تلك المشروعات على المدى الطويل إلا أنني لاحظت شيئا مهما جدا وهو أنها تأتي على حساب المراكز السكانية التقليدية، وربما تحديدا أكثر القاهرة والاسكندرية. وكأنما السلطة تريد أن تنجز بسرعة فتبدأ (على الزيرو) بدلا من الغرق في اصلاح القديم الذي يتكلف أكثر وقد لا تكون نتائجه جيدة بقدر العمل “على نضيف” كما يقول المصريون. لكن النتيجة للأسف هي أن التردي والإهمال يتعاظم في القديم، حتى يكاد ينهار على رؤوس قاطنيه. ربما لا يمكن لوم السلطة الحالية على هذا الحال الذي تعاني منه مراكز مصر السكانية الرئيسية وقد بدأ من قبل العقدين الأخيرين من القرن الماضي ، وربما أيضا تكون الجدوى الاستثمارية في المشروعات خراج تلك التجمعات أفضل من الاستثمار في بنيتها التحتية وخدماتها. لكن ذلك لا يلغي شكوى الملايين من سكانها لها ما يبررها.
وإذا كان مقصودا، أو غير مقصود، دفع السكان لإعمار تلك المناطق الجديدة وتخفيف الضغط على مساحة الدلتا والشريط الضيق المحازي لنهر النيل فلا توجد دلائل على أن الناس مستعدة لهذا التغيير. كما أن سكان تلك المراكز التقليدية هم من الطبقات الوسطى والدنيا، وتكلفة المراكز السكانية الجديدة في الساحل والصحراء أكبر كثيرا من قدرتهم على تحملها. وليس المقصود هنا الوسط القديم لتلك المدن الرئيسية، بل حتى تلك الأحياء الجديدة في محيطها التي اعتبرت في وقت ما “بلادا أخرى يسكنها الأغنياء فقط” تعاني أيضا من زحف الإهمال والتردي ولن يمضي وقت طويل حتى تصبح مثل أحياء القاهرة أو الاسكندرية القديمة المهترئة. صحيح أن بعض الجهد يبذل هنا أو هناك في تلك التجمعات القديمة، لكنه يضيع وسط التردي الهائل المحيط به. ولم يكن غريبا أن أجد سيارات والدراجات بلا لوحات تجوب شوارع القاهرة ولا يوقفها أحد، رغم انتشار الشرطة ومحاولتها استعادة هيبتها وهيبة الدولة. لكن المشكلة أن الناس ليست مقتنعة بأن تغييرا حدث أو يحدث.

إلى الأعلى