الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / حركة القومية العربية

حركة القومية العربية

خميس بن عبيد القطيطي

.. بداية” قد لا يمكن تحديد تاريخ دقيق لبداية حركة القومية العربية، والحركة القومية العربية المقصودة هنا تشمل أي حراك مادي أو معنوي في هذا الاتجاه، فاعتزاز الشعراء العرب بعروبتهم في العصر الجاهلي يمثل أحد نماذج القومية العربية، كون العروبة واللغة هما الوعاء الذي يصب فيها أولئك الشعراء نتاجهم الأدبي عندما يمجدون هذه الحالة الجامعة، وهكذا توالت الحركة القومية العربية في ظل الإسلام الذي جمع كل الشعوب والقوميات في إطار أشمل وأكثر اتساعا، وبقيت نواة انطلاق هذا الدين الحنيف من أرض الجزيرة العربية ثم توسع في باقي الأقطار العربية وغير العربية، وبما أن دين الاسلام الحنيف جاء بلغة القرآن الكريم فكانت اللغة العربية تمثل أهم أدوات الاسلام، ولذلك فقد تعلمها المسلمون من غير العرب، وأصبح ارتباطهم بالعربية من خلال ارتباطهم بالإسلام، ولقد تشرف العرب باستيعاب هذه الرسالة السماوية ونقلها إلى الأمم والشعوب الأخرى، فاستمر تمجيد العربية والاعتزاز بها كلغة استمدت مزيدا من الشرف والتمجيد بنزول القرآن بها وهي لغة القرآن ولغة أهل الجنة وهي محفوظة لم ولن تعتريها عوامل الزمن وقد تعهد المولى عز وجل بحفظ القرآن الكريم ولذلك فلغة القرآن محفوظة إلى يوم الدين .
وبلا شك أن هذه الحالة (العربية) الجامعة كانت جديرة بالاعتزاز وإعلاء شأنها والحفاظ على روحها الحية المتجددة، فالتزمت الأمة تجاهها وتفاخرت بها باعتبارها حالة إنسانية جامعة وفكرة موحدة للأمة بكل أطيافها ومذاهبها وأديانها كونها تجمع في جغرافيتها كل من يرتبط بهذه اللغة الجامعة، لذا فإن جميع المسلمين مرتبطون بالعربية كلغة وبالتالي فهم مرتبطون بالقومية العربية، فأصبحت هوية المسلمين من غير العرب ترتبط بالهوية العربية من حيث اللغة والأحداث، أما القومية من الناحية العرقية فهي تنسب كل طائفة بشرية إلى اثنيتها، ولذلك قد تجد العرقيات التي دخلت الاسلام ارتبطت بالقومية العربية نظرا لارتباطها باللغة التي ينتسب إليها كافة المسلمين في بقاع الارض بل إن الرابط المعنوي الاسلامي يعزز هذه الرابطة اللغوية، وهذا التداخل المشروع بين القومية العربية والدين الاسلامي هو تداخل إيجابي محض، فلا يمكن لأي قومية عرقية أخرى تدعي الارتباط بهذا الدين وحمل أمانة رسالته أن تسيء إلى هذه اللغة العربية وإلا فإنها تمارس خداعا كبيرا غلبت فيه قوميتها العرقية على ارتباطها الاسلامي، وللأسف هذا ماحدث في بعض فترات الدولة العثمانية التي نادت بالتتريك وإلغاء اللغة العربية مما يعتبر سقطة تاريخية كبرى للدولة العثمانية ولن ندخل في تلك التفاصيل، فاللغة العربية بقيت محفوظة بحمد الله كما حفظ القرآن الكريم.
أغلب الدول الإسلامية التي جاءت فيما بعد الخلافة الراشدة كانت تنطلق من إطار عربي لذلك توسعت العربية بفضل انتشار الاسلام وخصوصا في قارتي آسيا وأفريقيا، وعودا على بدء فيما يتعلق بتسلسل نشوء الحركة القومية العربية وصولا الى أواخر القرن التاسع عشر حيث تبلورت فكرة القومية العربية من خلال بعض النخب العربية وخصوصا بعد إفشال دولة محمد علي باشا ومواجهة القوى الأوروبية له وانكفاء هذه الدولة في حدود مصر وحدها، كما كان أبرز مظاهر القومية العربية إعلان الجمعية العربية الفتاة في باريس عام 1891م من قبل مجموعة من الطلبة برز همهم العروبي في مواجهة الدولة العثمانية بل إن المطالب العربية في تلك الآونة كانت تنحصر في توسيع استخدام اللغة العربية في التعليم والإدارات المحلية واقتصار عمل المجندين العرب في خدمات محلية وقت السلم، ولكن هذه المطالب توسعت بعد حملة التتريك التي قادتها حكومة الاتحاد والترقي، ثم تزايدت حركة القومية العربية في أواخر أيام العثمانية مع حملة القمع التي مارستها الجمعيات السرية والإعدامات التي نفذها جمال باشا في دمشق وبيروت ضد الوطنيين العرب عامي 1915/1916م مما يدلل على أن الاحداث فرضت نفسها بقوة على حركة القومية العربية فقد جاءت الحركة كمشروع للوحدة العربية ونهضة الأمة ومواجهة الاستعمار والعمل على تحرير البلاد العربية.
وفي هذا السياق لا يمكن أن نتجاوز الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين شريف مكة والحجاز عام 1916م أملا في قيام دولة الوحدة العربية في الجزيرة العربية والشام، ولكن هذه الثورة العربية طعنت من قبل بريطانيا وفرنسا من خلال مؤامرة سايكس بيكو، وكذلك كان وعد بلفور يمثل أحد الطعنات الغادرة بالأمة العربية من قبل القوى الاستعمارية وذلك استكمالا لتاريخ الحملات الصليبية، كل هذه الأحداث ساعدت في بروز وهج القومية العربية من خلال العمل المسلح فبرزت ثورات النضال العربي من أجل التحرير وبرز بعض المفكرين من دعاة القومية العربية في تلك المرحلة، لذلك مثلت مرحلة أواخر القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن العشرين مرحلة الوهج القومي العربي، وسنكتفي بهذا القدر لنستكمل الحديث عن الحركة القومية العربية ما بعد ثورة الضباط الأحرار في مصر 23 يوليو 1952م ومدى ترسخ الفكرة القومية العربية من خلال الناصرية والبعث العربي، والأحداث والمحطات القومية وتجارب الوحدة العربية والصراع مع الكيان الصهيوني أيضا، وسنتطرق الى التشويه والاستهداف الذي نال هذه الفكرة القومية العربية ومدى ملاءمتها للمستقبل.

إلى الأعلى