الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / فراسة ياسر عرفات

فراسة ياسر عرفات

علي بدوان

تمر السبت القادم (24 أغسطس)، ذكرى ميلاد الرجل الذي ملأ الساحة الفلسطينية فعلاً وضجيجاً، ميلاد الرئيس الراحل ياسر عرفات (أبو عمار). فمهما اختلف أحد من القوى والفصائل، وحتى الشخصيات الوطنية الوازنة مع ياسر عرفات في مراحل العمل الوطني الفلسطيني الممتدة منذ العام 1965 وحتى رحيله، إلاّ أنه كان عند الجميع محور التوازن، القادر على إدارة المعادلة الفلسطينية وضبطها، خاصة في الفترات العصيبة التي أدت في وقتٍ معين، وتحديداً منذ منتصف العام 1983 لوقوع الإنشقاق الكبير في حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، وامتد حتى اندلاع الانتفاضة الكبرى الأولى نهاية العام 1987، وهو الإنشقاق الذي لم يكن بعيداً عن المعادلة الإقليمية وتأثيراتها في البيت الفلسطيني.
وقد حدا بالعديد من قادة الفصائل الفلسطينية، وحتى المحسوبة الآن على قوى المعارضة الفلسطينية، أن خاطب ياسر عرفات وفي مهرجاناتٍ جماهيرية، ومؤتمراتٍ وطنية بعبارة واضحة وصريحة : “نختلف معك ولانختلف عليك”. تلك الحالة من التوازن كانت سمة من سمات الرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي كان يتمتع بقدرة عالية على تدوير الزوايا، في وضعٍ فلسطيني حرج، تتداخل فيه كل التقاطعات، في ثورة نصف شعبها تحت الاحتلال، والنصف الآخر في الشتات بدول الطوق المحيطة بفلسطين، في بلدانٍ وأنظمةٍ وسياساتٍ مختلفةٍ، بل ومتضاربة على الأغلب تجاه الموضوع المتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية ووجودها العسكري فوق أراضيها.
في تلك الوقائع الفلسطينية، الساخنة، والصاخبة، التي رافقت الثورة والحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، والمِحن التي مرّت بها، كان الرئيس الراحل ياسر عرفات يتمتع بفطنة، وبدرجة عالية من الفراسةِ أيضاً، مهارات الفراسةِ التي لا تورّث بل يتم اكتسابها، وتنطلق من تقدير شكل الإنسان، وعلمه، وثقافته، وكفاءاته، وبالتالي في إظهار شخصيته. إنها السمة التي جعلت منه يستخدم تقديراته في الاستدلال بالخلق الظاهر على الخلق الباطن، فكانت فراسته تدفعه لانتقاء كل رجلٍ لمهامٍ معينة بعينها في إطار مؤسسات العمل الفلسطيني، وفي تحديد الطواقم المحيطة به.
وهكذا، كان اختيار الرئيس الراحل ياسر عرفات (أبو عمار)، لرجالٍ دون غيرهم في مهماتٍ مُحددة، منذ اللحظة الأولى التي يتعرّف أو يلتقط بها كادرٍ جديد في صفوف حركة فتح أو أي من الفصائل الفلسطينية، وخاصة اليساريةِ منها. ولنا في هذا السياق أكثر من من مثالٍ ساطع على اختيارات وتوظيفات الرئيس الراحل ياسر عرفات بغض النظر عن مدى صوابيتها من عدمه. ولعل في تحديد المحاورين مع الغرب مثال على هذا الأمر من نبيل شعث إلى الشهيد عز الدين القلق والشهيد نعيم خضر والشهيد عصام السرطاوي وغيرهم. كما الناطقين الإعلاميين مع وسائل اعلام الغرب دون غيرها. فضلاً عن الشهيد علي حسن سلامة (أبو حسن سلامة) ضابط الاتصال مع الجهات الغربية…
ولنا في مثال احتضان أبو عمار للواء محمود حمدان (أبو عدوي) المثال الساطع إبان المرحلة اللبنانية في العمل الفلسطيني، عندما التقط مواهبه، وامكانياته، كشابٍ مندفع، يتمتع بشخصية عسكرية صاعدة، فوظفها أبو عمار باتجاه تحويله لرجلٍ يلتقط الإشارة فوراً، ويتواءم في مواقفه معه، في الإجتماعات التي كان أبو عمار (يريد) أو لا (يريد) لها أن تخرج بنتائج معينة لأسباب سياسية في لحظة ما، وقد أصبح اللواء محمود حمدان (أبو عدوي) في فتراتٍ معينة “ضابط المهام الخاصة” ذات الطابع السياسي في المجلس العسكري الفلسطيني الأعلى أثناء اجتماعاته الدورية، عند الرئيس الراحل ياسر عرفات (ابو عمار). وكذا الحال مع الشهيد اللواء أحمد مفرج (أبو حميد) الذي عمل لسنواتٍ طويلةٍ كضابط ارتباط بين منظمة التحرير الفلسطينية والقوات الدولية جنوب لبنان إبان المرحلة اللبنانية من العمل العسكري الفلسطيني قبل العام 1982.
فراسة الرئيس الراحل ياسر عرفات، جعلت منه يستقطب كفاءات مُتعددة المواهب كطاقم عمل سياسي، وعسكري، ولوجستي، محيطه به، ومن كل الفصائل الفلسطينية قبل حركة فتح، وخاصة اليسارية منها كما أسلفنا أعلاه، ومن تلك الكفاءات : المثقف، والشاعر، والأديب، والمحاور، والسياسي رفيع المستوى، والمحنك، ونظيف الكفين، والمخلص، والمتقلب، والمزاجي، واليساري، والمتطرف، والمشاكس، وحتى البلطجي … الخ، بحيث يَصب الجميع في أداء سياسات ومواقف عملية كان يراها الرئيس ياسر عرفات (أبو عمار) ضرورية في لحظاتٍ معينة من مسيرة المقاومة الفلسطينية. واستذكر هنا ماكتبه الشاعر الراحل محمود درويش عن حصار الرئيس ياسر عرفات في طرابلس لبنان أواخر العام 1983، في افتتاحية مجلة شؤون فلسطينية، فكانت تلك الافتتاحية كــ “مديح الظل العالي لياسر عرفات”.
إن تلك الفراسة التي كان يتمتع بها الرئيس الراحل ياسر عرفات، يعتقد البعض في الساحة الفلسطينية، بأنها “زادت عن حدها”، وأنها غيّبِت المؤسسات الوطنية الجامعة، وهذا مثلب من مثالبها، بالرغم من الضرورات التي املتها ظروف الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، التي عاشت عمرها الطويل ومازالت بين الطارق والسماء.
فراسة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وانتقائه للكادر للمرحلة التالية بعد الخروج الفلسطيني المسلح من بيروت، وانتهاء تلك الحقبة من العمل الوطني الفلسطيني، لم تعفه من النقد القاسي من قبل بعض القوى الفلسطينية، ومن داخل حركة فتح، لقاء انتقائه حالاتٍ معينة، خاصة بعد مسيرة التسوية، ومآلاتها التي وصلت اليها بعد سنواتٍ طويلة من انطلاقتها عبر مؤتمر مدريد في سبتمبر 1991. رحل أبو عمار، وفي ذكرى ميلاده، نستذكره، فقد أشاد مداميك الصعود الفلسطيني، وأعاد للقضية الفلسطينية وهجها بعد أن نامت لسنواتٍ طويلة داخل أدراج الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الى حين إنطلاقة الثورة الفلسطينية فجر الأول من يناير 1965.

إلى الأعلى