الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أميركا ومخاطر سباق التسلح الجديد
أميركا ومخاطر سباق التسلح الجديد

أميركا ومخاطر سباق التسلح الجديد

يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يريد أن يترك منصبه دون ترك بصمة على المسار العالمي، تعيده لأجواء الحرب الباردة من جديد، فالرجل فشلت نظريته في إدارة أكبر دولة في العالم في تحقيق أهدافها المرجوة، لأن إدارة دولة تختلف عن إدارة الشركات، وما ينفع في ذلك قد لا يجدي نفعا في هذه، فالدولة ليست شركة، ودولة بحجم ومكانة الولايات المتحدة لا يمكن بأي حال أن تتعامل مع الملفات الحساسة في السياسة الخارجية فقط من منطلق المكسب والخسارة، لأن هناك أمورا لا تقاس بمال، فالدول العظمى على مدار التاريخ تبذل الكثير من التضحيات البشرية والمادية من أجل أن تحافظ على نفوذها، ذلك النفوذ الذي يعود عليها في النهاية بالعديد من المكاسب الاقتصادية، أما أن يتم التخلي عن مناطق النفوذ لصالح قوى أخرى، ويتم رفض تقديم دعم مادي أو حتى معنوي، فتلك كارثة في إدارة السياسة الخارجية لأي دولة حتى ولو كانت متوسطة أو محدودة القوة، وهذا في الغالب ما تسبب في فشل ترامب في سياسته الخارجية، ومن هنا يأتي إصرار الرجل على ألا يترك منصبه قبل أن يجر العالم لسباق تسلح نووي دونما أي اعتبار لتأثيرات ذلك السلبية على الأمن والاستقرار العالمي.
فبعد الخروج من الاتفاق النووي مع إيران والذي يعاني المجتمع الدولي وشركاء الولايات المتحدة على وجه الخصوص تبعاته حتى الآن، والذي تسبب في توتر الأجواء في منطقة الخليج، ويكاد يدخلها في أتون حرب غير مدروسة مع الجانب الإيراني، قام الرئيس ترامب كذلك بإنهاء معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى المبرمة خلال الحرب الباردة، وأعلن عزم واشنطن الإسراع في عملية تطوير صواريخ أرض جو جديدة.
وبالفعل نجحت الولايات المتحدة في اختبار صاروخ كروز أطلقته من البر، ما أثار حفيظة روسيا والصين اللتين اتهمتا واشنطن بإذكاء التوتر العسكري وجر المجتمع الدولي إلي سباق تسلح جديد، ولم تكتفِ الإدارة الأميركية بذلك، بل وعبر وزير الدفاع الأميركي “مارك إسبر” عن تأييده نشر صواريخ متوسطة المدى تطلق من البر في جنوب آسيا، وهو ما ردت عليه روسيا باختبار صاروخي من إحدى المنصات البحرية في البحر الأبيض، بل وأعلن الكرملين أن روسيا تتقدم بكثير على الولايات المتحدة فيما يتعلق بتطوير أسلحة نووية جديدة.
ويأتي كل هذا على غير رغبة حلف شمال الأطلسي الذي يخشى من تأثيرات هذا السباق على الاستقرار العالمي، خصوصا وأنه يأتي في وقت يعاني فيه العالم من أزمات اقتصادية خانقة، وتوترات غير مسبوقة في العديد من المناطق خصوصا منطقة الشرق الأوسط التي تعاني قلاقل واضطرابات وحروبا، تجعل العديد من دول العالم تخشى من أن يجر ذلك المجتمع الدولي لحرب عالمية رابعة.
وما ينذر بالخطر الشديد ذلك التوتر القائم الآن ما بين واشنطن وبكين، إذ تشير استراتيجية الدفاع الوطني الصادرة من البنتاجون منتصف عام 2018 بوضوح إلى الصين على أنها “منافس استراتيجي يسعى لتحديث قواته المسلحة لضمان سيطرته الإقليمية على المحيط الهادي وجنوب آسيا، ومقارعة نفوذ الولايات المتحدة العالمي”، واعتبار الولايات المتحدة الصين منافسا قويا، وهو ما من شأنه أن يزيد من حدة التوترات بين الجانبين في المستقبل المنظور.
وقد وصل سباق التسلح ما بين الولايات المتحدة وروسيا والصين إلى الشرق الأوسط، حيث أعلنت إيران مؤخرا عن منظومة “باور 373″ الصاروخية الجديدة للدفاع الجوي، التي يعتبرها الإيرانيون شبيهة بمنظومة “إس 300″ الروسية، وذلك في خضم خلافها مع واشنطن والتحشيد الدولي ضدها في مضيق هرمز.
وفي ظل التوترات العالمية قد تدخل دول أخرى على خط السباق، وبشكل قد يكون من الصعب وضع حد له مثلما هو الحال في الأزمة التي يشهدها المجتمع الدولي بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران، لذا ما لم يتم وضع حد مبكر لهذا السباق، فإن العالم سيكون على موعد مع نتائج كارثية في المستقبل، من شأنها أن تؤثر على أمنه واستقراره وتدخله في أتون صراعات لا نهاية لها قد تقوده إلى حرب عالمية جديدة.

د.أسامة نورالدين
كاتب وباحث علاقات دولية
Onour95@gmail.com

إلى الأعلى