الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : أجيالنا ومفردة المستقبل بين الهواجس والطموحات

في العمق : أجيالنا ومفردة المستقبل بين الهواجس والطموحات

د. رجب بن علي العويسي

تطرح الحالة الاستهلاكية التي تعيشها أجيال اليوم، وما يثار حول مدى تحقق مفاهيم المسؤولية والجاهزية والاعتماد على النفس والصبر والتحمل، في مقابل ما يحلو البعض أن يصف به هذا الجيل ـ وإن كنا شخصيا نعتقد بأن تعميم ذلك في غير محله، كما أنه نتاج لمبررات عديدة ترجع بالأساس إلى جيل الكبار أنفسهم وقصور الفهم حول مسار الرعاية والاحتواء الذي يستحقه أجيال اليوم، وما إذا كان الكبار يمارسون دور التربية الفعلي بشروطها ومعاييرها ومساراتها ونواتجها التي تتجه إلى الاستدامة في الفعل وقوة التأثير، أم دور الرعاية الوقتية بتوفير المستلزمات اليومية والاحتياجات الشخصية ـ وما يفرضه ذلك من تحديات حول استحقاقات هذا الجيل، في ظل الاتساع المعرفي ودور التقنية والمنصات التواصلية الإعلامية والأجهزة الذكية والتقنيات ثلاثية الأبعاد، وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي والإنسان الآلي وغيرها كثير، كونها أدوات تمثل عالمهم وتبرز خصوصية زمانهم؛ وفي المقابل ما ارتبط بهذه القناعة من تأثير سلبي في بنية هذا الجيل وقناعاته الفكرية حول نفسه، والممكنات المتوافرة لديه، وقدرته على التحكم في كل هذه المعطيات، هذا الأمر يأتي في ظل سيطرة مجتمع الكبار على متعلقات هذا الجيل، أولوياته وطموحاته، أفكاره وهواجسه، متغيراته وأحداثه، فرصه وبدائله، حتى انعكست على نظرة مجتمع الكبار له وتصوراته الشخصية حوله، فهو في نظر الكبار القاصر، جيل اعتمادي استهلاكي، ينتظر من الآخرين الجزاء، لتصل لقمة العيش إلى جوفه بسهولة ويسر ودون عناء أو تكلف، يسير مع التيار أينما اتجه وسار، مسلوب الإرادة واستقلالية التفكير، أو امتلاكه فرصة استلام زمام المسؤولية، ولعل هذا الانطباع والصورة العاكسة السلبية نحو هذا الجيل أنستنا الحقيقة المرة التي يجب أن يعترف بها مجتمع الكبار وهي: أن نتائج هذا السلوك إنما صنعته أيادي الكبار ذاتها، حينما جرد هذا الجيل من مسؤولياته، لذلك نخطئ كثيرا عندما نتهم هذا الجيل بأنهم اتكاليون مستهلكون سلبيون مقلدون، مستكبرين على النعمة إن لم تُعط لهم في الوقت، فنحن نأخذه إلى مكان دراسته، وننتظره في ردهة الباب خوفا وقلقا عليه، بل ظلت الأعين تلاحقه وتنتظره خشية أن يغيب فترة أو يختفي بغتة.
ومع ما ذكرنا من معطيات تبقى مؤشرات المستقبل كفيلة بإعادة تصحيح هذا المسار، والحاجة إلى تمكين الأجيال من القيام بدور أكثر فاعلية لضمان قدرتهم على العيش في مجتمع سريع التغير، فتصبح لهم الريادة، وامتلاك زمام القيادة، في مواجهة حالة الانتكاسة التي يعيشها واقع الكبار في بعض جوانب المتعلقة بالسياسة والإعلام ومستوى الحضور الأخلاقي والقيمي في رسم معالمها، على أن التحولات المعاصرة بحاجة إلى ذهن متفتح وعقل مفكر وصبر حثيث وعمل متواصل وجهد جهيد وروح منافسة ومسار واضح ونهج ديناميكي، وتعميق مسارات الابتكار والبحث والمنافسة والتقدم وغيرها، فالثورة الصناعية الرابعة تتطلب المزيد من الجهد والابتكارية والعبقرية في إدارة متطلبات الواقع والتعاطي مع مستجدات التطوير القادم، وهي مسؤولية تقع على عاتق الأجيال لأنهم المتضررون منها، والمعنيون بها ومن يعايش تفاصيلها، ويدرك أنشطتها وبرامجها، كما أن ما يتحدث به عالم اليوم من تحولات قادمة تشهدها السوق العالمية في ظل الحرب التجارية التي بدت ملامحها واضحة بين الولايات المتحدة والصين، تتطلب البحث عن سياسات اقتصادية حكيمة قادرة على مواجهة هذا التصعيد المؤثر سلبا على الحياة المعيشية وزيادة الأسعار والرسوم الجمركية وغيرها من الممارسات، وما لم يتم إعداد هذا الجيل ليكون أقرب إلى جيل المهنة والصناعة، ممتهنا ومنتجا لها ومؤثرا فيها، وقادرا على تحقيق الاكتفاء الذاتي الوطني، والتوسع في مجتمعات المهنة التي تؤسس لدور أكبر للقطاع الأهلي والخاص في المساهمة في الناتج المحلي، فإن اعتماده على النفط في ظل توقعات بانخفاض أسعاره، وما يصاحبها من اتجاهات السلوك الاجتماعي والعادات اليومية إلى تمجيد ثقافة الاستهلاك وعادات التسوق العشوائي، وتكريس ثقافة الانبهار والتقليد للغير في العلامات التجارية والتبضع والأعراس وغيرها؛ سوف تضع هذا الجيل أمام حالة استهلاكية مشينة، تفرض بدورها على الحكومات توفير العمل والتشغيل والوظيفة لهذه المخرجات ـ وهو أمر من الصعوبة التكهن باستمراريته ـ لذلك كان عليها أن تؤسس لمرحلة متقدمة في سياساتها التعليمية والتدريبية، باتجاهها إلى المسارات التخصصية الأكاديمية والفنية والمهنية، بحيث يتجه نظام التعليم المدرسي إلى التعمق في استكشاف مهارات الطلبة واهتماماتهم وتمكينهم من إبراز اتجاهاتهم بشكل عملي عبر ممارساتهم المهنية وتعاطيهم مع البرامج والمنصات التدريبية في صفوف الحلقتين الأولى والثانية، وأن توجه بعد الصف التاسع ـ أي في مرحلة التعليم ما بعد الأساسي ـ إلى تفريع التعليم إلى مسارات أكاديمية وفنية ومهنية وتقنية. وفي المقابل تأتي حالة النفوق الأخلاقي من موازين التعاملات الدولية، والانسحابات التي تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية ـ القوة الأكبر في العالم ـ من الاتفاقيات والعهود الدولية وسياسة السيطرة والاستعلاء التي تمارسها مع دول العالم النامي وتملصها من الالتزامات المتعلقة بالأمن والاستقرار في دول العالم الثالث له تأثيراته على مستقبل الأجيال القادمة والمفاهيم التي باتت تقرأ المشهد العالمي، ناهيك عن ما يفرضه نمط الرعاية الوالدية والأسرية وسلطة الوالدية والأسرة في ظل بعض القوانين والاتفاقيات التي باتت تخترق خصوصيات الشعوب حول المرأة والحريات واستقلالية الشباب الشخصية عن الأسرة وغيرها.
على أن قراءة واقع الممارسة المجتمعية تشير إلى وجود إخفاقات واضحة في إعداد هذا الجيل لظروف قويه وقاسية، وتجريب محاكاته للواقع بطريقة تفوق مسألة الرعاية السطحية التي لا تتجاوز توفير الرغبات والحاجات الاستهلاكية اليومية، مثل: الطعام والملبس والسكن الملائم، في حين أن تعاطي المجتمع مع الأبعاد الفكرية والنفسية والاجتماعية والسلوكية يتصف بالسطحية بعيدا عن مسار التربية الصحيحة والإعداد الاستراتيجي النوعي الذي يؤسس في الأجيال قيم المسؤولية والإرادة وبناء الذات والجاهزية والاستعداد، عبر ممكنات ينتج فيها واقعه، ويؤطر فيها ممارساته، ويصنع خلالها عالمه، ويبني فيها أحلامه، لقد تكفل المجتمع بكل شيء ظنا منه أنه بذلك يحافظ على حيوية هذا الجيل، ويُبقي اتصاله به قويا وحاجته إلينا أقوى فلا يتمرد على قوانينه ومنصات الضبط الاجتماعي التي ابتكرها المجتمع، ولا ينجرف وراء كل ناعق أو صاحب فكر غير معتدل، ولكن الحقيقة المرة التي نخجل منها (مجتمع الكبار) وقلما نعترف بها ونسأل أنفسنا عنها، هي أننا مخطؤون وحساباتنا لم تكن في محلها، متناسين بأن هناك عالما افتراضيا وفضاءً كونيا أصبح يفوقنا في احتواء هذا الجيل كلما ضيقنا الخناق عليه، وقللنا من مساحة الحوار والتواصل والوداد معه، لذلك كانت فرص خروجه من عباءة الأمومة وجلباب الأبوة سهلا، بل وإنكاره لما قدمه جيل الكبار واضحا؛ فإن ما تحويه منصات التواصل الاجتماعي على ألسنة الشباب وهذا الجيل وفي صفحاته الإلكترونية من تذمر وشحن وامتعاض جزء من هذا القلق الذي يشعر به نحو مستقبله.
من هنا تؤسس هذه المعطيات لمرحلة جديدة في بناء هذا الجيل، وتقوية الممكنات العقدية والإيمانية والفكرية والمهارية والنفسية والمهنية لديهم في صناعة عالمهم، وبناء مسارات تقدمهم، وتحديد أولوياتهم وتحملهم أدوارهم ومسؤولياتهم في العمل والإنتاج والبحث، وانخراطهم في الصناعة والتجارة والمهنة والعمل المهني والفني والتقني والإداري، وتعوديهم على الخشونة وشظف العيش وقسوة الواقع، والتفكير الواعي في تبني الحلول الاستراتيجية وإعادة تقييمها ونقلها إلى حيز التطبيق، وأن تضع استراتيجيات التنمية والخطط الخمسية والتشغيلية للمؤسسات، في محاور عملها إعداد جيل الشباب لتحمل مسؤولياته وبناء ذاته وتقدير إنجازه وإنتاج بدائل واقعه وتصحيح مسارات الانحراف التي قد تحصل في ضعف ربط عمليات التطوير بأولوياته واحتياجاته، وتأسيسه على البحث والعمل والإنتاج والتفكير، وتوضيح صورة الشراكة المطلوبة وموقعه منها، وأن مسؤولية الدولة تقف عند حد إعداد هذا المواطن بتوفير التعليم والعلاج المناسب، وعليه أن يوظف ما أتاحته له من فرص في العمل والبحث والدخول في القطاع الخاص، وأن يتبنى ثقافة المشروعات الاحترافية وإدارتها، فيسوّق لنفسه، ويطور مهاراته، ويبني مساراته، ويصقل مواهبه، وأن يمتلك صدق الإرادة وشغف الإنجاز، فتتوافر لديه استعدادية التجريب والتضحية والمبادرة، والعمل التطوعي وتحمل مسؤوليته في إدارة شؤونه، والمحافظة على هويته، والعمق في فهم متطلبات واقعه، وأن يقرأ في عالمه مساحات الأمل والتفاؤل.
ومع القناعة بأن اتخاذ خطوات حاسمة في نقل هذا الطموح إلى واقع، وإكسابه صفة الفعل والممارسة الرصينة، يحتاج إلى المزيد من الوقت والجهد وتكاتف الجهود وتناغم الاهتمامات وتكامل التوجهات وتقاسم المسؤوليات؛ فإنه يستدعي أيضا إعادة هندسة جذرية للبناء الفكري والديني والعاطفي والتربوي للأجيال وتوفير منظومة حياتية مؤطرة قادرة على تحقيق هذه الأولويات، وبناء هذه المسارات، تأخذ في الحسبان تفهم المجتمع لدوره، وفهمه لطبيعة التعامل مع فلسفة إعداد جيل قادر على الاعتماد على النفس والاستعداد لتحمل تبعات الواقع وأحداثه، ويتفاعل مع مستجداته بروح قوية وإرادة نافذه، فهو بحاجة إلى إعادة طريقة تحقيق هذه الطموحات في مسارات التعليم وأهدافه ومناهجه وأنشطته وبرامجه وبيئاته وأولوياته، وآلياتنا في التربية وطريقتنا في الرعاية الأبوية ونظرتنا لدور الأبناء في الحياة، عبر إعدادهم إعدادا نوعيا يوفر لهم الحماية والقوة والجاهزية، ويمنحهم مسارات بناء الشخصية والثقة في النفس وتحمل المسؤولية والتعلم من المواقف وإدارة الأحداث بطريقة صحيحة؛ زاد لهم يقيهم عثرة الأيام، ويؤسس فيهم إنتاج الحلول للواقع، ويضمن استمراريتهم في الاتجاه الصحيح، المعينة لهم في مستقبلهم وحياتهم القادمة، والخيط الممتد أثره الذي يفوق ما تقدمه لهم من رعاية وقتيه؛ وبالتالي إعادة قراءة الفكر والنظريات الاقتصادية والتربوية المعنية بتوجيه الأجيال وتنمية مداركهم وترقيه مهاراتهم وتحملهم مسؤولياتهم، وفي طريقة المجتمع مع الأبناء وثقتنا فيهم وفِي إدارة قضاياهم واستقلالية تفكيرهم، فإن الدفع بالأجيال اليوم إلى استقراء مستقبلهم في ظل استفادتهم من بعض أحداث الواقع، ضرورة لا تقبل التأجيل، وسلوك يعبر عن الشعور الإيجابي بما تحمله هذه الفئة في مستقبل الأوطان.
لقد أشرنا في مقالات سابقة، ومنها مقالنا: “أجيال ملهمة في زمن السقطات” إلى وجود ارتباط بين الحالة الاستهلاكية التي يعيشها الأجيال، وحالة الاستنزاف للثروات والموارد والفكر التي تعيشها الأمة ويتصدرها واقعنا العربي المؤلم، وهو واقع يرسم حجم تأثير السقطات التي وقعنا فيها، في فكرنا وإعلامنا وقناعاتنا وسياساتنا ومفهومنا للآخر، حتى أسقطناها في حياة الأجيال، فظلمناهم بها، وسوّغنا لأنفسنا صحة ما نفعل بتبريراتنا السطحية، وقناعاتنا التي باتت تعكس تفكيرنا السلبي وقيمنا الرجعية، حتى أوقعنا أنفسنا في البحث عن قشور الممارسات، والاهتمام بشكليات الأشياء في حياتهم دون جوهرها، ووضعناها مبررات لأحكامنا المتسرعة عليهم، ولكننا في حقيقة الأمر، نسينا أو تناسينا بأن ما يحصل من مفارقات في سلوك الأجيال، ندفع ثمنه اليوم، فكنا السبب في دخولهم في هذا النفق المظلم ـ إن صح التعبيرـ لن تنسى الأجيال ما فعلناه بها، وأوقعناه فيها من مآسٍ، أو تسببنا به من خيانات في حق أوطاننا ومبادئنا وأماناتنا، أو أضللنا به عقولهم فأبعدناهم عن الأولويات، واخترنا لهم سلوك اللامسؤوليات، بحجة عدم الثقة، أو أنهم غير مؤهلين لصناعة التحول، لندرك حقيقة أننا أصحاب اليد في رسم خريطة النفوق التي نتحدث عنها في قيم الشباب وأخلاقه، والأفكار السلبية التي بنيناها لهم عن ذاتهم وعالمهم وهويتهم وانتمائهم وولائهم وموقعهم من المنظومة العالمية، فيما مارسناه في الواقع من هشاشة القيم، وضياع الثقة، وقلة احترامنا لبعضنا، وتعدينا على خصوصيات غيرنا، وضعف مصداقيتنا وثباتنا على المبدأ، حتى انعدمت لدينا قيمة مشترك الدم والقربى والجوار، والدين واللغة والتاريخ. أليس لهذه السقطات تأثيرها السلبي في واقع أجيالنا، لنطلب منها الصلاح والإصلاح ـ مع أنهم فاعلون ذلك ـ محققينه بمحض إرادتهم، مترجما في مواقفهم المشرّفة، وبروزهم المشرق في عالم النجاحات التضحيات؛ في حين أننا ما زلنا نعيش أزمة ثقة بيننا، وأحاديث الإعلام والصحافة التي وجهناها للنيل من أعراضنا وأخلاقنا، وأغرقنا بها أوطاننا في الحروب والفتن، حتى كادت أن تنمحي آثار نجاحاتنا، وما سطّره سلفنا على مدى التاريخ، وما امتلكناه من رصيد حضاري وقوة منافسة، كان لها موقع الريادة في العالم.

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى