السبت 7 ديسمبر 2019 م - ١٠ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الإرهاب الفردي .. أشباح بشرية يصعب رصدها ( 1)

الإرهاب الفردي .. أشباح بشرية يصعب رصدها ( 1)

محمد بن سعيد الفطيسي

تزايدت في الآونة الأخيرة الأعمال الإرهابية التي يشنها بعض الأفراد الذين لا ينتمون إلى أي تنظيم أو جماعة إرهابية، والذين يطلق عليهم تسمية الذئاب المنفردة وكذلك تسمية أخرى هي خلايا التماسيح أو حقل الألغام (2), والحقيقة أن هذا النوع من الإرهاب يعد من أخطر أشكال الأعمال الإرهابية في العصر الحديث لأن القائم به أشبه بالمرض الخبيث الذي لا تشعر به حتى يدمر جسدك، فالإرهابي المنفرد شخص من أفراد المجتمع، يعيش بينهم، لا تظهر عليه كثيرا الصفات الإرهابية أو السلوكيات التي يمكن أن يستنتج منها ذلك، فهو من جهة يعمل بطريقة فردية، وليس له ارتباط بأي تنظيم أو جماعة إرهابية، كما أنه ومن جهة أخرى يعتمد في تنفيذ جريمته الإرهابية على التمويل الذاتي، وهو في أغلب الأوقات يعيش في البلد المستهدف.
وما دفعني لكتابة هذا المقال وبعض المقالات السابقة ذات الارتباط هو الشعور بوجود العديد من التطورات النوعية على الظاهرة الإرهابية عموما كاستغلال النساء والأطفال والسجناء، ولتوسع العمليات الإرهابية الفردية وكثافتها خلال الفترة الأخيرة خصوصا، وآخر تلك الأعمال ما حدث في تونس على سبيل المثال لا الحصر بتاريخ الـ29 من أكتوبر 2018م حيث قامت امرأة بتفجير نفسها في شارع الحبيب بورقيبة الرئيسي، كذلك العمل الإرهابي في بداية الـ15 من مارس 2019م والذي أطلق عليه بهجوم كرايستشيرش في نيوزلندا، والذي قام به الإرهابي برينتون تارانت على مسجدين في نيوزلندا وقد أسفر عن مقتل 49 شخصا ووقوع 20 جريحا.
كل تلك الصفات جعلت من رصد الأعمال الإرهابية الفردية من قبل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية مسألة غاية في الصعوبة، بل وفي كثير من الأوقات أقرب إلى الاستحالة، (ففي كثير من الأحيان (3 ) لا تكون للشخص الذي يقوم بعملية فردية ويطلق عليه مصطلح “الذئب المنفرد” أو التمساح أية سوابق جنائية، بشكل يجعله غير معروف على نطاق واسع لدى الأجهزة الأمنية المختصة، وهو ما يسهل عليه التخطيط والتنفيذ للعملية دون أن تتمكن الأجهزة المختصة من منع العملية الإرهابية قبل وقوعها)(4 )
ووفقا لمحلل الإرهاب بروس هوفمان (فإن الاستراتيجية الجديدة لتنظيم القاعدة ( 5) تتمثل في تمكين الأفراد وتحفيزهم على ارتكاب أعمال عنف خارجة تماما عن أي سلسلة قيادية تنظيمية، ومن الواضح أن هناك اهتماما من أيديولوجي القاعدة لمحاولة سد الفجوة بين الطبيعة العشوائية للعمليات التي تنفذها الذئاب المنفردة والنظرة الجهادية العالمية في منابرهم الإعلامية)(6)
ومن هنا يتضح نجاح تلك التنظيمات الإرهابية في تبني تلك الأساليب النفسية الموجهة لبعض الفئات المجتمعية كالشباب أو المضطهدين والساخطين على الأنظمة على سبيل المثال لا الحصر، والتي يمكن استدراجها عاطفيا أو عبر التحريض، وهو ما تحقق بالفعل في العديد من الحالات التي قامت من خلالها الذئاب المنفردة بعملياتها في مختلف أرجاء العالم، خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتحديدا مع ظهور تنظيم داعش ( 7) في الفترة من 2014 ـ 2019م.
كما أن المتوقع خلال الفترة القادمة أن يكون هناك تحول نوعي في العمليات الإرهابية الفردية حيث سيستغل فيها التطور التكنولوجي وصغر مساحة العالم في ظل العولمة وتنامي شبكة المعلومات لضرب أهداف استراتيجية وحساسة عبر وسائل حديثة ومتطورة أو تم تطويرها كالطائرات المسيرة عن بعد وزيادة اللجوء للتطبيقات التكنولوجية المشفرة، أما بخصوص التحولات والمتغيرات على مستوى الاستراتيجيات المتعلقة بتطوير الفكر الإرهابي، فنجد على سبيل ووفقا لأحدث ما كشفت عنه العديد من أجهزة الاستخبارات الدولية أن بعض التنظيمات تعكف على إعداد ونشر ما يعرف بــ«خلايا التماسيح» و(الذي يعيد التذكير بالطبيعة المرنة والمتغيرة لظاهرة الإرهاب الدولي، التي يصعب الجزم بتراجعها أو انهيارها. وذلك لقدرتها على التبدل والتأقلم مع الضغوط والتهديدات) (8 )
إذًا وعبر هذا المقال نؤكد أن الجيل الخامس للإرهاب هو جيل الأعمال الإرهابية الفردية، والتي لا تقل أهميتها عن إرهاب العمليات الإرهابية المنظمة أو التي تقوم بها التنظيمات والجماعات الإرهابية، هذا إن لم تكن أخطر بالفعل، والذي يجب الاستعداد له من مختلف النواحي، خصوصا النواحي الاستخباراتية والأمنية والقانونية.
ولا شك كذلك في الأهمية البالغة للمكافحة الوقائية عبر برامج نفسية وثقافية متقدمة ومتابعة ورصد التحولات في بنية المجتمع الوطني، خصوصا فئة الشباب منهم، ولا شك كذلك من أهمية متابعة تلك المتغيرات والتحولات السكانية العامة، خصوصا من الناحية الجنائية على فئة الوافدين والمقيمين، حيث يتبين أن العديد من الجرائم التي تدخل في هذا السياق قد قام بها أفراد غير مواطنين، وهو موضوع غاية في الأهمية ويحتاج إلى تكثيف في الرقابة الأمنية والدراسات الأكاديمية المتخصصة.
ــــــــــــــــــــ
مراجع
1 ـ هذه المقالة هي مجموعة فقرات تمت معالجتها بتصرف من كتاب قادم سيصدر لنا بعون الله في معرض مسقط القادم للكتاب 2020 تحت عنوان: الجيل الخامس للإرهاب دراسة في التطورات المعاصرة لاستراتيجيات التنظيمات الإرهابية “الذئاب المنفردة انموذجا”
2 ـ انظر: نظرية حقل الألغام “الاستراتيجية القادمة للإرهاب”, صحيفة الوطن العمانية, تاريخ النشر 28/1/2019م على الرابط http://alwatan.com/details/312568
3 ـ لا نقول دائما بل أحيانا فقط . لأن بعض من قام بها بالفعل هم من مخرجات السجون وأصحاب السوابق الإجرامية
4 ـ مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة, كيف تختلف الذئاب المنفردة عن المجموعات الإرهابية؟ منشور بتاريخ 31 أغسطس, 2016م
5 ـ سنؤكد في الكتاب عدم ارتباط الإرهاب الفردي بالإسلام كما هو حال جميع أشكال الإرهاب, وكذلك عدم ارتباطه البنائي والتأسيسي بتنظيم القاعدة وداعش, وإنما يدور ارتباط هذه الأخيرة بهذا النوع من الإرهاب حول الاستغلال والتطوير فقط
6 ـ د . فالح فليحان الرويلي, استراتيجيات التنظيمات المتطرفة في التجنيد عبر الإنترنت “داعش نموذجا” جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية, العام 2018م
7 ـ ابتداءً من عام 2014، وتحت قيادة أبو بكر البغدادي، انتشر تنظيم داعش بشكل ملحوظ، وحصل على الدعم في العراق بسبب التمييز الاقتصادي والسياسي المزعوم ضد السنة العراقيين العرب، وتم لها وجود كبير في المحافظات السورية من الرقة وإدلب ودير الزور وحلب بعد الدخول في الحرب الأهلية.
8 ـ يسرا الشرقاوي, الطبيعة المرنة والتأقلم في الظاهرة الإرهابية, صحيفة عمان العمانية, تاريخ النشر 27/5/2019م تاريخ الدخول 10 /2019م

إلى الأعلى