الأحد 8 ديسمبر 2019 م - ١١ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخبرة في القرآن الكريم .. مفهومها ومواضعها (1)

الخبرة في القرآن الكريم .. مفهومها ومواضعها (1)

كثيرًا ما نجلس في مكان نسمع فيه أناسًا يتدخلون فيما لا يُحسنون، ويُفتُون بما لا يُتقنون، ويهرفون بما لا يعلمون، في وجود أهل الحل والعقد الذين يسكتون، ولا يَرُدُّون، وهناك مَنْ يتجرؤون حقًّا من غير ذوي التخصص، فيكتبون أو يقولون ما لا يدركون في أمور أكبر من مستواهم العلمي، وقد تكون أمورا دينية ذات تأثير في حياة الناس، وهنا تحدث الفتنةُ في المجتمع، ويَحار المتمسك بدينه ، الملتزم بتعاليم ربه سائلا عن صواب القول، ودقة الرأي في القضية محل الحديث، وقد حلَّلنا القرآن تلك المسألة، فأحالنا إلى ذوي الخبرة من أهل الحل والعقد في كل تخصصوجوبًا، وأقَرَّ بالخبرة، وسعة العلم، وعمق القراءة، والتبحر في التخصص، والتمهر فيه، وقد جاء كثير في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة إشارات وومضات وإضاءات حول الخبرة وأهلها وضرورة مراعاتها، والتوقف أمامها في أيِّ عمل، من ذلك مثلا قوله تعالى:(وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر ـ 14).
فالخبير له الكلمة الصائبة، والقول الفصل عند وقوع الخلاف، والتنازع في أمر ما، حيث يكون على علم تام، ودراية واسعة وإلمام موثق بالمسألة محل البحث.
والخبير المتقن، جاء في المعجم الوسيط: مادة:(خبر)، يقول:(خبر الشيءَ: عَلِمَهُ، وخَبُرَ الرجلُ: صار خبيراً، وتخبَّرَ الشيءَ: عَرَفَهُ على حقيقته، وفي حديث الحديبية: أنه بعث عَيْنًا من خزاعة يتخبِّر له خبر قريش) أيْ: يتعرف، والخبير كذلك هو: ذو الخبرة، الذي يَخْبُرُ الشئ، وفي التنزيل العزيز:(فاسأل به خبيراً)، وفي المثل:(على الخبير سقطتَ)، ويُعرَّف الخبير بأنه:(الشخص ذو الدراية العالية بموضوعات تهمُّ المجتمعَ، وله مِرَاسٌ، ودربةٌ فيها، ومكنة واسعة، وتمهُّر فيها، وتمرس متعدد، وقد مرَّت عليه أمثالها كثيراً، وعالجها علاجًا موفَّقاً من جميع الزوايا، واشتُهِرَ عنه حسنُ النظر، ودقةُ الرؤية، وسعة العلم فيما هو متخصص فيه، أو هو ذلك الشخص الذي له إلمام بموضوع فنيٍّ، أو علميٍّ، أو عملي ما، يستعين به الناسُ في جلِّ أمورهم التي تدخل في اختصاصه، ويُشير عليهم بما يعود عليهم بكامل النفع، وكبير الفائدة، ولا يدَّخر وُسْعًا في توضيح وبيان ما يُستشار فيه، ويضع تجربتَه وخبرته وحنكته كاملة بين يديْ مَنْ يستخبره ويطلب رأيه ومشورته.
وفي القول الكريم السالف:(الرحمن فاسأل به خبيراً) أيْ: اسأل عنه خبيراً، فحرف الجر الباء يأتي بمعنى عن تقول:(سألت به زيداً) أي: سألت عنه زيداً، فنحن نسأل عن الله ـ جل جلاله ـ كلَّ من يعرف أدلة وجوده، وطرائق التقرب منه، وخشيته والإذعان لعظمته، وأسباب رحمته وألوان طاعته، نسأل في أمور الاعتقاد السليم إذ لابد لنا من سؤال أهل الخبرة، الذين حفظوا، وقرؤوا، وتعمَّقوا، فـ(مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ)، ودينُنا لابد أن نأخذه عن الأتقياء العالمين بربهم، العارفين بمولاهم، الخبيرين بكلِّدليل: قطعيٍّ، وظني، المطَّلعين على النقل والسماع، وعلى كلِّ ما ورد صحيحًا في الكتاب، والسنة، ولديهم إلمامٌ كاملٌ بمقاصد الشرع، وأهداف الشريعة، ومواضع الاختلاف والردود عليها، ومَنْ يملكون آلية الجدال بالحق، وهم متمرِّسون بالنقاش الهادف، وموضوعية الحوار، وعدم التعصب، أو الإخلاد إلى العاطفة الجوفاء، والحقد المَقيت على من يخالفهم الرأي، ويناقضهم في الرؤية.
فالخبرة إذن، أو القدرة العلمية، أو المهارة الوظيفية، أو قدرة الملاحظة عند بعض الناسهي حقا تندرج تحت المعرفة ببواطن الأمور، ولكنْ بأسلوب فطري، عفوي، عميق، وفي الوقت نفسه تنطوي ـ من بين ما تنطوي عليه ـ على قراءة، وتبحُّر، واطلاع واسع في مجال مَّا من مجالات الحياة الإنسانية، وهي ـ كما يقولون ـ عادة يكتسب الإنسان فيها الخبرة من خلال المشاركة في عمل معين، أو حدث معين، تكرر فيه عمله، ونظره، وأعمل فيه عقله وفكره، وغالبًا ما يؤدِّي تكرار هذا العمل أو الحدث إلى تعميق هذه الخبرة، وإكسابها عمقًا أكبر، وعفوية أكبر، ونظرة أوسع حتى تصير ملكة يُشْتَهَرُ بها، ويَصْدُرُ عنها في كلِّ تصرفاته، ويُعرَفُ بها بين الناس؛ لذلك فهي تترافق – في رأينا – كلمة الخبرة هذه غالبا مع كلمة التجربة.
كما تترافق كذلك كلمة الخبرة بشكل خاصٍّ مع المعرفة الإجرائية، أيْ معرفة كيفية عمل شيء مَّا، وليس مجرد معرفة خَبَرِية نظرية، أيْ:(قولية) لذلك غالبا ما يصف الفلاسفة الخبرة على أنها معرفة تجريبية،أو معرفة بُعْدية تلبس بها الفكر بالتطبيق، كما يطلق لفظ الخبرة أيضا على ما يكتسبه المرء من التجارب الروحية الدينية (كالصوفية .. وغيرها من الملل والنحل).

د/جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى