الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / هل نباشر فصلاً جديداً من تاريخ الحرب؟

هل نباشر فصلاً جديداً من تاريخ الحرب؟

أ.د. محمد الدعمي

”يشعر الأميركان بشيء من “اللا جدوى” المرافق للحذر الشديد من التورط في مواجهة عسكرية على الأرض، ضد هذا النمط غير المسبوق من المحاربين، إذ يبدو أن “داعش” تقدم للولايات المتحدة نماذج مؤلمة من أسلوب “الصدمة والترويع” Shack and Awe، لتذيقها ما كانت قد أذاقته للعديد ممن تورط معها في مواجهات عسكرية لا مجدية.”
ــــــــــــــ
ربما انتهى عصر الحروب التقليدية لحظة اكتمال الغزو الأميركي للعراق. وللمرء أن يزعم ذلك بشيء من الثقة، وهو يقلب الطرف فيما يجري اليوم هنا وهناك عبر العالم، خاصة عبر إقليم الشرق الأوسط الملتهب. حتى تركيا التي عرفت بجبروتها العسكري وقدرتها على الحشد المسلح الذي تمكن من احتلال جزيرة قبرص بإنزال عسكري مهول من الجو خلال بضعة ايام في سبعينيات القرن الماضي، لم تعد مستعدة لدخول حروب من العيار الثقيل ومع عدو زئبقي كــ “داعش”، إذ دلت التجربة العالمية أن الحروب، بغض النظر عن شموليتها وإتساعها،لا تضع أوزارها على الجيل الذي يقاسي مآسيها، وإنما تضعها كذلك على عدد غير محدد من الأجيال التالية، بدليل ما يجري في العراق اليوم من تداعيات وفساد وتفكك اجتماعي. لذا فإن الحروب مكلفة للغاية ويعد تجنبها، وليس اصطناعها أو ركوبها لتحقيق مآرب مباشرة، كما فعل بسمارك ذلك لتحقيق الوحدة الألمانية، عين الحكمة وسداد الرأي. لذا، فإننا لا نبخل باحترام وتقدير صانعي السلام ومطفئي الحرائق من أمثال جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ حفظه الله.
والحق يقال، فإن للمرء أن يتفحص الموقف واللهجة التي تسوقها تركيا الرسمية بكل حذر بقدر تعلق الأمر بالضغوط الداخلية والخارجية في سبيل زج جيشها في حرب، من نوع “حرب العصابات” مع عدو سريع الحركة والتغير يعتمد تقنيات وأدوات “الكفاح المسلح”، وهو عدو لا يمكن هزيمته لأنه يمثل نمطاً مختلفاً من المحاربين ويقدم نوعاً جديداً من الارتطامات العسكرية لم تألفه المدرسة الحربية من ذي قبل: فلا رومل ولا مونتجمري، لا حروب فييتنام ولا الحروب الأهلية في دول إفريقيا أو أميركا اللاتينية كانت قد قدمت للأدبيات العسكرية هذا النمط من المواجهات الذي تفرضه “داعش” على دول الإقليم، والعالم كذلك، بدليل تيئيس حتى الأميركان والأوروبيين واضطرارهم للبحث عن خيارات مريرة سوى القصف الجوي.
لذا يشعر الأميركان بشيء من “اللا جدوى” المرافق للحذر الشديد من التورط في مواجهة عسكرية على الأرض، ضد هذا النمط غير المسبوق من المحاربين، إذ يبدو أن “داعش” تقدم للولايات المتحدة نماذج مؤلمة من أسلوب “الصدمة والترويع” Shack and Awe، لتذيقها ما كانت قد أذاقته للعديد ممن تورط معها في مواجهات عسكرية لا مجدية.
بيد أن الأهم في سياق جدلي أعلاه هو أن “واشنطن أوباما” ليست كـــ”واشنطن بوش”، ذلك أن الأولى، كما يبدو، قد قامت بحسابات الجدوى بدقة للتفكير في دخول الحروب لمساعدة الآخرين أو بالنيابة عنهم، فوجدت أن الخسائر تفوق الفوائد بكثير، خاصة بعد تجربة غزو العراق، كما نلاحظ ذلك اللحظة: فبدلاً من “العراق الأميركي”، كما أسماه الأستاذ حسن العلوي، نجد أمامنا عراقاً من نوع آخر، لا هو عراق لا أميركي ولا هو عراق عراقي، لأنه عراق بلا طعم ولا رائحة تميزه عن سواه من دول العالم، اللهم باستثناء روائح الأبخرة والدخان المتصاعدة من السيارات الملغمة بالعبوات المتفجرة، ومن حال “تدويل” العراق وإحالته إلى ساحة صراع دولي. وأغلب الظن أن “أميركا أوباما”، هي الأخرى، تبحث عمن يحارب نيابة عنها. وإذا كنا في منتصف سبعينيات القرن الزائل نزعم بأن “الحرب العالمية الثالثة” كانت جارية فعلاً بينها وبين الاتحاد السوفييتي السابق بواسطة أنظمة وكيلة في إفريقيا وأميركا اللاتينية وحتى في آسيا، فإن أميركا، أقوى دولة في العالم اليوم، تدرك جيداً الآثار الاقتصادية والنفسية المأساوية للحروب، وهي آثار سلبية عابرة للأجيال، يتوجب تجنبها، بينما يفضل تسليحك وتسليحي، أدوات للاحتواء المزدوج وأساليب لتحمل الآخرين، وليس أميركا، أعباء الارتطامات العسكرية. واشنطن تريد أن تدخل تركيا لمساعدة الأكراد السوريين ومن ثم العراقيين، بينما تدرك تركيا جيداً بأن مصالحها لا تكمن مع الرضوخ المتعامي لإرادة دولة تريد الآخرين الذهاب للحرب نيابة عنها.
ربما يستبق الأميركان اللحظة عصراً جديداً من الحروب، وهو عصر حروب الجيوش المرتزقة الذي يمكن أن يعيد توزيع الثروات بين الدول الغنية والفقيرة تأسيساً على طريقة “روبن هود”: خذ من الأغنياء واستأجر الفقراء!

إلى الأعلى