الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هيكل وناصر والسادات

هيكل وناصر والسادات

محمد عبد الصادق

”لم يكن يدري هيكل أن عبد الناصر يقود تنظيماً سريًّا يسعى للقيام بثورة وأن المعلومات التي أعطاها لناصر جعلته يعجل بموعد قيام الثورة، وفوجئ هيكل بعبد الناصر يستدعيه لمجلس قيادة الثورة ليلة 23 يوليو، ويكلفه بتوصيل طلبات الثوار لنجيب الهلالي رئيس وزراء مصر آنذاك والذي كانت تربطه علاقة قوية بهيكل”
ــــــــــــــــــــــــــــ
بمناسبة احتفال الأستاذ محمد حسنين هيكل بيوم ميلاده الحادي والتسعين؛ قضى منها سبعين عاماً في بلاط الصحافة، وأكثر من ستين عاماً في دهاليز الحكم والسياسة في مصر ما بعد ثورة يوليو، نحاول الاقتراب من عالم الأستاذ المليء بالأحداث والتحديات التي أثرت في تاريخ مصر الحديث، وقد لا يعلم الكثيرون أن علاقة محمد حسنين هيكل بثورة 23 يوليو وجمال عبد الناصر بدأت قبل قيام الثورة بسنوات وبالتحديد خلال حرب فلسطين 1948م عندما رفض وزير الحربية آنذاك حيدر باشا مرافقة الصحفيين للجيش الذاهب لجبهة القتال في فلسطين، والاكتفاء بالبيانات الصادرة عن إدارة الشؤون المعنوية، ولكن هيكل الصحفي النشيط كعادته سافر إلى الأردن بالطائرة ومن هناك استقل سيارة إلى القدس واتجه لبيت لحم ومنها إلى الخليل برفقة القوات التي كان يقودها البطل أحمد عبد العزيز، وشرع هيكل في تغطية أحداث حرب فلسطين وذات يوم كان هيكل متوجهاً من القدس إلى المجدل واستوقفته أنباء معركة دائرة بين كتيبة مصرية وعصابات اليهود انتهت بانسحاب وهزيمة اليهود بفضل شجاعة قائد الكتيبة الصاغ جمال عبد الناصر، وطلب هيكل من الضباط والجنود لقاء القائد المنتصر.
يقول هيكل عن هذا اللقاء: وجدت أمامي شاباً أسمر طويل القامة، افترش بطانية على الأرض، بدت آثار المعركة على وجهه، وكان يستعد للنوم، وعندما عرفه هيكل بنفسه كصحفي، لم يرحب به ناصر وأبدى غضبه مما تنشره الصحافة المصرية وطريقة معالجتها لحرب فلسطين؛ معترضاً على تحميل الجيش مسؤولية ضياع فلسطين وعجزه عن الوقوف في وجه اليهود ولم يرد هيكل على هذه الاتهامات واكتفى بالاستماع لعبد الناصر، وانصرف من هذا اللقاء الذي لم يستمر أكثر من ثلث ساعة ولديه يقين أن هذا الرجل سيكون له دور كبير في مستقبل مصر، فقد أدرك من حديثه أنه دارس للتاريخ والاستراتيجية، وملم بقضية فلسطين ويفهم في الأدب والشعر والثقافة وأن اهتماماته تتسع خارج حدود وظيفته العسكرية.
وبالمقابل علق اسم هيكل بذاكرة عبد الناصر بعدما تابع تحقيقاته الصحفية عقب عودته من الجبهة عن الأسلحة الفاسدة، وتحميله المسؤولية للسرايا والحكومة عن فشل الجيش المصري في حرب فلسطين، وأعجب ناصر بطريقة تحليل هيكل للأحداث وكم المعلومات الدقيقة والمصادر الموثوقة التي استعان بها هيكل في التحقيقات.
ويرجع الفضل لهيكل في اختيار الضباط الأحرار توقيت إعلان الثورة، ففي عام 1951 كتب هيكل سلسلة تحقيقات من دمشق عن الانقلابات التي شهدتها سوريا منذ انقلاب حسني الزعيم إلى انقلاب أديب الشيشكلي مروراً بانقلاب سامي الحناوي، وتأثر عبدالناصر بما كتبه هيكل وذهب لزيارته، وسأله عن تكوين من قاموا بالانقلابات وأهدافهم، وكيف يتصرفون، ورد فعل الجماهير السورية، وأمده هيكل بتفاصيل ما رآه في سوريا، دون أن يسأله عما يجول بخاطره، وعندما حدثت أزمة نادي الضباط بعد فوز القائمة التي رشحها الضباط الأحرار بقيادة محمد نجيب، التقى هيكل بعبد الناصر وقال له مستفزاً: إذا كان الجيش فشل في الدفاع بالقدر الكافي عن البلد، فعليه على الأقل أن يدافع عن نفسه وعن كرامته، ورد عبد الناصر: ما الذي يمكن أن يفعله الجيش؟ فأجابه هيكل: لا أدري .. إنما المهم بعد الذي فعله الملك (كان الملك ألغى نتائج انتخابات نادي الضباط وعين مجلس إدارة موالٍ له) لا بد أن يثأر الضباط لكرامتهم، رد عبد الناصر: هل تريد أن يقوم الضباط بانقلاب كالذي حدث في سوريا، فقال هيكل: الانقلاب سيؤدي بالبلد إلى كارثة، تجاهل ناصر إجابته وسأله هل تظن أن الإنجليز سيتدخلون لو تمت الإطاحة بالملك، رد عليه هيكل: الإنجليز لن يتدخلوا، وطلب منه عبد الناصر سرد التفاصيل، قال هيكل: الإنجليز ليس لديهم القوات الكافية للسيطرة على المدن المصرية، والسفير البريطاني في إجازة صيف، وقائد القوات البريطانية في إجازة خارج مصر، ويونيو ويوليو، شهري الإجازات والتدخل العسكري يحتاج لوقت.
لم يكن يدري هيكل أن عبد الناصر يقود تنظيماً سريًّا يسعى للقيام بثورة وأن المعلومات التي أعطاها لناصر جعلته يعجل بموعد قيام الثورة، وفوجئ هيكل بعبد الناصر يستدعيه لمجلس قيادة الثورة ليلة 23 يوليو، ويكلفه بتوصيل طلبات الثوار لنجيب الهلالي رئيس وزراء مصر آنذاك والذي كانت تربطه علاقة قوية بهيكل، وبعد نجاح الثورة نشأت علاقة قوية بين جمال عبد الناصر وهيكل أساسها الثقة والإعجاب والاحترام المتبادل، وعن هذه العلاقة التي استمرت 22سنة يقول هيكل: كنت قريباً من عبد الناصر وكانت بيننا صداقة وثقة، وكانت العلاقة من نوع متميز بين شخص يقود، وشخص إلى جانبه يتكلم ويفكر، وقد حرصت أن ابتعد عن المناصب والأوضاع الرسمية، وظللت متمسكا بالصحافة والكتابة، وفضلتهما عن أي منصب رسمي، حتى ألح عبد الناصر عليّ أن أتولى منصب وزير الإعلام في عام 1970م، واضطررت هذه المرة لقبول المنصب للظروف الصعبة التي كانت تمر بها البلد والعبء الكبير الملقى على كاهل عبد الناصر واحتياج مصر لإعلام يتسم بالدقة والتركيز يتولاه شخص محيط بالموقف الرسمي وبطبيعة التحركات، ويستطيع أن يعبر عنه دون الحاجة للرجوع للرئيس.
وعن علاقة هيكل بالسادات يرى البعض أنها بدأت بالتحالف وانتهت بالقطيعة، يقول هيكل: ظلت علاقتي طيبة بالسادات منذ التقيته في مجلس قيادة الثورة ليلة قيام الثورة، فالسادات هو من ألقى بيان الثورة في الإذاعة ليلة 23يوليو هذا البيان الذي شارك هيكل في صياغته، ويكمل هيكل: كان عبدالناصر يرسل لي السادات عندما تحدث خلافات بيني وبينه بسبب ما كنت أكتبه في الأهرام وكان السادات ودوداً معي وأميناً في نقل رسائل عبد الناصر ومخلصاً فيما أسداه لي من نصائح عن ضرورة الحذر من المحيطين بعبدالناصر، وبعد وفاة ناصر طلب مني السادات عقب توليه الحكم أن استمر في منصب وزير الإعلام وساق الأسباب نفسها التي سبق وقالها لي عبد الناصر لأنه كان على علم بها، واستمررت أؤدي دوري إلى جواره بإخلاص حتى حرب أكتوبر 1973م .
وبدأت القطيعة عندما رفض هيكل طريقة تعامل السادات مع انتصار اكتوبر سياسيًّا، وكان يرى أن السادات يعطي أميركا دوراً أكبر مما ينبغي، وانتهى الخلاف مع هيكل بقرار أصدره السادات في فبراير 1974م بنقل هيكل من رئاسة مجلس إدارة الأهرام للعمل مستشاراً للرئيس، وهو ما رفضه هيكل، وقال للصنداي تايمز: من حق السادات أن يقيلني من رئاسة الأهرام ولكن ليس من سلطاته أن يحدد لي أين أذهب.
وبلغ الصدام ذروته بين هيكل والسادات عندما قال السادات في سبتمبر 1981 إن هيكل لم يعد صحفيًّا بل تحول لسياسي، وعليه أن يترك الصحافة فليس من حقه كصحفي مناقشة القرار السياسي فتلك مسؤولية الرئاسة، وتم بعدها وضع هيكل في السجن ضمن اعتقالات طالت جميع المعارضين للسادات وكامب ديفيد، ورحل السادات بعدها بأيام في حادث المنصة، وحاكمه هيكل في كتاب “خريف الغضب” حيث حمله مسؤولية التعامل الخاطئ مع ملف الصراع العربي الإسرائيلي بعد حرب اكتوبر.
ولكن بعد مرور سنوات على رحيل السادات بدا أن هيكل يشعر بالامتنان بأثر رجعي لما قام به السادات من إرجاع سيناء، وبدت لهجة هيكل تجاه السادات متفهمة، واختفت نبرة العداء وبدا هيكل وهو في الثمانين والتسعين أكثر تفهما لمواقف الرجل الذي أطاح به من مملكته الصحفية في الأهرام.

إلى الأعلى