السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حجر داعش وعصافير عديدة

حجر داعش وعصافير عديدة

”كان لتعزيز الانقسام الشيعي/السني وتدهور أوضاع العراق ما بعد الاحتلال الأثر الأكبر في تهيئة مناخ موات لنمو المجموعات التي شكلت فيما بعد داعش. ثم جاءت الحرب في سوريا، وبداية الدمار فيها ـ مع تعزيز الانقسام على أساس أن إيران تدعم الحكم في دمشق كما في بغداد ـ لتحسن فرص نمو التنظيمات الإرهابية التكفيرية.”
ـــــــــــــــــــــــــ
تحقق الجماعات الإرهابية ، أهدافا تفوق توقعات من تعامل معها ومن استخدمها واستغلها لتحقيق غايات تخدم مصالحه. في الوقت نفسه يحقق التنظيم أهدافه للمتضررين منه أيضا وبشكل يفوق ما أنجزه تنظيم القاعدة ـ التنظيم الأم لما تسمى الجماعات الجهادية التكفيرية. بل وربما يحقق تنظيم الدولة، داعش، أكثر مما حقق عنف الجماعات المسلحة في الربع الأخير من القرن الماضي في مصر والجزائر، وما تلاه مما وصف بأنه “إرهاب إسلامي” عقب الهجوم على نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001. وبالتأكيد يتجاوز ما يحققه داعش إنجاز الجماعة الأم، التي تفرخت منها كل الجماعات المشابهة، وهي الإخوان المسلمين عبر ثلاثة أرباع القرن من نشاطها في مصر والمنطقة. ذلك ان تنظيم الدولة توفرت له ظروف لم تتوفر لسابقيه، سواء قطريا في سوريا والعراق أو اقليميا في منطقة شهدت هزات وتحولات أو عالميا في عالم لم يستقر بعد على أحادية القطبية الأميركية.
المفترض أن تنظيم القاعدة كان أقوى عددا وعدة بعد طرد الاحتلال السوفييتي من أفغانستان وسيطرة حركة طالبان على السلطة ـ وهي جزء من التشكيل الأوسع لجماعات الجهاد والعنف الديني. وقاد أسامة بن لادن ـ الذي تقول الولايات المتحدة إنها قتلته في غارة على مخبئه في باكستان ـ مجموعات من “الجهاديين” من مختلف الدول الإسلامية، لكن النواة الصلبة كانت من شباب الإخوان في مصر والجماعات المماثلة في شمال إفريقيا والخليج. شارك بعض هؤلاء المقاتلين في حروب البلقان ـ البوسنة ـ والقوقاز ـ الشيشان ـ وغيرها. وتشظى تنظيم القاعدة إلى “قواعد” في اليمن (شبه الجزيرة) وشمال غرب افريقيا (المغرب الاسلامي)، وجماعات كالشباب في الصومال وبوكو حرام في نيجيريا وغيرها من جماعات تبرز كل يوم بتسمية جديدة في الجزائر وتونس وليبيا ومصر وغيرها. لكن مقاتلي القاعدة في العراق (والذين عرف تنظيمهم باسم زعيمهم مطلع القرن أبو مصعب الزرقاوي) كان أداة جذب قوية لعناصر من مختلف الجهات، خاصة بعد غزو واحتلال العراق وتنصيب الاحتلال الاميركي/البريطاني لحكومة شيعية في بغداد.
كان لتعزيز الانقسام الشيعي/السني وتدهور أوضاع العراق ما بعد الاحتلال الأثر الأكبر في تهيئة مناخ موات لنمو المجموعات التي شكلت فيما بعد داعش. ثم جاءت الحرب في سوريا، وبداية الدمار فيها ـ مع تعزيز الانقسام على أساس أن إيران تدعم الحكم في دمشق كما في بغداد ـ لتحسن فرص نمو التنظيمات الإرهابية التكفيرية. وللأسف حظيت تلك الجماعات بالدعم من دول اعتبرت نفسها “مدافعة عن السنة” واخرى راغبة في اسقاط نظام الأسد وحكومة المالكي في العراق (تركيا في مقدمتها في إطار صراع نفوذ اقليمي مع إيران) بالتقاطع مع دعم معنوي من الإخوان الذين واتتهم الفرصة لحكم مصر لفترة فكانت الفرصة الأعظم لداعش. وتضخم “حجر” داعش والنصرة وغيرها مع تدهور الأوضاع في سوريا، ليجد جميع من ساهموا في صناعة الوحش أن خطره زاد ـ خاصة بعد سقوط مساحات واسعة من العراق في أيدي مقاتلي التنظيم وإعلانهم “دولة الخلافة” من الموصل.
وتعددت العصافير التي يمكن إصابتها بحجر داعش. فالأميركيون وحلفاؤهم “يكافحون الإرهاب” بقصفه، وفي الوقت نفسه يدفعونه للتوازن بين تركيا وإيران في سوريا والعراق. وتركيا ترى في داعش أداة لضرب احلام الكرد بالاستقلال إلى جانب أنه ورقة لتحقيق مكاسب في سوريا ضمن التحالف مع الأميركيين لموازنة نفوذ إيران. وإيران ترى في داعش فرصة لتكوين ميليشيات شيعية في العراق وحرف الحرب على النظام السوري نحو مكافحة الإرهاب. حتى الجيش الحر، الذي كان يستفيد من قتال داعش والنصرة ضد قوات الجيش السوري أصبح الآن يرى فائدة في الحرب على داعش لأن ذلك سيوفر له “دعما أكبر للمعارضة السورية المعتدلة”. وبعد معركة كوباني (الإعلامية بقدر ما هي عسكرية) وقبلها الموصل وسدها، واحتمال تكرارها في بعقوبة قرب بغداد، يحقق تنظيم داعش أهدافا أكبر بكثير من اي استثمار فيه ـ من قبل من صنعوه ومن عارضوه على السواء.
المؤسف حقا أن كل تلك العصافير (من مصالح وتقاطعات) التي يتم ضربها بحجر داعش السحري إنما تضر إصابتها وموتها بالعرب والمسلمين عموما وبالدول التي تحاول تقديم صورة سليمة للإسلام بفصل الدين عن السياسة والحد من نشاط الإخوان ومواجهة التنميط الغربي بشأن المسلمين. وتلك عملية طويلة، فيها استنزاف للقدرات والموارد وتشويه للصورة والسمعة واطالة أمد للصراعات التي تفت من عضد بلدان رئيسية في المنطقة.

إلى الأعلى