الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 م - ١٧ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تسخير الموجودات لإتمام الهجرة (2)

تسخير الموجودات لإتمام الهجرة (2)

تأملوا معي ـ إخوة الإيمان ـ هذه الكمات والتي تحتوي على إشارات عظيمة لم يخص بها إلا سيدنا أبو بكر الصديق (ثاني اثنين ـ إذ هما ـ إذ يقول لصاحبه) ولِمَ لا؟! وقد كان ـ رضي الله عنه ـ نعم الصاحب ونعم الصديق، فكم من فرحة غمرته، وكم من سعادة أسعدته، وكم فرحة ما وسعته لما جاءه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخبره بالإذن بالهجرة، وأن الله اختاره لنيبيه صاحباً، قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالهاجرة، في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر، قال: ما جاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذه الساعة إلا لأمر حدث، قالت: فلما دخل، تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أخرج عني من عندك، فقال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي، وما ذاك؟ فداك أبي وأمي! فقال: إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة. قالت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: الصحبة، قالت: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، ثم قال: يا نبي الله، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا، (انظر سيرة ابن هشام، ت السقا (1/ 484 ـ 485)، يبكي فرحاً، وحق له أن يفرح، فإنها صحبة مَن؟ ومشاركة حدث عظيم مع مَن؟ من أكرم مخلوق وأعظم موجود صاحب المقام المحمود ـ عليه الصلاة والسلام ـ فما جاء بباله أخطار الطريق، وما ذكر إيذاء قريش أو تعرضهم لهما أصلاً، بل وما وقر لوهلة في قلبه خوف أو تردد، نعم إنه الصديق.
وثانياً: سيدنا علي بن أبي طالب ـ رضي الله تعالى عنه: ولم يختلف حال سيدنا علي ـ رضي الله عنه ـ عن سيدنا أبي بكر الصديق من فرحة عارمة وسعادة غامرة، حينما أخبره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كما ذكر صاحب السيرة (سيرة ابن هشام، ت: السقا (1/ 485)، قال ابن إسحاق: ولم يعلم فيما بلغني، بخروج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحد، حين خرج، إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، وآل أبي بكر، أما علي فإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ـ فيما بلغني ـ أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده بمكة، حتى يؤدي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الودائع، التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليس بمكة أحد عنده شئ يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته (صلى الله عليه وسلم)، ولم يقف الأمر عند هذا الحد.

محمود عدلي الشريف
ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى