الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 م - ١٧ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام (24)

مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام (24)

تواصلاً لهذه السلسلة من (مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام) نستكمل ما تبقى من حلقاتها، حيث قلنا: إن المنظومة الحقوقية في الإسلام ذات الصبغة التنظيمية وليست صبغتها تأسيسية، وبينا معنى هذين المفهومين، فبناء عليه وما يتطلبه الاحتياج الذاتي للطبيعة التي صممت عليه ذات الإنسان (الذكر والأنثى) كان وضع الصياغة المناسبة والمنسجمة والمتوافقة مع تلك الطبيعة التي عليها ذات كل واحد منهما، وأخذت هذه الصياغة البيانية في الإسلام العناصر المشتركة بينهما في عين أخذها العناصر المختصة، وهذا بذاته إبداع، لأن هذه الصياغة ليس لأمر معين، بل هي صياغة شاملة لكل شيء يتعلق بالإنسان (الذكر والأنثى)، إضافة إلى أخذها في البين ما يتعلق به فيما حوله من النباتات والحيوانات والأسماك والطيور والحشرات والجمادات، فأي منها متوافق ومنسجم ومتلائم مع ذات الطبيعة التكوينية للإنسان فيوجه ويرشد إليه، وما يكون غير متلائم وغير منسجم ولا متوافق ينهى عنه، وهذا يتطلب معرفة ما عليه الطبيعة التكوينية لكل شئ وبدقة متناهية، وكل هذا يدخل في عالم ومنظومة الحقوق، فلو أسقينا الإنسان السم وهو كما علمنا غير متوافق ولا منسجم مع طبيعة تكوين بدنه فإن هذا العمل سيكون ظلماً لهذا الإنسان، وتعدياً على حق من أهم حقوقه وهو حق الحياة، وهذا مما لا شك فيه، وقد تطابقت على هذا الرأي كلمة البشر قاطبة، والكلام الذي يرد على البدن يرد أيضاً على (العقل) الإنساني، وعلى (النفس) الإنسانية، وعلى (الروح) الإنسانية، لأن الإنسان ليس مجرد بدن بل هو مكون ومتركب من العقل والنفس والروح، فكما أننا نظرنا إلى ذات البدن الطبيعية التكوينية، ونظرنا إلى ما تعتمد عليه احتياجه الذاتي، وبعد هذا صيغت الأحكام للتعامل معه فكذلك يتطلب الحال إلى النظر إلى (ذات العقل)، وإلى (ذات الروح)، وإلى (ذات النفس)، ووضع كل واحد على طاولة البحث والدراسة الدقيقة، ثم ننتزع من كل (العقل)، و(الروح)، و(النفس) الأحكام، وبعدها نتعامل معه/ معها، غير أننا نجد حالنا نحن معاشر البشر قد خلطنا بين (الدور التنظيمي) وبين (الدور التأسيسي) في التعامل مع ما ذكرناه، ونجد غلبة الدور التأسيسي على الدور التنظيمي، فنؤسس أحكاماً للعقل ومتعلقاته من قبل الفكر والمخيلة حسبما تنتهي إليه أفكارنا وعقولنا من دون أن نكلف أنفسنا ببعض عناء البحث والدراسة للعقل وما عليه طبيعته الذاتية وقت تصميمه وخِلقته، فلعل النتائج سوف تختلف، ولربما سوف نغير الكثير من الأحكام التي أطلقناها في حقه!، وهذا كله يؤثر على النظام الحقوقي للعقل ومتعلقاته.
وكذا الحال بالنسبة إلى (الروح) و(النفس)، فإن الملاحظ أننا نتعامل معهما بالدور التأسيسي، والحال أن الأمر يتطلب التعامل وفق الدور التنظيمي، لأن طبيعة الروح متقدمة على الأحكام التي يضعها الإنسان لها، فيفترض أولاً دراسة الروح بدقة متناهية، وبعدها تنتزع منها الأحكام، وبعدها تصاغ بالصياغة المناسبة، بيد أننا مزجنا هذا ببعض ما لدينا من المعرفة عن الروح، فكان تعاملنا معها على خلاف تلك الطبيعة التي عليها ذات هذه الروح، وعلى خلاف تكوينها الصناعي الخَلقي.
ووقعنا مع (النفس) في نفس ما وقعنا فيه مع (العقل) ومع (الروح)، وكذلك مع (البدن)، فلم نتعامل معها وفق ما عليه طبيعتها التكوينية الصناعية الخَلقية، فغلبت على صياغتنا وتعاملنا متبنياتنا الفكرية الخاصة، وعممت هذه الأفكار، وبدلاً عن أن تفيد المجتمع الإنساني كان إذا أثر سلباً عليه، وأخذت إلى مسار يهدد أمنه واقتصاده وتربيته وحياته، فإن (العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا يزيده سرعة السير إلا بعداً عن الطريق)، ومن الطبيعي أن يؤثر هذا كله على المنظومة الحقوقية، وعلى البنود التي ستوضع لكل من (الروح)، و(العقل)، و(النفس)، وكذلك (البدن)، ويزيد الأمر تعقيداً أن كل هذا مندمج مع بعضه البعض، فهذا يعني أن نبحث عن صياغة موحدة تلبي الاحتياج الذاتي للجميع في عين تلبية الاحتياج الذاتي الشخصي الفردي المستقل.

هلال بن حسن اللواتي

إلى الأعلى