الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 م - ١٧ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخبرة في القرآن الكريم .. مفهومها ومواضعها (2)

الخبرة في القرآن الكريم .. مفهومها ومواضعها (2)

.. ونرى تلك الخبرة وقعت كثيراً في الحقل الإسلامي من أول يوم فيه، كما حدث مع ورقة بن نوفل ابن عم السيدة خديجة لما نزل سيدنا جبريل على الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وضمه ضمة شديدة، وقال له:(اقرأ)، حتى قرأ عليه سورة القلم، وعاد الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعدها فزعاً يرتجف، يقول لها:(زملوني زملوني، دثروني دثروني)، وحكى للسيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ ما حدث له في غار حراء، فقامت على الفور لمن يملك الخبرة في ذلك، وسألت أهل العلم بالكتب السماوية.
ونتوقف هنا أمام تلك الرواية التي تقول إن:(عروة بن الزبير أخبر أن عائشة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يلحق بغار حراء، فيتحنَّث فيه، قال: والتحنث: التعبدُ اللياليَ ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود بمثلها حتى فجأه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت:(ما أنا بقارئ)، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال:(اقرأ)، قلت:(ما أنا بقارئ)، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: (باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ..( الآيات إلى قوله:(علم الإنسان ما لم يعلم)، فرجع بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ترجف بوادره حتى دخل على خديجة، فقال:(زملوني زملوني)، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، قال لخديجة: أي: خديجة، ما لي لقد خشيتُ على نفسي، فأخبرها الخبر، قالت خديجة: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقـت به خديجـة حتى أتـتْ به ورقة بن نوفل، وهو ابن عم خديجة، أخي أبيها، وكان امرأ تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، قالورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى، فأخبره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خبر ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حيًّا، ذكر حرفاً قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أومخرجي هم؟، قال ورقة: نعم، لم يأت رجل بما جئت به إلا أوذي، وإنْ يدركني يومُك حيًّا أنصرْك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن تُوُفِّيَ، وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وفي رواية أن: جابر بن عبدالله الأنصاري ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهو يحدث عن فترة الوحي قال في حديثه: بينا أنا أمشي سمعْت صوتاً من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسٍ على كرسي بين السماء والأرض، ففرقتُ منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فدثروه، فأنزل الله تعالى:(يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر)، قال أبو سلمة: وهي الأوثان التي كان أهل الجاهلية يعبدون، قال: ثم تتابع الوحي، فهنا نجد أن السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ لم تذهبْ عند أيِّ أحد، ولم تستشر أي إنسان، بل اختارت الخبيرَ الذي له علمٌ بالكتب السماوية، وإلمام بأخبار الماضين، والنواميس التي كانت تنزل على الرسل والأنبياء وله اطلاع وتبحر في ذلك، وهو تخصص نادر في مثل تلك الأزمنة البعيدة، فوَقَفَتْ السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ إلى جانب النبي (صلى الله عليه وسلم) في موقف يعجز عنه آحاد الرجال وَقَفت صامدة ثابتة، لديها الخبرة بمعالجة الأمور بشكل صحيح، فرأيناها لم تكتفِ حتى انطلقت به حتى أتت ورقة بن نوفل الخبير بهذه المسألة تحديداً، فذهبت به إلى مَنْ تعلم منه النّصحَ لها ولزوجها، ولخبرته وإلمامه، ووعيه، ناهـيك عن أنه رجل صالح، الذي قال عنه النبي (صلى الله عليه وسلم): (لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين) ـ رواه الحاكم وصححه.
إن من مسببات الخبرة كثرة التجارب، وكثرة القراءة، وكثرة السؤال، وكثرة حضور مجالس العلم، وكثرة مصاحبة الكبار ذوي الخبرة، وكثرة الاطلاع على أحداث التاريخ وأخذ العبرة والعظة، وكثرة التأمل في الأحداث وكيفية معالجتها، وطول معاهدة الأشياء مرة ومرة، وكذلك السفر والسياحة والترحال للتعرف على ثقافات جديدة كل تلك الأسباب تعتبر مصدرا مُهِمًّا لزيادة خبرة الإنسان.

د/جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى