الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل يستيقظ أهل المنطقة من خُمار..

هل يستيقظ أهل المنطقة من خُمار..

علي عقلة عرسان

”مطلوب من الإعلام أن يصمت أو أن يصرخ في أحداث وأوقات وقضايا حسب الحاجة، ومطلوب منه أن يقزِّم هنا ويضخِّم هناك.. ومن أسفٍ أن تشيع في الكثير من أوساطه ظاهرة عدوى الزعيق واتباع النعيق، إلا أن يكون مرتبطاً أو منقاداً لمرتبطين، فيقود هو باتجاه أو لا يتبع إلا من يحدد له الاتجاه ليقوم بزعيق ونعيق أيضاً يجلبان زاعقين وناعقين..”
ـــــــــــــــــــــــ
مطلوب من الإعلام أن ينشغل بما يجري في أماكن ليشغل الناس عما يجري في أماكن أخرى، وهو عمل يدخل في بابي التمويه والتضليل، ومطلوب منه أن يزوِّر وقائع وحقائق لكي تسوِّغ دول وجهات ومنظمات وشخصيات أفعالها العدوانية والإجرامية وتغطي ممارساتها وفسادها وتغطي أهدافها الحقيقية، ومطلوب منه أن يشوش ويشوه لكي تصل جهات ودول لأهدافها فتشيطن أعداءها وتنجوا مما يمكن أن تستحقه من عقاب.. ويقوم الإعلام بأشياء وأشياء مما يصعب حصره والتنبؤ به.. فهل هو بلا إرادة وبلا وعي ولا يملك أمره ونفسه وقراره، أم أنه مَلْعَبة لمن يريد أن يلعب به، أم تُراه عامل و”مقاتل” بالأجرة يوظفه من يدفع له أو من يملكه لتحقيق ما يريد من غايات؟! أم هو كل هذا الذي يصبه على الناس بذريعة “صحافة” و “حرية التعبير” ليشكل تدميراً في الحياة أوسع وأشد ضرراً وفتكاً مما يسببه التدمير، لأنه يطول الأنفس والعقول والضمائر والقيم، ويخرب فيها فوق ما يفعله السلاح، وهويشارك أيضاً في توجيه السلاح وتحريض القَتلة بأنواعهم على مزيد من القتل.. ويعي ما يفعل؟! تساؤلات ليست بريئة ولا محايدة ولا معزولة عما يجري من مآس وعما نتابعه في معظم وسائل الإعلام من مقبول ومرفوض ومدان ومحيِّر ومستفِز.. ويبقى هناك في مجالاته شرفاء يدفعون حياتهم ثمن خياراتهم ومواقفهم، ويرفضون أن يكونوا سلعة وأداة، يجوعون ولا يأكلون بأثدائهم، ويناضلون ويصرخون في خضم الصخب، ولكن أصواتهم لا تصل إلى حيث ينبغي أن تصل، وإذا وصلت فقد تكون بلا تأثير لأنها تبقى خارج لعبة التوظيف والتسخير والتواطؤ والتآمر والتجارة بكل شيء، وبعيدة عن القيام بأنواع من الاستباحة وتحليل كل محرَّم. الإعلام جهاز فاعل متحرك مهم وضروري وعليه أن يرتفع إلى مستوى الرسالة الأخلاقية والإنسانية السامية وألى مستوى مسؤولية الشرف في البحث عن الحقيقة ومناصرتها والعمل من أجلها.. لكنه للأسف يعمل في معظمه بما يؤمر به أو بما يوحي إليه أو يزيَّن للقائمين عليه من قبَل أصحابُ المال والسياسة والتجار المرتبطة أعمالهم بالمشاريع والمال والربح، ومنها مشاريع سياسية دموية ذات مردود اقتصادي وتجاري بعيد المدى على أصحابها فقط، وذات مردود تدميري على سواهم.. وهناك إعلام يعمل وفق ما يختار له أصحاب، ومؤسسات إعلامية وعاملون وعاملات فيها ممن يتاجرون ببضائعهم في سوق الكلام ليربحوا أكثر ويبرزوا أكثر ويغرقوا الناس أكثر فأكثر في الدم والكذب والبؤس والفوضى.. وهناك وهناك..
مطلوب من الإعلام أن يصمت أو أن يصرخ في أحداث وأوقات وقضايا حسب الحاجة، ومطلوب منه أن يقزِّم هنا ويضخِّم هناك.. ومن أسفٍ أن تشيع في الكثير من أوساطه ظاهرة عدوى الزعيق واتباع النعيق، إلا أن يكون مرتبطاً أو منقاداً لمرتبطين، فيقود هو باتجاه أو لا يتبع إلا من يحدد له الاتجاه ليقوم بزعيق ونعيق أيضاً يجلبان زاعقين وناعقين.. وهو يتبع بعضه بعضاً في كثير من الأخبار والمواقف والاهتمام والأحكام، بغريزية جماعية معروفة لدى بعض المخلوقات التي تتجمع لا تدري كيف ولماذا، وتزقوا لا تعرف متى ولماذا، وتسكت وتتفرق وترحل عندما يُوحى إليها بأن تسكت وتتفرق وترحل.؟! شاهدنا هذا وتابعناه في عدد لا يحصى من الأحداث والمواقف والمشاهد، ونتابع اليوم واحدة من تلك الحالات العجيبة المنساحة في تيار العجائب والغرائب.. فهو اليوم مطلوب منه مثلاً أن يطلق على مدينة عين العرب السورية، ذات المأساة الإنسانية الكبيرة التي شهدتها مدنٌ وقرى سورية أفظع مما تشهده بكثير، بل بما لا تقاس مأساته بمأساتها لا من حيث الفظاعة ولا من حيث المدة ولا من حيث الخسائر والقسوة والشدة، وبقيت حكاياتها في شبه الظل قياساً على ما نسمعه ونتابعه هناك.. مطلوب من الإعلام أن يجعل منها مأساة العصر في سوريا المبتلاة بمحنة الحرب وبكل أصناف المآسي منذ ثلاث سنوات ونصف، ومطلوب منه أن يرفعها فوق ستالينجراد أو حمص أو حلب أو.. إلخ، وأن يطلق عليها اسماً لقيطاً هو “كوباني” لم تُعرف به في تاريخها، فهي في العهد العثماني وما قبله وباللغة العثمانية “عرب بينار، أي نبع العرب أو عين العرب”، وفي اللغة التركية المعاصرة “عين العرب araplar goz”، وهي في اللغة الكردية “كاني عرب، أي عين العرب”، وكذلك هو اسمها الأصلي العربي الذي يُراد له أن يتغير ليحمل المكان اسم شركة أو مبنى لشركة” كومباني:company” تعود لقطار الشرق السريع الذي كانت تسيره ألمانيا في الحرب العالمية الأولى.. وقد لازمت هذه التسمية مباني سكة الحديد تلك لكنها لم تنسحب على القرية أو البلدة أو المدينة التي هي فيها، بل تركز المدلول على المبنى، وكان اللفظ يُتداول حسب ما يصل منه إلى أسماع الناس أو كما ينطقونه خطأً بطريقتهم الخاصة، وهم لا يعرفون اللغة الأجنبية.. ففي مناطق أخرى من سوريا، وربما من بلاد الشام كلها حيث يمر القطار، كان اسم المحطة/المبنى ” كمبانيّة أو كبّانِيَّة”.. وفي هذا الذي يتم اليوم دلالات سياسية تُضفَى على ألفاظ وأسماء لأغراض، وهناك تضخيم غير مسبوق لحدث ليس بمستوى ما شهدته مدن سورية وعراقية من أحداث دامية كانت داعش فيها طرفاً.. وذلك بسبب الحملة الإعلامية العالمية المنهجية المدروسة التي ترافقه وتنفخ فيه. وهي تفعل ذلك لأن هناك مشاريع استعمارية تتسلل عبر الأحداث، ويروَّج لها عبر النزاعات المراد تطويرها، والفوضى المُراد نشرها في المنطقة لإضعافها واستهدافها، ولو كان الثمن دماء كل أهلها. ومن تلك المشاريع: تقسيم سوريا والعراق إلى دويلات، وتوريط دول المنطقة في حروب على أسس دينية ومذهبية وعرقية وحتى عشائرية، وإنشاء دولة للأكراد تكون مرتكزاً للغرب وللصهيونية تضاف إلى مرتكزاتهما في المنطقة العربية. ويوجد في التضخيم المقصود لأهمية عين العرب وتوظيف ما يجري فيها تعزيزٌ للروح الانفصالية، وما يشير بوضوح إلى ما هو أكثر وأكبر من التواطؤ والتآمر على العرب وعلى سوريا وعلى العراق وتركية وغيرها من دول المنطقة، بذريعة محاربة إرهاب داعش الذي فعل الأفاعيل قبل ذلك في مدن وقرى ولم يرتفع ضده صوت، بل تم التواطؤ معه ومع أشكال من الإرهاب الأخرى، منها إرهاب الدولة الصهيوني الفظيع ضد غزة خاصة والشعب الفلسطيني، عامة لاستكمال مشاريع التدمير.. لم يتحرك أحد عند ذلك لمواجهة الإرهاب ولا تنادت الدول لمجرد وقفه عند حدود؟! ولم يتحرك العالم الغربي المنافق ضد داعش يوم قتلت من قتلت من عرب الشعيطات” ٧٠٠” فيما قُدِّر، ولا هو تحرك إعلاميًّا على الأقل يوم كانت تتم مذابح كبيرة في دير الزور والحسكة وحلب والرقة وإدلب وفي أماكن أخرى من سوريا، ولا هو استنفر يوم تعرضت الموصل والفلوجة وغيرهما من مدن العراق وقراه لهجوم داعش.. ذلك لأن استمرار قتل عرب لعرب مطلوب بامتياز، لأن ملاحقة السنة لسنة أمر مطلوب وبصورة معلنة، واقتتال سنة وشيعة هو على رأس ما هو مطلوب، لكي تستمر الفتنة وتكبر، ولكي يُخلَق المناخ وتنضج الثمرة، فتُستكمَل أهدافٌ على رأسها تمزيق سوريا والعراق، وهذا أحد أهم الأهداف، ومن ثم تدمير دول أخرى وتقسيمها إن أمكن.
اليوم هناك أكراد سوريون في عين العرب على الحدود السورية التركية، يموتون ويشردون ويعانون وتضاف مأساتهم إلى مآسي السوريين والعراقيين الكثيرة، ولكن التحرك الذي يتم باسمهم لا يستهدف حمايتهم بل يعمل على استثمار دمهم في مشروعٍ هم وبقية أبناء سوريا بعض وقوده.. ولذلك يتحرك العالم بأكثر مما تحرك في أي وقت مضى ضد داعش، وحتى أكثر مما حدث عندما اقتربت من أربيل، لكنه لم يتحرك ضدها عندما احتلت الموصل وغيرها في العراق وحدث ما حدث ويحدث في سوريا.. في تلك المواقع توجد إنسانية، وفي عين العرب توجد إمكانية لمذابح وجرائم ضد الإنسانية لمدنيين لجأوا إلى تركيا فاحتضنتهم وحمتهم؟! وحين كانت تقع المذابح فعلاً في أماكن ضد العرب السوريين والعراقيين كانت المشاعر الإنسانية معطَّلة وكان العالم يبتلع لسانه.؟! نحن لا نريد أن يراق دم إنسان أياً كان، ولا أن تصيب إخوتَنا ومواطنينا الأكراد مصيبةٌ من أي نوع، فهم منا ونحن منهم، والأكراد الأبرياء يدفعون اليوم ثمناً باهظاً لأخطاء أكراد أيضاً، ولا يجوز أن يقتلوا أو أن يشردوا.. نحن ضد القتل وضد الإرهاب ولا نقبل المعاناة البشرية المرة التي تُصنع وتُستغل لأغراض سياسية قذرة، فالإنسان أثمن من المكان والمادة والغطرسة البشرية الحمقاء.. لكننا نريد وبقوة أن يتساوى البشر والدم البشري في موازين من يتذرعون بالإنسانية ويتحركون باسم الإنسان ويتاجرون بالإنسانية فيقتلون الناس باسم الناس لكنهم يفعلون ذلك من أجل مصالحهم فقط.. ونريد أن يكتشف كل المغرر بهم أن الولايات المتحدة الأميركية والحركة الصهيونية ومن يسير في ركبهما، هم أعداء لنا لأنهم أعداء الإنسانية ولأنهم يخوضون في دمنا ويقتلوننا ويمشون في جنازاتنا ليفتكوا بنا أكثر تحقيقاً لسياساتهم واستراتيجياتهم ومصالحهم ومشاريعهم العدوانية العنصرية.. لا تصدقوا الولايات المتحدة الأميركية قاتلة الشعوب ولا الصهيونية سرطان البشرية فهم من يدمرون القيم وكل أشكال الخير في العالم.
الخطة التي تنفَّذ الآن واضحة، لقد حان الوقت لإعلان تقسيم المنطقة، وحان الوقت لإعلان دولة كردية مقتطَعة من العراق وسوريا، تم تدريب عناصرها السورية منذ عام ٢٠٠٤ في جبال قنديل لتبدأ عراكها مع جوارها بما في ذلك تركيا ومن ثم إيران، استكمالاً لمشروع دولة هي حليف لإسرائيل، وموقع من مواقع الغرب في أرض النفط، حيث تشتعل المنطقة أكثر.. ولم تكن دعوة نتنياهو واللوبي اليهودي ” إيباك”، الذي يحكم واشنطن، بضرورة الإعلان عن إنشاء دولة كردية والاعتراف بها، إلا إشارة لانطلاق مشروع تقسيم المنطقة وإعادة رسم خرائطها السياسية. بدعم غربي – صهيوني غير محدود.. لقد جاءت تصريحات الإرهابي نتنياهو محرِّضة ومعزِّزَة ومؤشِّرة ليتحرك البرزاني نحو استفتاء يقرر الانفصال، ويتبعه الأكراد في سوريا لتشكيل نواة الدولة على حساب دول أربع، والبدء بمشروع يجر المنطقة إلى صراعات دامية لمدى غير معلوم وبتكاليف باهظة.. وجاء ذلك في توقيت معين ليعني إعطاء إشارة التحرك بهذا الاتجاه. وها هو الفعل اليوم لا يتجدد بل يتأكد، بعد أن “لبّت”! الولايات المتحدة الأميركية الدعوة ” الإنسانية!” وتبعها الغرب وأتباعٌ العمي من العرب، وتشكل تحالف ضد داعش والنصرة كان يقف وراءهما، وبدأ القصف والتدريب وإرسال السلاح والمدرَّبين ليقاتلوا في العراق وسوريا، في حرب تستمر سنوات، بل ثلاثين سنة، كما قال ساسة أميركيون.. والهدف المراد تنفيذه هو إشعال نار حرب طويلة في المنطقة بهدف إنهاء العروبة وإنهاك الإسلام.. ولذا يدفعون تركيا إلى التدخل في سوريا لحماية “كوباني!”، وبهذا يورطون تركيا في حرب عدوانية ستدخلها إيران، وسوف تسفر عن إشغال إيران وإضعافها وعن إضعاف تركيا وتقسيمها، فضلاً عن تدمير العراق وسوريا وتقسيمهما.. والكرد الذين يلعبون ورقة دولية باسم المظلومية أو يتم استغلالهم في ورقة من هذا النوع للوصول إلى الدولة، سيغرِقون الشعب الكردي في مستنقع دموي مأساوي هو بغنى عنه لأن ما أصابه يكفيه، وأظن أن ذلك سيكلفهم ويكلف غيرهم من أبناء المنطقة الكثير، لأنهم يقفون عمليًّا بدولتهم المنشودة ضد دول أربع في المنطقة لا تقبل التنازل عن وحدة أراضيها، وهم يريدون أن ينتزعوا منها دولة على حساب وحدة أراضي كل دولة من دولها! المشروع غربي – صهيوني، وفيه تقسيم العراق إلى ثلاث دول وسوريا إلى خمس.. إلخ، “ونذكر هنا ببرنارد لويس اليهودي صاحب الفكرة”، والممولون بعض العرب من المصابين بعمى الألوان على الأقل إن لم يكن بعمى عام، والضحايا هم أبناء المنطقة ودولها ومستقبلها بمن فيهم الأكراد.
على أرض الواقع توجد معطيات ووقائع وحقائق لا يمكن القفز فوقها، منها:
- أنه في سوريا تدور حرب “الكل على الكل”: الجيش العربي السوري ومن يسانده من القطاعات الشعبية المنظمة يقاتل داعش والنصرة وكل الفصائل المسلحة الأخرى التي تحاربه بدورها، وداعش تحارب النصرة والحر وجيش الإسلام وأحرار الشام وكل الفصائل المسلحة الأخرى، وتحارب قوات النظام بهدف إسقاطه.. وبين المسلحين أنفسهم اقتتال، كما أن بينهم وبين الجيش العربي السوري اقتتال.. وتدخل على هذه الجبهات المفتوحة جهاتٌ وتنظيمات ودول عربية وأجنبية تشارك في القتال بصورة مباشرة أو غير مباشرة.. فسوريا اليوم ساحة حرب مفتوحة لكل ذي غرض وهدف ومشروع سياسي ومصلحة، ولكل مؤسسة أمنية وجهة استخباراتية، وحتى لوكالات تعمل في مجال الأمن بالأجرة.. وسوريا مهددة بإقامة مناطق حظر جوي بهدف إقامة مناطق آمنة توفر نقاط ارتكاز وتحرك للقوى التي يدربها التحالف في السعودية وفي تركيا، وقد بدأ بإرسال طلائعها.. وهي في وضع لا يمكن النظر إليه بنوع من الإيجابية في أي مفصل من مفاصله، لا سيما الأمنية والاقتصادية منها.. ويضاف إلى ذلك معاناة الشعب السوري التي تفوق الوصف وتتجاوز حدود الاحتمال، وتحتاج إلى حلول عاجلة.
ان تركيا تنظر إلى داعش والبيادي الكردي pyd على أنهما تنظيمان إرهابيان، وفق تصنيف دولي معروف، فتنظيم صالح مسلم عندها هو فرع لحزب العمال الكردستاني PKK المصنف إرهابيًّا، وعليه فإن الوضع في عين العرب يتلخص عندها في أن إرهابيًّا يُقاتل إرهابيًّا، وكلاهما تراه تركيا عدواً لها ولن تتدخل إلى جانب إرهاب ضد إرهاب، فضلاً عن أنها ترى أن استدراجها للتدخل في سوريا يعني استدراجها إلى حرب طويلة الأمد في المنطقة، ومحاولة مكشوفة لزعزعة استقرارها والقضاء على مشاريعها المستقبلية العملاقة، وعلى علاقاتها التجارية ونهضتها الحديثة، وعلى ما تبقى لها من علاقات مع جيرانها. لقد أقبل الكرد على تبني حملة إعلامية أرادها الغرب وأرادتها الصهيونية وهما يديرانها معاً، ونجحوا في المساهمة فيها بقوة، وهي للأطراف المنخرطة فيها جزء من التمهيد السياسي لتمزيق سوريا والعراق، ولإعادة رسم حدود الدول في المنطقة، وإقامة دويلات منها واحدة للأكراد، ستكون معتَمِدة على الآخرين حتى في أمنها.. بمعنى تحقيق الدولة الكردية بذرائع ظلم يقع على الأكراد، وتحت حماية حماة لها.. وهم يعرفون أنهم يحركون إيران ضد تركية لحماية سوريا من تقسيم وتدخل خارجي أُعلن عن أنه سيكون عدواناً تقف ضده روسيا والصين وسوريا طبعاً وإيران وغيرها من الدول التي تتفهم الوضع في سوريا على نحو مغاير لدول أخرى تعاديها.. وفي هذا كله توطيد لوجود “إسرائيل” ولهيمنتها في المنطقة، وعودة للاستعمار الأميركي للعراق من النافذة، ومحاولة منه للوصول إلى سوريا عبر معارضة يتبناها، وفيه لجم حقيقي لأي تمدد أو تفكير بالتمدد للإسلام السياسي على أية صورة من الصور، وتأسيس لاستمرار الحرب الصليبية – الصهيونية على الإسلام، بعد أن كادت تنجزت مهمتها ضد العروبة ومراكز التفكير والعمل السياسي القومي، وقامت بإجهاض مؤقت على الأقل للثقافة القومية وما يتصل بالأبعاد القومية للعمل العربي في مركزين من أهم مراكزهما هما سوريا والعراق.
- ان الأكراد في كل من العراق وسوريا وتركيا مبشَّرين بدولة، ويُدفعون باتجاه استغلال الظروف الحالية للإعلان عنها وترسيخ قوائمها، إن لم يكن بالتحقق الفعلي التام فعلى الأقل بنشر ذلك بوصفه حقيقة في أوساط جماهيرية وسياسية وديبلوماسية وإعلامية، داخل المنطقة وخارجها، لا سيما على صعيد الدول الغربية. وقد بات هذا قائماً على الأرض شمال العراق منذ تسعينات القرن العشرين، وشبه قائم في سوريا ولو بنسبة أقل، حيث شكلوا ثلاث مناطق إدارية في شمال سوريا وشرقها مستغلين الأزمة/الحرب، وأعلنوا عن وزارات ومجالس وشرطة وقوة دفاع يدربونها في جبال قنديل منذ عام ٢٠٠٤ وغير ذلك مما يتصل بمقومات الدولة.. وتقوم دول غربية على الخصوص منها بريطانيا بتدريب عناصر كردية في أربيل من مواطني الدول المستهدَفة باقتطاع أراض منها لتشكيل الدولة الكردية، كما تقوم جهات ودول أخرى بذلك منها كيان الإرهاب الصهيوني، إضافة إلى ما يتم من تسليح وتقديم المساعدات وأشكال الخبرة والعون والتدخل لصالح المشروع، وليس لما يتصل بالحماية من إرهاب داعش فقط التي تقاتل في عين العرب حزب pkk/ وفرعه pyd المصنف إرهابيًّا أيضاً.. وهو المسكوت عنه لكنه معروف في الدول والأوساط المعنية مباشرة بما يجري وبما سيتم. أمَّا ما تصمت عليه حكومات وجهات في المنطقة أو ما لا تتصدى له، فيتم لأنها عاجزة عن التحرك بسبب الأوضاع القائمة، وهي أوضاع مأساوية لجميع من هم في المنطقة على أية حال، بمن فيهم الكرد.. ذلك لأن تلك الدول لا تريد ” تركية مثلاً”، أو لا تستطيع “سوريا والعراق مثلاً “.. أن تفتح أكثر من جبهة.. أما إيران المستهدَفة أيضاً باقتطاع جزء من أراضيها لصالح إقامة دولة الكرد فإنها أكثر اطمئناناً وتسلك سلوكاً براجماتيًّا مستندة إلى قوتها، فهي من الدول التي دعمت أربيل بالسلاح وغيره لمواجهة داعش، وهي تعلن لتركيا أنها ستتدخل إذا ما تدخلت تركيا في سوريا، وهو موقف يراه بعض الأكراد لصالحهم لأنهم يرون في تركيا أكبر معارض لمشروعهم، لأسباب واقعية.
هذه بعض أوجه المشهد في المنطقة، فهل هو غائم وضبابي أكثر مما ينبغي، وهو على هذه الصورة؟!.. نعم ولا.. فهو صارخ في توجهه وإشاراته ودلالاته ولكنه يغوص في دوامة الأحداث التي تعصف بها ولا يتأكد أحد من كيف ستكون نهايتها ونتائجها، إنما المؤكد فقط هو القتل والدمار نتيجة انتشار الفتنة وتدحرجها، ونتيجة تدخل القوى الغربية الصليبية والصهيونية وتحالفاتها فيها ضد العروبة والإسلام.. وهو تدخل للإضعاف والإنهاك والتفتيت والتدمير بكل الوسائل، ومنها نشر الفوضى وإشعال نار الفتنة ودحرجتها.
ويبقى السؤال: هل يصحو أهل المنطقة من خُمار يغشاهم ومن أوهام تراودهم فتعشيهم، ومن ثم يستدركون بعض ما ينتظرهم من مصائر مظلمة.. أم تراهم يستمرون في الخُمار وفي أوهام الانتصار، وينغمسون في ما هم فيه من اقتتال يجلب الدمار، ومن فتنة تسربلهم بالدم والعار، من دون أن يتوقفوا عند ما سيجنونه من ذلك كله، ومن دون أن يفكروا في ما سيدفعونه لأعداء العروبة والإسلام جراء ذلك كله.؟!
السؤال معلَّق ويبقى برهان الزمن والعقل والضمير، ورهن حقائق الانتماء والإيمان إن هي استيقظت، هذا إن بقيت حقائق من هذا النوع فيما نشغله من حيز المكان وما يلفنا ونتحرك فيه من حيز الزمان.

إلى الأعلى