الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن .. يجب أن تستعيد النخلة مكانتها

رأي الوطن .. يجب أن تستعيد النخلة مكانتها

لا يزال الأمن الغذائي يمثل تحديًا حقيقيًّا ويتصدر قائمة القضايا الحيوية والاستراتيجية في اهتمامات الدول بما يمثله من هاجس كبير وموضوع ساخن لا سيما لدى الدول النامية التي تواجه تحديات متعددة في سبيل توفير الغذاء لمواطنيها، كما تلقى قضية الأمن الغذائي اهتمامًا كبيرًا من قبل المنظمات العربية والإقليمية والدولية. وينبع تحدي الأمن الغذائي من مرتكزات تتطلب حضورها وتوفرها لتحقيقه، من إتاحة الأغذية والوصول إليها دون معوقات، وتوفر إمدادات الغذاء وبصورة كافية ومستقرة واستخدام الأغذية.
وثمة حقيقة أرساها التاريخ وأكدت ذاتها وصلاحيتها مع كل تحول من تحولات الحضارة الإنسانية، حتى الثورة الصناعية لم تغمط قيمتها وأحقيتها بأن تحتل موقع الصدارة في الاهتمام بمفرداتها لكل من يسعى نحو تحقيق برامج تنمية مستدامة، هذه الحقيقة ترتبط بدور الزراعة في توفير الحاجة الأساسية للإنسان على مر العصور السابقة واللاحقة أيضًا؛ فقبل أن يفكر الإنسان في استخدام المخرجات الصناعية “المدهشة” التي نستعين بها في حركة الحياة المعاصرة يجب على الإنسان أن “يشعر بالشبع”، ولن يوفر هذا الشعور بالشبع إلا المنتجات الزراعية وخاصة إذا كانت هذه المنتجات محلية ومن عرق جبيننا.
وانطلاقًا من هذه النقطة الحيوية، أولى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ الزراعة العمانية رعايته الدائمة كسند من أسانيد النهضة الحديثة استثمارًا للرصيد العماني التليد في الخبرات الزراعية وتراكم الخبرات في مشاريع الري عبر التاريخ وشق الأفلاج والآبار الارتوازية التي أثارت اهتمامًا دوليًّا تكلل بتسجيل عدد من الأفلاج في قائمة التراث العالمي ومنظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة.
هذا الاستثمار للرصيد العماني أعاد إلى الواجهة تلك العلاقة الحميمية التي نشأت تاريخيًّا بين العماني والنخلة، وتأصيل هذه العلاقة وإعادة مكانتها من خلال مشروع استزراع مليون نخلة الذي كان إحدى نتائج ندوة التنمية المستدامة للقطاع الزراعي وتنظيم سوق العمل به، وتأكيدًا على الاهتمام السامي لجلالة عاهل البلاد المفدى بهذا القطاع الحيوي، حيث العمل بالمشروع يسير وفق المخطط له. وحسب الدكتور سيف بن راشد الشقصي المدير العام للمديرية العامة لمشروع زراعة المليون نخلة التابعة لديوان البلاط السلطاني فإن عدد أشجار النخيل الجاري استزراعها حاليًّا ضمن مشروع زراعة مليون نخلة في السلطنة يبلغ 600 ألف نخلة على مساحة إجمالية قدرت بنحو 17 ألف فدان موزعة على 10 مزارع مختلفة بعدد من محافظات السلطنة.
لقد كان اهتمام العمانيين بالنخلة يكاد يفوق اهتمامهم بأنفسهم لكونها العمود الفقري في مصدر غذائهم، حيث كانوا ينظرون إليها نظرتهم إلى الولد، وقد كانت كثرتها وتنوعها مصدر تفاخر بينهم. ولذلك جاء مشروع مليون نخلة ليؤكد هذه العلاقة وهذه المكانة وليؤكد رؤية جلالته السامية بأهمية النخلة وموقعها المتميز في الزراعة العمانية وفي الموروث الثقافي والحضاري العماني.
ولما كانت التمور مصدرًا غذائيًّا عالي الجودة ومتكامل العناصر، ولما كانت النخلة لديها الكثير من الصفات التي ميزها الله بها، من حيث مقاومتها الجفاف وتحملها العطش، ولما كانت خير المنقذ والمعين للعماني والأم الرؤوم في أوقات الشدة ليس فقط في مواجهة شح الغذاء وإنما في شؤون حياته، فإن من الأهمية بمكان أن يعنى بها أشد عناية، وأن تعود مكانتها إلى قلب وعقل العماني اهتمامًا ورعايةً وتحسينًا وتطويرًا وتجويدًا لإنتاجها، وعدم تركها عرضة للعبث من قبل الأيدي العاملة الوافدة، وكم هو جميل أن نشهد في الفترة القادمة ـ وحسب تصريح المدير العام للمديرية العامة لمشروع زراعة المليون نخلة ـ إنشاء مصنع مركزي لتعبئة وتغليف وتصنيع التمور، ليتولى معالجة التمور وتصنيعها وتسويقها في المزارع التابعة له ودعم القطاع التقليدي ورفع الجودة والتنافسية والتصنيع والتسويق وتقليل الفاقد في النظام الإنتاجي والتسويقي، وكذلك قيامه بالعديد من الصناعات التحويلية الأخرى مثل صناعة الدبس، صناعة السكر السائل، صناعة الإيثانول، وصناعة الخل، بالإضافة إلى الصناعات الثانوية كتصنيع الأعلاف والصناعات السيلوزية.
إن النخلة وما تطرحه من ثمار يانعة تعد موردًا غذائيًّا واقتصاديًّا، لذا شبابنا اليوم مدعو إلى اتباع خطى الأجداد والآباء في الاهتمام بالنخلة والاعتماد على الذات وتسخير الإمكانات والجهود في خدمة ما يعيننا على الحياة ومقاومة ظروفها غير المأمونة.

إلى الأعلى