الأحد 8 ديسمبر 2019 م - ١١ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / والشر كل الشر .. أن تذل رقابُها

والشر كل الشر .. أن تذل رقابُها

علي عقلة عرسان

مُرْبكٌ ومرهق بما يفوق الوصفَ وحدودَ الاحتمال: دخولُ وطن وشعب وأمة في نفقٍ لا يكاد يخترقُ ظلامَه شعاعُ نُور، وانعدام الثقة فيما بينهم واستفحالُ العداء، ودورانهم في دوامة حروب تعركهم عَرْك الرَّحى بِثِفَالها.. تشتت شملهم، وتستهلك طاقاتهم وأموالهم وثرواتهم، وتُهلك نَسلهم، وتُدمِّر ما بنوا وما يبنون ويزرعون وما يجنون وتتركهم أشلاء أمة ورهائن عند أعدائها..
عندما يصاب المَرءُ بعزيز عليه وينهكُه الأسى والفَقْدُ، تضيق به الدنيا ويترتب عليه ما لم يكن يترتب عليه ويتوقعه من أمور وتكاليف، ويدخل حالة غير مُعتادة في حياته تؤثر سلبيا عليه، وتحكمُه مشاعر وأفكارٌ وأوضاع لا يستطيع الفَكاك منها أو تنحيتها جانبا حتى لوقت قصير، وأحيانا تصبح ضاغطة بما لا يرغب في أن يكون فيه من أحوال، وإذا كان المُصابُ أكبر من رزء محتَمَل فإنه يفُلُّه وقد يشلُّه.. أمَّا حين يصاب المرء بمصدر رزقه وبأهلِه وشعبه ووطنه، وبفَقْد أمله بأمته التي هي السّند والأمل والوعد، الأمس واليوم والغد، الماضي والحاضر والمستقبل.. فإنه يصبح في أبأس أحوال البؤس البشري، وتنتابه المآسي والكوارث، ويدخل في شقاء ومناقع دِمٍاء ومستنقعات أوحال، ويصير فريسة سهلة للهم والغَم والوَبال والبَلْبال، وللطامعين من كل جنسٍ ولون.
وحينما يتزاحم كل ذلك على المَرء ويشغله ويتفاعل مرارة في داخله وأفكارا ومشاعر وانفعالات وتوقُّعات و.. و.. يصبحُ في وضع استثنائي قد يقوده إلى تصرف استثنائي.. والاستثناء لا يعني قاعدة لكن لكل قاعدة استثناء.. فالمَرء هنا محكوم بظروفه، وواقع تحت ضغط معطيات تشكل أمرا حاكما، وحتى لو كان آنيا فهو يتحكم بالمرء كأنه قاعدة.. نعم إنها “قاعدة” آنيَّة استثنائية لكنها حاكمة للسلوك أو مسيطرة عليه فيما تفرضه وترتبه وتمليه. ومن لا يراعي حالة المَرء الذي يدخل هذه الحالة فيحكم على تصرفه وتدبيره وتقديره وظروفه بغير ما تفترضه معطيات الحالة التي هو فيها، وموضوعية الناظر إليه والناظر في حالته.. فإنه يحكم من خارج دائرة الموضوعية والحكمة وشمول الفعل والتقدير والتقرير، ويحكم من زاوية ذاتية ضيقة وتضيق، ووفق معاييره التي وضعها هو ويرى نفسه وفق ذلك “سيد الحُكْم والحِكْمة”؟!
* منهكٌ، مؤلمٌ، مؤسفٌ، قَتَّالٌ: استمرارُ الظّلم والقَهر والاستهتار بالحق والعدل والحرية والكرامة والناس، وازدهارُ التآمر والفساد والانحلال والإفساد، ورؤيةُ مَن هُم أسْنِمَةُ الحُكم ورؤوس الأمر والنهي، رؤيتُهم للانهيارات تنميةً ونُموا وإنجازات وعمرانا وإعمارا، ونِعَما ينعمون بها ويَمُنُّون على الناس أنهم “يُغدِقونها” عليهم، وأن تراهم في رفاه ومرح وفرح فارهين فوق المآتم والمآسي، يتربعون على مفارش تحتها الدمع والدم، ينطبق عليهم في وضعهم ذاك قولُ مَن قال: “وأخو الجَهالة في الشَّقاوةِ ينعُم”، وهم يقبِلون على المُنافقين والانتهازيين والفاشلين والمدَّاحين والطبالين، ويحشدونهم وينتفخون بهوائهم وخوائهم، ويرون إلى الواقع المَعيش والمستقبل المُحتَمل بعيون أولئك الذين هم “صمٌ بكمٌ عُميٌ” ممن لا يفقهون ولا يحسنون إلَّا النّفاق والتزلّف، حيث في ظلِّهما وظلِّ مَن يستطيبونهما ينهبون ويثرون عبر أسوأ أساليب السّرقة والاحتيال والبلطجة والارتزاق.. وتكون انعكاسات الرؤية والرأي على الغاطسين في البؤس صُفْرا مكعبا. إذ كيف يستطيع المَرء أن يفكر بحرية وأن يرفع صوته ضد الظلم، وينهض بنفسه وبوطنه وأمته.. وهو مربوط من عنقه وفمه بلقمة العيش ويربط لسانه الخوف؟! كيف يتطلع إلى شكل من أشكال الانعتاق من الظلم والقهر والإذعان ويتعلقون بحرية من أي نوع، وتفكير وتصرف حرين وإرادة حرة من أي نوع، وهم في وضع الحرب والتشرد والقهر؟! لقد شلَّ الفقرُ إرادةَ الناس وشلَّهم الخوف وقهرتهم الضائقات والأزمات والحروب، وأنهكهم الفسادُ والإفساد اللذان لا يُقهران.. إذ مع انتشار الضعف العام في وطن وشعب ليس بالضرورة أن تكون هناك سياسة فساد وإفساد ممنهجة، فعندما يصل الوضع المَعيشي والاقتصادي للناس إلى مستوى حاد من التدهور، يصبح الاستعداد لقبول الفساد والإقبال عليه من ضرورات العيش ومتطلباته، لكن ذلك لا يحل مشكلة الفقراء.. فمع الضائقات والأزمات وفي كل الأوضاع والحالات يصير الأغنياء والتجار والساسة هم سادة الفساد والإفساد وجناة ثماره، وما يقدمونه من فُتات لمن يستخدمونهم أدوات لا يسمن ولا يغني من جوع.. وفي هذه الأحوال لا يستطيع المُخلصون من الحكام الأحرار المُحرِّرين ـ بفرض وجودهم وإحساسهم بالناس ورغبتهم في تغيير الأوضاع العامة إلى الأفضل ـ لا يستطيعون فعل شيء منقذ ومجدٍ، مع استمرار الحرب والحصار والنهب والاستباحة، هذا إذا قرروا محاربة الفساد والإفساد المستشريين والاقتدار عليهما.. إنهم لا يقفون على أرض صلبة يثبتون عليها أقدامهم، ولا يملكون حلولا سحرية يفَعِّلونها، ولا إرادة حرة يمارسونها، ولا اقتصادا قويا مُحرَّرا يمكن أن يساهم في تحريرهم وتحرير الناس من الحاجة، وتحرير الإرادات والأوطان من أشكال الاحتلال والارتهان.. وليس لهم قدرة على تحرير أنفسهم من تبعية سياسية ـ اقتصادية ـ أمنية ـ عسكرية…إلخ، ولا من ضغط القوى الفاعلة المُتحكمة بقوة في قرارات وإرادات ومصائر. وتمضي الأيام وتستمر المآسي، ويتسع الخرقُ على الراقعِ إن وجِد.. وكلٌّ يغتال الوعي والإرادة ويساهم في تدمير البلاد والعباد.
ومن معطيات هذا الزمن العربي الرديء، ومن نُكَاته المُضْكِيَة، أي المُضحكة المُبكية”.. أن على سوريا أن تُجرَّد من ثروتها النفطية بإرادة إسرائيلية ـ أميركية تنفذها أدوات “سورية” تتبناها بتبعيتها وعمالتها لأعدى أعداء الإنسانية أولئك، وترفع رأسها وصوتها في وجه الدولة، وتتصرف وكأنها دولة!؟ ومن معطياته الرديئة أيضا أنه إذا احتاجت سوريا لنفط العراق أو إلى النفط من إيران جارة العراق، أن تنتظر وصوله بحاملات نفط تمر عبر مضيق جبل طارق وليس من قناة السويس أو مباشرة بأنبوب أرضي أو بناقلات بريّة.. وليس ذلك استمرارا للقطيعة التي كانت بين جناحي الحكم في سوريا والعراق اللذين حرما الأمة من نهوضها بجناحيها القويين، بل لتحكُّم الولايات المتحدة الأميركية بالقرار العراقي والعربي، حتى في موضوع عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، وهي التي ساهمت في تأسيسها منذ انعقاد مؤتمر “أنشاص”. وقس على هذا الكثير من شؤون الأمة ودولها، وشؤون عرب ومسلمين في عالمنا اليوم، وقد أصبحوا شراذم وتبعا وطوائف وأدوات وخناجر في صدور وظهور بعضهم بعضا. فهل يستحق هذا منا الصراخ، والقول، واستعادة القول للخروج من دوائر التبعية والضيق والتضييق إلى فضاء مختلف فيه أمل وحياة وعمل وانتماء وصدق ووفاء وكل ينقل الأمة من حال الاقتتال إلى حال الاتعاظ بما حصل لها في الحاضر الرهيب والماضي القريب؟! فيا سماء الأمة أمطري ضمائر وبصائر ورؤى، ويا أرض العرب أنبتي واستنبتي عقولا تثمر وعيا وتقيم إرادة وتصنع نهضة.
* * مُرْبكٌ ومرهق بما يفوق الوصفَ وحدودَ الاحتمال: دخولُ وطن وشعب وأمة في نفقٍ لا يكاد يخترقُ ظلامَه شعاعُ نُور، وانعدام الثقة فيما بينهم واستفحالُ العداء، ودورانهم في دوامة حروب تعركهم عَرْك الرَّحى بِثِفَالها.. تشتت شملهم، وتستهلك طاقاتهم وأموالهم وثرواتهم، وتُهلك نَسلهم، وتُدمِّر ما بنوا وما يبنون ويزرعون وما يجنون وتتركهم أشلاء أمة ورهائن عند أعدائها.. يجوعون ويعرون ويُذلُّون ويصبحون على أبواب الأمم طالبي خبز ومأوى، وعالة على مَن لا يرغب فيهم ولا أن في أن يراهم في بلاده.. وذاك غاية في ذُل الناس، والذُّل بؤس الحياة وغاية الشر، كما قال القَتَّال الكِلابيُّ، عبد الله بن محبّب:
فما الشرُّ كلُّ الشرِّ لا خيرَ بعدَه على الناس إلا أن تَذلَّ رقابُها
والكارثي في مثل هذه الحال أنهم رغم ما يصلون إليه من تُعْس وبؤس وبَلْبال، يبقى ساستهم وقادتهم وزعماؤهم في اقتتال وتعادٍ وغدر ومكر وتكارُهٍ وتآمرٍ، يمزقون ما لم يمزَّق، ويتهافتون تَهافتا مهينا مقيتا على مَن ينصرُهم بعضهم على بعض، ويفضى بهم الأمر إلى جعل أنفسهم وأوطانهم وشعوبهم قيد التبعية والإباحة والاستباحة والمهانة.. ومما يزيد ذلك الوضعَ ضِغْثا على إبَّالة، وقوفُ المُنقذين المُفْتَرَضين متفرِّجين لا مُبالين لائمين شامتين غامزين لامزين، منظرين للفُرقَة وتَبَعا للتَّبَع وأبواقا للقاصرين، ودعاة للفتنة والفُرْقَة والكراهية.. مُلفَّعين بالادعاء والاستعلاء والاستغفال، وبما هو أسوأ وأشنع وأفظع من الجهل والكِبْرُ والغَفلة المتزيِّي بزيِّ العلم والوعي والفِطنة.. وكل ذلك ينطوي على هُزال بضحالة واضمحلال، وعلى انهزام يتجلّى بأقوال وأفعال، وذاك يضاعف القصور والتقصير وسوء الأحوال.
* * * وفاجعٌ وجودُ عدو الأمة بين الضِّلع والضِّلع من جسمها، تقدّمه عقولٌ صديقا، وتفتح له قلوبٌ بَنيقا، وترحِّب به أحشاءٌ وأطرافٌ بوصفه “أَليفا وحَليفا وحاميا وصديقا صادقا ومخلصا نظيفا عفيفا؟!”.. وهو يوغل في العدوان والقتل ويتوسع في الاحتلال والتهويد، في الاستباحة والاستهانة والإهانة والهيمنة، وينشر من السُّموم ما يعزِّزُ الفتنة ويؤسس لكل محنة.
ومن أسفٍ أنه لا يوجد مَن يسمع صوت الناس، ولا مَن يلتفت لمعاناتهم وهم الذين يدفعون ويتألمون ويموتون، وتموت فيهم الرغبة في العيش لكثرة ما عانوا وما صبروا وما وُعدوا وما خُدِعوا.. فمن تراه يكون مَن لا يشعر بهذا الواقع الأليم، ويتفاخر بذاته على حساب أمته ووطنه ودينه وإنسانيته؟! ومَن تراه يكون ذاك الذي يلوم منتميا لأمة أوقف على الانتماء إليها حياته وأمَلَه وعَمَله وجهدَه طِوال حياته، لأنه يرفع الصوت ليُسْمِع ” مَنْ به صَمَمُ” ويعلن انتماءه لإنسانية الإنسان في أمة لن تموت.. من تراه يكون ذاك اللائم وهل هو على حق؟!.. ألا يكون لومُه ورأيه وموقفه جَرحا وتجريحا لآخر قد يكون على حق، وإثقالا عليه بغير حق؟! ومَن تراه يرى الفجيعة تكبُر وتزحف عليه وعلى كل ما يعنيه وما وهب له عمره، وعلى شعبه ووطنه وعلى بشر لهم حق الحياة ويحرمون من حقهم فيها.. ولا يتألم ولا يراجع الذات ويسترجع القول والفعل على طريق العدل والصدق في خضم تلك الكارثة الفاجعة الزاحفة، ولا يصرخ منبها إليها ومحذِّرا منها وداعيا إلى الوقوف بوجهها والتخفيف من وطأتها ومنع حدوثها..؟!.. مِن أسف أن يَعترض معترضون حتى على مجرد رفع الصوت تنبيها وتحذيرا وتشجيعا لدفع البؤس والنّقمة، ومؤسف أكثر ألا يُسْمَع من رافع صوت بذلك وأن يُلام.. فيشتوي بنار الخذلان والفجيعة والتردّي في الوَهْن والقنوط وربما في اليأس: “رؤية ورأيا وفكرا وتدبيرا وعجزا عن مواجهة الداء وزحف الأعداء عليه وعلى أمته بالضنك والفتك والفتنة”.. لكنه يبقى متمسكا “بدائه”، يحترق بناره ولا يفرِّط بانتمائه.. إذ مَن تراه يكون إن هو لم يكن من أمته وكَفيتَ جلده، حتى لو ضاق به جلده “دِثارُه”، واستمرَّ ما يجري له ولأهله وأمته ودياره، ولم يملك أن يغير ويجمع على التغيير قادرين عليه وراغبين فيه؟! توقفوا عند ذلك الأنموذج وقارنوه بمَن ينهى عن الانتماء لأمته، ويُجَرِّحُها بسيف وسكين ولسان، وينأى بنفسه عنها وعَمَّا يحل بها وبأبنائها من فجائع، ويرفض تحمل أية مسؤولية حيالها، ويتخلى عن الانتماء إليها ويدين الانتماء المُنتمين، ويستسلم لكل ما يريحه من ذلك ومن التفكير به، ويستطيب سِلْمَه الخاص، ويرضى بنتائج ذلك ويسعد، ويستطيب أن يرى نفسَه في طَوْفٍ فوق سطحٍ مِن أنين وشقاء واستغاثة واستنخاء.. ألا افعلوا واحكموا واختاروا.. وإن شئتم وتفضلتم فأفيدوني عن المشلوح في بحر من النقمة ـ وبعض القول تمهيدٌ لوعي يرتقي باسمه ـ تُرى يدري طريحٌ في مدى الإبحار موجات تقاذفه، أيقدرُ يصنعُ الرّحمة؟!..
ألا عبثا تهيلُ القول في أسماع من يهمي عليكَ اللومَ إن قاربت ما هو فيه من نِعْمَه.
ونسألُ اللهَ سبحانَه وتعالى العَفوَ والعافية.
علي عقلة عرسان كاتب وأديب سوري

إلى الأعلى