الأحد 15 سبتمبر 2019 م - ١٥ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / وثيقة ذات بعد استراتيجي

وثيقة ذات بعد استراتيجي

علي بدوان

الوثيقة، التي حملت عنوان “مخطط سياسي للحكومة الجديدة”، دعت لتبني الموقف الأميركي كاملا وفق “صفقة القرن” مع ضرورة إبداء مرونة ما، خصوصا في ظل التحفظات التي تبديها بعض الأطراف تجاه “صفقة القرن” بما في ذلك الطرف الفلسطيني، وأطراف عربية وحتى أوروبية، مع التمسك بمسألة المحافظة على مدينة القدس في أي عملية سياسية..
صدرت في “إسرائيل” وثيقة مهمة، ذات بعد استراتيجي، أنجزها “معهد القدس للاستراتيجية والأمن” في دولة الاحتلال الإسرائيلي، وهو معهد ليس ببعيد عن صناع القرار السياسي والأمني والعسكري، بل تأتي توصياته باستمرار كمرشد عمل ودليل، في صياغة السياسات “الإسرائيلية” بالرغم من حداثة تأسيس المركز إياه. فالوثيقة أنجزها عتاة ضباط الأمن والعسكر المتقاعدين في جيش الاحتلال: وعلى رأسهم إفرايم عنبار رئيس المعهد، وعيران ليرمان نائب رئيس مجلس الأمن القومي سابقا، والجنرال احتياط يعقوب عميدرور وهو رئيس سابق لمجلس الأمن القومي، وضابط كبير سابقا في شعبة الاستخبارات العسكرية (جهاز آمان) سابقا. وميكي أهرونسون الخبيرة في العلاقات الدولية … وآخرون.
الوثيقة، حملت توصيات مفصلة موجهة إلى الحكومة المرتقبة بعد أن يتم إنجاز الدورة الانتخابية الجديدة والمتوقعة في أيلول/سبتمبر 2019، وقد تناولت عدة مواضيع، يأتي في مقدمتها الوضع الداخلي “الإسرائيلي”، والتأكيد على العقيدة الأمنية التي يجب أن تتبناها “إسرائيل” في المرحلة الراهنة في مواجهة قوى المقاومة، وفي المديات المنظورة والأبعد قليلا. ومسائل القدس والقطاع ولبنان وإيران…
الوثيقة، التي حملت عنوان “مخطط سياسي للحكومة الجديدة”، دعت لتبني الموقف الأميركي كاملا وفق “صفقة القرن” مع ضرورة إبداء مرونة ما، خصوصا في ظل التحفظات التي تبديها بعض الأطراف تجاه “صفقة القرن” بما في ذلك الطرف الفلسطيني، وأطراف عربية وحتى أوروبية، مع التمسك بمسألة المحافظة على مدينة القدس في أي عملية سياسية، فــ”للقدس أهمية استراتيجية وتاريخية. يجب المحافظة على القدس الكبرى وهذا يتضمن البناء في كل مناطق القدس الشرقية، وإخلاء خان الأحمر، والدفاع عن الوضع الراهن في المنطقة (ج) من الضفة الغربية والحفاظ عليه” وفق ادعاء ديفيد فاينبرج، نائب رئيس المعهد، الذي أضاف قوله في الوثيقة إنه “يجب علينا أيضًا أن نتصرف بحزم ضد العناصر الأجنبية التي تقوض سيادتنا في القدس وسلطتنا في المنطقة ج”.
تتطرق الوثيقة بشكل موسع إلى تآكل قوة “الردع الإسرائيلي” في مواجهة فصائل المقاومة الفلسطينية في القطاع، والتي سببتها الانسحابات “الإسرائيلية”، حيث تقول الوثيقة “في ظل الظروف الحالية، لن تزيد عمليات الانسحاب الإسرائيلية أحادية الجانب (حال تمت كما وقع في القطاع عام 2005) من أمن إسرائيل، ولن تحسن من مكانتها الدولية. ومن شأن عملية انسحاب مشابهة من الضفة الغربية، أن تجعل من فصائل المقاومة المسلحة تسيطر على المنطقة”. وعليه، ويرى واضعو التقرير “أن الانسحابات الأحادية الجانب ستزيد فقط من رغبة الفلسطينيين في الحصول على مزيد من التنازلات، وستزيد التوترات في المجتمع الإسرائيلي”. وفي المقابل نصحت مادة التقرير بمواجهة ما أسمته “السحابة الثقيلة في الأفق” من خلال خطاب سياسي أقل سخونة وتطرفًا. حيث ميزت مادة التقرير بين التحدي والخطاب.
إن عددا من واضعي الوثيقة، ومع إدراكهم لصعوبة العمليات العسكرية البرية ضد القطاع، وتفضيلهم عدم الوصول إليها، يرون “أن الطريقة التي ربما يبدو فيها الجيش الإسرائيلي كجيش يتجنب القتال البري، هي مفهوم يجب كسره. ومع ذلك، فإنه إذا كان يجب تفعيل القوة، فليكن في لبنان. الخطر في عملية في غزة أننا إذا دمرنا في القطاع ستصبح المسؤولية ملقاة على عاتقنا، ولكن إذا ضربنا حزب الله، فستبقى هناك الدولة اللبنانية التي يمكن ترك السلطة لها.” إنه “إذا لم يكن هناك خيار وفرضت علينا عملية برية في غزة، فيجب أن تشمل الحركة السريعة في عمق الأراضي وتوضيح قدرة العمليات البرية الإسرائيلية، مع جباية ثمن أعلى، مثل أخذ أسرى. يجب تحطيم أسطورة المقاومة في القطاع”.
كان لإيران نصيب كبير في الوثيقة المشار إليها، فالهلع من إيران بدا واضحا من خلال مادة الوثيقة، لكن واضعي الوثيقة يستدركون ذلك بقولهم إنه “في السنوات الأخيرة توقّف الكلام عن خيار عسكري إسرائيلي لمواجهة الأهداف النووية الإيرانية، وبدا أن هذا الموضوع لم يعد مطروحا”. فأصحاب مادة التقرير يعتقدون “أن هناك إغراء كبيرا للقيام بضربة عسكرية استباقية ضد إيران، لكن العالم بأسره، حتى عند المزاج الشعبي داخل الولايات المتحدة، لا يحب حروبا كهذه، وهناك صعوبة في قيام إجماع وطني إسرائيلي على حرب كبيرة جدا نبادر إليها نحن. لذلك فإن الضربة الاستباقية مغرية جدا، لكنها معقدة من منظور واسع داخلي وخارجي”.
إن الاتجاه العام للوثيقة، المقدمة لصناع القرار في “إسرائيل” يلخص الموقف من الموضوع الإيراني، معتبرا أن الخطر الإيراني يعود اليوم بقوة، في ظل اضمحلال الحرب في سوريا، وعليه فإنه يدعو لتأييد إمكانية مساهمة “إسرائيل” بالضربة العسكرية ضد ايران في إطار قوة ائتلاف دولية تقودها الولايات المتحدة، وليس القيام بها وحدها، والعمل على زيادة الهوة بين بعض البلدان العربية وايران.
وخلاصة القول، إن فهم العقل السياسي “الإسرائيلي” وتفكيره الاستراتيجي أمر على غاية الأهمية، ومن هنا تبرز أهمية مراجعة وقراءة ما تصدره مراكز البحث والدراسات المحسوبة على الأجهزة الأمنية في دولة الاحتلال، وتوصياتها التي تُقدمها لصناع القرار في سياق صياغة القرار السياسي والمني والعسكري في “إسرائيل”. ففهم سياسات “إسرائيل”، وتكتيكاتها واستراتيجياتها يساعد على إدارة دفة الصراع مع الاحتلال ومشاريعه وخصوصا منها ما هو مطروح تحت “صفقة القرن” تلك البضاعة التي لن تجد لها من مشترٍ في نهاية المطاف، لا في البيت الفلسطيني، ولا في البيت العربي عموما، باعتبارها تمس الحقوق الفلسطينية والعربية لصالح دولة الاحتلال، وبشكل غير مسبوق.
علي بدوان كاتب فلسطيني عضو اتحاد الكتاب العرب

إلى الأعلى