الأحد 15 سبتمبر 2019 م - ١٥ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / نهاية السياسة كما نعرفها

نهاية السياسة كما نعرفها

ما يجري في بريطانيا، وما سبقه في الولايات المتحدة مع دخول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وهو الآتي من خارج مؤسسات السياسة التقليدية، وكذلك ما حدث في دول أخرى من الفلبين إلى إيطاليا، يعزز الاستنتاج بأن السياسة في دول العالم تتجه نحو النهاية دون أن يعني ذلك انهيارا تاما..

تعد التطورات السياسية في بريطانيا في الآونة الأخيرة، وتحديدا منذ الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي (بركزت) مؤشرا آخر على أن السياسة بمفهومها التقليدي الذي عرفه العالم في القرنين السابقين انتهت تقريبا أو على الأقل لم تعد كما كانت. فحزب المحافظين الحاكم يتشظى في العامين الأخيرين بشكل أنهى تقريبا تمثيله لليمين التقليدي البريطاني، مع بروز أحزاب على يمينه مثل حزب البركزت (الذي قام على أنقاض حزب الاستقلال) ممثلا لليمين المتطرف الأقرب للقومية الشعبوية، وكذلك على يساره مثل حزب التغيير وتيار من قيادات الحزب من الليبراليين الذين إما انشقوا عنه أو طردوا منه. وليس حزب العمال المعارض بأفضل حالا، فالانشقاقات عليه تتوالى ويكسب حزب الليبراليين الديموقراطيين على حساب خسارة العمال الذي لم يعد كذلك ممثلا لليسار البريطاني التقليدي.
والحقيقة أن ذلك التوجه بدأ مع نهاية الحرب الباردة ومع اتجاه الأحزاب الرئيسية في أوروبا منذ عقد الثمانينيات من القرن الماضي نحو الوسط السياسي، أي يمين الوسط ويسار الوسط، فبدأ تلاشي الخطوط الفاصلة بين اليمين واليسار إلى حد ما. ووصل هذا التوجه إلى ذروته مع “اكتظاظ الوسط السياسي” وبدأ التشظي خارجه بتيارات أكثر يمينية أو يسارية اتخذت في أغلبها طابعا متشددا أو متطرفا وفي الأغلب شعبويا. تزامن ذلك أيضا مع بروز دور “الجماعات” التي كانت موجودة ولكنها هامشية ولا تأثير كبيرا لها في السياسة، حتى أن الأمم المتحدة قرب نهاية القرن الماضي حاولت أن تعطيها شرعية في السياسة الدولية عبر مؤتمرات “المنظمات غير الحكومية”. وبالطبع عكس ذلك خشية المؤسسة الدولية التي مثلت الجهاز البيروقراطي للسياسة الدولية في فترة العالم ثنائي القطبية من أن يضيع دورها مع “نهاية السياسة” في الدول الرئيسية في العالم.
ولم تقتصر الجماعات على أوروبا وأميركا ودول العالم المتقدم عموما، وإنما برزت في مناطق أخرى من العالم منها منطقتنا وإن اكتست مسوحا مختلفة أغلبها تسربلا بالدين في شطط وعنف وإرهاب. وإذا كان السياسيون في الغرب بدأوا السعي لكسب ود تلك الجماعات، من منظمات تعمل تحت ستار الجهد الخيري إلى تجمعات للمثليين وأنصار البيئة وغير ذلك، فإن الجماعات في منطقتنا وجدت حاضنة سياسية في منظمات تقليدية كانت الأساس الفكري لتطورها مثل جماعة الإخوان التي بدأت من مصر وانتشرت في المنطقة. لكن لأن السياسة لم تتطور في بلدان المنطقة ما بعد الاستقلال في مستهل النصف الثاني من القرن الماضي، فيصعب سحب ما جرى في الغرب في العقود الأخيرة على منطقتنا. لكن التوجه الشعبوي والقومي المتطرف في الغرب تقاطع بصورة واضحة مع التيارات خارج السياسة التقليدية في منطقتنا. وكانت قمة ذلك الانتفاضات الشعبية في عدد من الدول العربية مطلع العقد الأخير والتي أدت إلى سقوط أنظمة حكم ودخول دول في دوامة حروب أهلية دموية فتت عضدها حتى الآن.
كل تلك التطورات يتم التعبير عنها في المناخ العام بما نشهده حاليا من تدني لغة الخطاب السياسي والعجرفة المقرونة بالكذب والفساد وعنجهية المغالطة بالزور في كل شيء، حتى الانتخابات والاستفتاءات. ويمكن القول إن الفساد أيضا يلعب دورا مهما أيضا فيما يمكن أن يكون بداية توجه نهاية السياسة في الغرب الديموقراطي وليس فقط في بلدان ما يسمى العالم الثالث أو النامي. فلا شك أن زيادة الفساد ساهمت في تدهور ثقة الجماهير بالسياسة عموما، وهناك تفسير لهذا يعود إلى علاقة البزنس بالسياسة منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى في ثلاثينيات القرن الماضي.
باختصار، وحتى الحرب العالمية الثانية في نهاية النصف الأول من القرن الماضي، كانت السياسة تقود البزنس: تستفيد منه في دعمها وتحقق له مصالحه لكنها تضع الاستراتيجيات وتنفذها في بلدانها ومستعمرات امبراطورياتها. ثم مع تراجع الامبراطوريات ومع ثنائية الحرب الباردة أصبح البزنس والسياسة جنبا إلى جنب في قيادة الدول والكتل الجديدة. ثم مع منتصف السبعينيات بدأ البزنس يقود السياسة، وهو ما وصل إلى قمته مع نهاية القرن الماضي. وامتزجت ظواهر البزنس السلبية مع علل السياسة المتراجعة لينتج هذا المزيج الذي زاد من انهيار ثقة الناس بالعملية الديموقراطية ككل، خاصة في الديموقراطيات الرأسمالية الراسخة في الغرب.
وما يجري في بريطانيا، وما سبقه في الولايات المتحدة مع دخول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وهو الآتي من خارج مؤسسات السياسة التقليدية، وكذلك ما حدث في دول أخرى من الفلبين إلى إيطاليا، يعزز الاستنتاج بأن السياسة في دول العالم تتجه نحو النهاية دون أن يعني ذلك انهيارا تاما، وإنما كتمهيد لتطور شكل جديد في إدارة الدول والمجتمعات وبالتالي للعلاقات الدولية ككل. وربما يمكن بتعسف القول بأن ذلك الذي ننتظره هو “النظام العالمي الجديد” الذي يجري الحديث عنه بسطحية سياسية وفكرية منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي. وليس بالضرورة أن تكون السياسة الجديدة، وبالنظام العالمي الجديد، على شاكلة ما نشهده الآن من تيارات شعبوية وجماعات متطرفة. إنما هي مرحلة انتقالية في مسيرة البشرية وتنظيمها لنفسها، وإن طالت نسبيا لتصل إلى مدة بضعة عقود من الزمن.
د. أحمد مصطفى أحمد

إلى الأعلى