الأحد 15 سبتمبر 2019 م - ١٥ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / مملكة الجبل الأصفر
مملكة الجبل الأصفر

مملكة الجبل الأصفر

هذا الإعلان يذكر بإعلان وعد بلفور عام 1917م باعتبار أرض فلسطين وطنا قوميا لليهود، وبعد 3 عقود أعلن قيام ما يسمى “إسرائيل” وما صاحبه من أزمات ونكسات على الوطن العربي عموما. أما هذه الدولة المبتكرة فقد أعلن عنها دون سابق إنذار بهدف استقطاب اللاجئين كما تم الإعلان..
شهد يوم الخامس من سبتمبر الجاري 2019م إعلان ما يسمى مملكة الجبل الأصفر على مساحة 2060 كيلومترا مربعا بين مصر والسودان، وحتى كتابة هذا المقال لا يعرف بالضبط ما هي القصة الحقيقية لهذه المملكة ولم تصدر الدول المعنية أية ردود أفعال على هذا الحدث؟ ولكن ما نعلمه جيدا أن تجربتنا نحن كعرب مع مثل هذه الكيانات تمثل تجارب مأساوية لمشاريع استعمارية تختزل كل المفردات الأليمة ولها أهداف وأجندة مريبة. والغريب في الإعلان عن هذه المملكة الوليدة أنها ظهرت بين عشية وضحاها، وأجزم أنه حتى السياسيين ورجال السلطة في الوطن العربي قد فاجأهم هذا الإعلان الجديد. وكما قيل شر البلية ما يضحك، وهناك ردود أفعال كبيرة لدى الرأي العام العربي مقابل صمت رسمي عربي حيال هذه الدولة الجديدة، وسنقدم بعض المقاربات والتفسيرات السياسية، مع إدراكنا التام بحقيقة واحدة وهي أن القوى الاستعمارية كانت وما زالت وستبقى تبحث عن مصالحها وكل ما يخدم أجندتها الاستعمارية، وهكذا هو حال الدول الاستعمارية منذ فجر التاريخ.
مملكة الجبل الأصفر هي منطقة تقع بين مصر والسودان فيما يسمى بالأراضي المباحة التي لا تعترف بملكية أراضيها أي دولة، ولم تدخل في الخرائط الحدودية لكلا البلدين المتجاورين، وهذه المساحة من الأرض قريبة من مثلث حلايب وشلاتين الحدودي ولا تعترف مصر بتبعيتها بناء على الاتفاقية التي رسمت الحدود عام 1899م باعتبار خط العرض 20 (المستقيم) هو الحدود الفاصلة بين البلدين ما يضع حلايب وشلاتين في الأراضي المصرية، وتبقى هذه الأرض جنوب خط العرض 20، بينما تعتبر السودان الاتفاقية المعدلة عام 1902م هي الأساس باعتبار هذه الأرض تابعة لمصر وفقا لتلك الاتفاقية، ومن هنا أصبحت هذه الأرض في تعريف القانون الدولي أراضي مباحة، وبالتالي فهذه فرصة مواتية جدا للسمسرة الدولية وإعلان ولادة دولة جديدة على الخريطة العربية تحقق مصالح القوى الدولية، ولا نعلم أيضا هل تم التنسيق مع حكومتي مصر والسودان قبل الإعلان عن هذه المملكة؟؟ ولماذا لم يتحدث الإعلام العربي والسياسيون من قبل عن هذه المملكة الوليدة لتظهر بشكل مفاجئ في هذه الأيام؟ ويجب التذكير أن هناك تجربة مشابهة في قلب الوطن العربي ما زالت الأمة تتجرع مرارتها حتى اليوم، وقد تعددت التساؤلات المطروحة من قبل الرأي العام العربي الذي تملكته الريبة والشكوك من هذا الإعلان المفاجئ الذي أعلنت فيه المتحدثة باسم ملك مملكة الجبل الأصفر وسمت نفسها رئيسة مجلس الوزراء بمملكة الجبل الأصفر واسمها الدكتورة نادرة عواد ناصيف، وقد غلبت لكنتها في البيان وهي تعلن من مؤتمر أوديسا بأوكرانيا استنادا إلى رؤية الأمم المتحدة وتقرير التنمية المستدامة قيام هذه المملكة، هذا الأمر يحدث لأول مرة في التاريخ بهذه الصورة وكأن النظام السياسي الدولي أصبح يعمل بأساليب وطرق هزلية، لذلك تبقى الأسئلة الأهم: ما دوافع إعلان هذه المملكة الوليدة؟ وما الغرض منها؟ وما تأثيرها على الأمن القومي العربي؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟!
خطاب المتحدثة بالبيان جاء بسياق عاطفي إنساني مؤكدا حق التوطين لكل اللاجئين الذين فقدوا هذا الحق الإنساني، مؤكدة أن لهم الحق في العيش بمملكة الجبل الأصفر بنهاية العام القادم 2020م، وذلك بعد استكمال المشاريع فيها، فكيف يصل النظام الدولي إلى هذا المستوى من السخف السياسي؟!
هذا الإعلان يذكر بإعلان وعد بلفور عام 1917م باعتبار أرض فلسطين وطنا قوميا لليهود، وبعد 3 عقود أعلن قيام ما يسمى “إسرائيل” وما صاحبه من أزمات ونكسات على الوطن العربي عموما. أما هذه الدولة المبتكرة فقد أعلن عنها دون سابق إنذار بهدف استقطاب اللاجئين كما تم الإعلان، والاختلاف بينها وبين وعد بلفور أنها أراضٍ مباحة لا يدعي ملكيتها أحد، وقد جاء بها الوحي الإنساني العالمي، علما أن القوى الاستعمارية الدولية لم تعرف أي معنى للإنسانية والشواهد ماثلة بقوة منذ الحرب العالمية الأولى مرورا بالحرب الثانية والقنابل الذرية التي ألقيت في تلك الحرب، وصولا إلى الحروب الأخرى التي اشتعلت في العقود الماضية وآخرها الحرب في العراق واحتلاله وتهجير أبناء شعبه بسبب الاحتلال الأميركي، وأخيرا ما يسمى “الربيع العربي” الذي فاقم مشكلة اللاجئين، حيث رفضت الدول الكبرى استقبالهم ووجودهم على أراضيها، فكيف ظهرت هذه العاطفة الإنسانية فجأة؟! بطبيعة الحال هذه الحقائق لا تحتاج إلى تعريف، إذن هذه المملكة المبتكرة هي عبارة عن نتاج سياسي لصفقة جديدة ترتبط بشكل من الأشكال بصفقة القرن وذلك بعد الحديث عن صعوبة تنفيذها بالشكل الذي تم التخطيط له، وكذلك تجنبا للتشويش من قبل المقاومة لتنفيذ صفقة القرن بالشكل المأمول؛ لذا فقد تم إيجاد فقرة جديدة موازية لصفقة القرن تجنبا لبعض إشكالات الصفقة المعلنة سابقا، علما أن وزير خارجية الولايات المتحدة مايك بومبيو كان قد تحدث عن صعوبة تحقيق “صفقة القرن” في مايو الماضي، وبالتالي قد تكون هذه المساحة من الأرض خدمت هذا الغرض باستقطاب اللاجئين، مع تحقيق الأهداف الأخرى غير المعلنة، وهذا الأمر يمكن تحقيقه بسهولة لا ضرر ولا ضرار، فلا توجد موانع سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو مقاومة وسيتم استقطاب اللاجئين إلى مملكة الجبل الأصفر، فيما قد تستمر باقي تفاصيل وبنود صفقة القرن بدون امتداد غزة الكبرى إلى داخل الأراضي المصرية من جهة شمال سيناء، كذلك لا داعي لصرف 50 مليار دولار لصفقة القرن كما خطط لها، والأمر الأهم هو إيجاد دولة على أرض الواقع تتبع القوى الاستعمارية مزروعة بين مصر والسودان لتكون بمثابة تهديد للأمن القومي العربي وقاعدة انطلاق قريبة لقوى الاستعمار بالقرب من القرن الإفريقي، وتكون قد حققت هدف إنهاء مشكلة اللاجئين كهدف ظاهري يخدم “صفقة القرن” أيضا، لذلك وهكذا ظهر إعلان هذه المملكة في هذا التوقيت المفاجئ .
ما لم نفهمه حتى الآن لماذا هذا الصمت الرسمي العربي تجاه هذا الحدث وقد أكدت المتحدثة تفاصيل هذه الدولة الوليدة المبنية على رؤية الأمم المتحدة؟ ولكن في كل الأحوال ليس مهما لدى صناع القرار الدولي ما هو موقف النظام الرسمي العربي، فهو يدور في فلك هذه الرؤى الاستعمارية، وقد تقبل “صفقة القرن” بمجرد الإعلان عنها سلفا، وهذه الصفقة تعتبر أخف وقعا وإن كانت تستهدف الأمن القومي العربي على المدى القريب .
ما عبرت عنه هذه الحادثة الفجائية الدولية أيضا أن سلوك النظام الدولي المعاصر بات يسير على قواعد ركيكة مهترئة وبشكل غير مسبوق بعيدا عن القيم والأعراف والمبادئ الدولية، وهذا يعتبر نذير شؤم وخطر على السلم والأمن الدوليين، ولنا في الحربين العالميتين أبرز مثالين حيث أنهت كل واحدة منهما نظاما دوليا سابقا، وجاءت بنظام دولي جديد، وعليه فإن هذه الابتكارات الدولية الجديدة تعتبر في الوقت الضائع، وهناك تحولات دولية قادمة ستغير كل المعادلات السابقة .
خميس بن عبيد القطيطي khamisalqutaiti@gmail.com

إلى الأعلى