الأحد 15 سبتمبر 2019 م - ١٥ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / ديمقراطية بريطانيا تختلف عن الآخرين
ديمقراطية بريطانيا تختلف عن الآخرين

ديمقراطية بريطانيا تختلف عن الآخرين

إن عراقة الديمقراطية في بريطانيا جعلت برلمانها له نفوذ كبير في النظام السياسي، وعليه التزامات كثيرة، داخلية وخارجية، حتى بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وهو ما يستلزم حالة استقرار سياسي وعسكري ومجتمعي، لن توفره سياسة ترامب للأوساط البريطانية لتلعب بريطانيا منفردة على أوتار الديمقراطية.
طرح المفكرون نظرياتهم السياسية، ووضع الفلاسفة تصورات لمدنهم نظموا من خلالها العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتحدثت كتب النظم السياسية عن قيمة الديمقراطية وكيفية إعلاء حكم الشعب وقدسية الصوت الانتخابي في تكريس وإرساء قواعد الدول وتحقيق طموحات الأمم؛ لكن لم نرَ هذا واقعيا على أرض الواقع في أنحاء العالم سوى حالات قليلة في بريطانيا فقط.
تغنت الآلة الإعلامية العالمية بالمنظومة الأميركية وديمقراطيتها، وعندما سنحت للرئيس الأميركي دونالد ترامب فرصة الانقضاض على المؤسسات الشرعية في الولايات المتحدة، لم يجد ردعا رسميا ولا شعبيا، ولم يُتَرجم الرفض إلى خطوات حقيقية ذات فعالية، فغزا النموذج “الترامبي” العالم وبات قدوة لزعماء آخرين في أفعاله وسلوكياته وتوجهاته.
بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني، سار على نفس النهج، وبدأ في إجهاض نفوذ السلطة التشريعية، وقام بتعليق عمل البرلمان لشهر، تمهيدا لتمرير الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق. كان هو الموضوع الساخن خلال الأيام القليلة الماضية.
ولأن الهوس بمستقبل الهياكل والأنظمة العالمية نرى ملامحه واضحة في كل مكان، والترابط بين ترامب وجونسون من حيث التعاطي مع الأمور السياسية والاقتصادية، وتكريس حكم الفرد، والقفز فوق المؤسسات المنتخبة ديمقراطيا، ألهب هذا الموضوع سخونة العالم في الأيام الماضية، وتخيل المهتمون بالأمر شكلًا جديدًا للقوى العظمى، وصورة مختلفة عن “الديمقراطية”.
ودفع الفضول والهوس الكثيرين لاستعجال المستقبل القائم على فرضية (خطى جونسون وترامب) فيما يتعلق بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق وتحديد علاقتهما مستقبليا، ومصير اتفاق (البريكست)، إلا أن المفارقة في أن الأحداث لم تتركنا ننتظر كثيرًا فجاءت الديمقراطية البريطانية لتثبت لنا من جديد أن بريطانيا ليست مثل أميركا، وأن النواب البريطاني (أعرق المؤسسات البرلمانية في أوروبا والعالم) لا يشبه الكونجرس الأميركي، وأنه لا يوجد في بريطانيا مجال لحكم الفرد حتى وإن كان مدعمًا بموافقة الملكة.
إذ لم تخيب بريطانيا ثقتنا ورهاننا في أنها هي النموذج الديمقراطي الأفضل على مستوى العالم، وأن بإمكانها أن تظل تعطي دروسا لكل الدول والأنظمة في كيفية لعب مباريات سياسية، وتحقيق غنائم ومكاسب، دون أن يكون هناك قيود عليها، وكل ذلك في إطار ملعب به قدر كبير من الشفافية يمكن السياسيين والمحللين من متابعة ما يجري. فخلال متابعة وترقب ما إذا كان بإمكان البرلمان البريطاني، الوقوف أم لا في وجه جونسون وطموحه لتكريس حكم الفرد، كما يفعل (النسخة الأصل) دونالد ترامب في الولايات المتحدة. إلا أن النواب البريطانيين لم يحتاجوا إلى الكثير من الوقت لإيقاف طموح جونسون وتوجيه الضربات إليه تباعا بخسارته غالبيته البرلمانية، فالحكومة البريطانية تملك أغلبية بفارق صوت واحد عن المعارضة، وهو ما سقط بانتقال أحد نواب المحافظين من معسكر حزبه إلى نواب المعارضة. ليخسر جونسون رهانه بعد أن ظن الجميع خطأ أنه سينجح في الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق بعدما باركت ملكة بريطانيا الطلب الذي تقدّم به لتعليق عمل البرلمان. فتم إصدار القانون الذي يمنع رئيس الوزراء من الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، وتمديد الخروج إلى مطلع عام 2020، ريثما يتم التوصل إلى اتفاق مرضٍ للطرفين للخروج أو عدمه، وقد تلقى جونسون هزيمة جديدة من مجلس العموم البريطاني، حيث صوت النواب على قرار لإجبار حكومة جونسون على نشر الوثائق السرية لأثر بريكست دون اتفاق، ولم يكتف البرلمان بهذا، بل أعلن رفضه لطلب بوريس جونسون لإجراء انتخابات برلمانية جديدة. فيما أعلن مجلس اللوردات أن الملكة إليزابيث صادقت على قانون يسمح بمنع رئيس الوزراء، بوريس جونسون، من إخراج البلاد من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق خروج في 31 أكتوبر.
وبعيدا عن علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي قد يكون الربط هنا محمودا بين علاقة ترامب مع رئيس الوزراء البريطاني جونسون والتي يسعى من خلالها ترامب إلى توحيد وتطابق السياسة الأميركية مع البريطانية، خصوصا بعد أن نصح مجلس اللوردات البريطاني منذ أكثر من عام بتوصيات تناقض السياسة الأميركية خصوصا في الشرق الأوسط، وقال إن الرئيس الأميركي يتعامل بعدوانية مع الاتفاق النووي مع إيران الذي تؤيده بريطانيا، كما ينطوي موقفه من حل الدولتين للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي على كثير من التناقض، وإن النهج الذي تتبعه إدارة ترامب قد يؤدي إلى زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط وتصاعد حدة الصراعات في المنطقة، وكذلك الموقف البريطاني من ناقلة النفط الإيرانية الشهر الماضي والتي كانت تحتجزها بريطانيا في جبل طارق وأفرجت عنها متجاهلة طلب ترامب بتسليمها إلى أميركا.
إن عراقة الديمقراطية في بريطانيا جعلت برلمانها له نفوذ كبير في النظام السياسي، وعليه التزامات كثيرة، داخلية وخارجية، حتى بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وهو ما يستلزم حالة استقرار سياسي وعسكري ومجتمعي، لن توفره سياسة ترامب للأوساط البريطانية لتلعب بريطانيا منفردة على أوتار الديمقراطية.
خلاصة القول إن تغيير سياسة دولة بفضل صوت واحد فقط في البرلمان هو تعظيم لقيمة الديمقراطية، ولتأثير صوت الناخب البريطاني في اختيار مرشحيه ونوابه، وهو ما يعزز فكرة أن ديمقراطية بريطانيا هي الأصل، وهي المعيار الذي يمكن أن تقاس عليه ديمقراطيات العالم، فهي تختلف عن الآخرين، وأنها رائدة لمن يريد أن يتعلم.
جودة مرسي

إلى الأعلى