الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل تحقق أميركا المعجزات؟

هل تحقق أميركا المعجزات؟

أ.د. محمد الدعمي

”.. إذا كانت واشنطن ترنو لأن تمنع تسرب “فايروس” إيبولا، عبر مطاري كنيدي أو ريجان إلى داخل الولايات المتحدة لتجنب مآسي تحوله إلى حالة وبائية، فإنها تحاول كذلك أن تمنع فيروساً داعشيًّا واحداً من المرور عبر حدودها إلى الداخل، خشية كارثة إرهابية أخرى كتلك التي حدثت في 11 سبتمبر 2001. ”
ــــــــــــــــــــــ
عندما انهارت المنظومة الشيوعية في بداية تسعينيات القرن المنصرم، واجه العالم وضعاً يعد الأول من نوعه تاريخياً، وهو انفراد الولايات المتحدة، قطباً أوحداً في العالم. ولا يشك المرء بأن هذا الوضع، برغم ما انطوى عليه من انتشاء لواشنطن، قد أماط اللثام للإدارات الأميركية المتلاحقة عن استفهام تصعب الإجابة عليه بدقة، استفهام يناقش “حدود المسؤولية الأميركية” عبر العالم. هذا الاستفهام لا يخلو من الإحراج والإرباك حتى للإدارات الأميركية، لأنك إن كنت إقطاعيًّا تمتلك أرضاً معيناً بما عليها وما تحتها، فإن عليك أن تدرك بأن هذا الوضع يضع على عاتقك أوزاراً ومسؤوليات حيال الأرض ومن يحيا فوقها، بشراً وأحياء أخرى. وإذا كان هذا هو مبدأ إقطاع العصر الوسيط المعروف بـNobles oblige ـ فإنه يمكن أن يتوسع حسب معايير عصرنا على مستوى كوني. لأن أميركا إذا ما أرادت أن لا ينافسها أحد عبر العالم، فإن عليها عددا من الواجبات والمسؤوليات حيال دول العالم الأخرى، الأمر الذي يكشف عما يعانيه القائمون على الإدارة الأميركية في مسألة حدود مسؤولية بلادهم. لذا تعييهم أسئلة من نوع: ما الذي يجب أن تفعله واشنطن حيال انتشار وباء إيبولا في دول غرب إفريقيا؟ ثم إن عليها أن تحدد كذلك إسهاماتها في معركة محاربة الإرهاب، وداعش على نحو خاص. وإذا كانت واشنطن ترنو لأن تمنع تسرب “فايروس” إيبولا، عبر مطاري كنيدي أو ريجان إلى داخل الولايات المتحدة لتجنب مآس تحوله إلى حالة وبائية، فإنها تحاول كذلك أن تمنع فيروساً داعشيًّا واحداً من المرور عبر حدودها إلى الداخل، خشيته كارثة إرهابية أخرى كتلك التي حدثت في 11 سبتمبر 2001.
وإذا لم تكن الإدارات الأميركية المتعاقبة في حال تحسد عليها بسبب التفكير ورسم حدود مسؤولية القطب الواحد أو الإقطاعي الواحد (إذا صح التعبير في هذا السياق)، فإن على حكومات دول العالم الأخرى أن تباشر الأسئلة أعلاه من مواقعها الخاصة هي الأخرى. فعندما يعلن وزير الخارجية التركي بأن بلاده لا تستطيع مواجهة العدو الإرهابي في “عين العرب” التي “فقستها” داعش، فإنها تريد وعلى نحو ملتو أن تضطلع الولايات المتحدة بهذه المهمة بدلاً عن بلادها، ومثل تركيا هناك العديد من دول العالم، خاصة في الشرق الأوسط، وأقصد الدول التي تتوقع من أميركا أن تفعل المعجزات!
وهذه جميعاً دول على خطأ، ذلك أن واشنطن لا تستطيع قط أن تقاتل بالنيابة عن أحد أو عن منظومة تحالف دولي، فهي الأخرى تعاني من مشاكلها، درجة أنها قد تضطر يوماً أن تعلن العجز عن الاضطلاع بمسؤوليات القطب الواحد، لتعتذر للعالم ولروسيا عن هذه المسؤولية!
هذا احتمال قائم وقادم، كما أتوقع، بدليل أن لهجة خطاب الإدارة الأميركية قد تعرضت لاستحالات متسلسلة: فلم تعد لهجة خطابها كما كانت عليه على عهد بوش الابن. هي الآن تعلن بأننا لا نستطيع أن نحارب ونقاتل من يجب أن تقاتلون وتحاربون أنتم. الإرهاب صنيعة مجتمعات عدة وهو من نتائج تركة عقود من أنظمة تنشئة وتربية مختلة قادت إلى إيجاده وتناميه، بل وحتى إلى تصديره. لذا فإن لسان حال “الواقعية” يعلن: بلى، ندعمكم بالطيران وبالطلعات الجوية، بالتخطيط والاستخبارات، ولكن لا تتوقعوا أن ننازل أعداءكم على الأرض أو أن نخسر من جنودنا فداء لدول غضت النظر عن الإرهاب حتى استأسد عليها، فهؤلاء الأعداء أنتم من صنعهم عبر عقود وعقود من سوء الإدارة وغياب العدالة الاجتماعية والتمييزات الطائفية والدينية والإثنية، من بين سواها من التفرقات. وحسب ذات المنطق يقول لسان حالهم إذا كان فيروس إيبولا إفريقيًّا، منشأ وانتشاراً، فلماذا نتحمل أوزار مآسيه وآثار انتشار وتفجره على نحو وبائي قد لا يقاوم؟
يبدو أن على حكومات دول العالم أن تفكر من اللحظة في معالجة مشاكلها، خاصة تلك المنبعثة من دواخلها وليس من خارجها، فأميركا لن تحارب، على أغلب الظن، عدواً هو من نتاجات دول ومجتمعات رجوعية شبه وسيطة، مجتمعات لم تزل غير قادرة على تخطي الحاجز بين العصر الوسيط والعصر الحديث.

إلى الأعلى