السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الأولويات في قطاع غزة

الأولويات في قطاع غزة

علي بدوان

”إن إنقاذ الحالة الفلسطينية المأزومة من وضع الانقسام وإعادة الوحدة لعموم مؤسسات السلطة بين الضفة والقطاع، يُفترض أن ترافقها مراجعات جدية صادقة حتى يستطيع الفلسطينيون من الوصول إلى أساس ثابت للعلاقة الداخلية بين مكونات الحالة الفلسطينية، وهو ما يتطلب اجتراح واشتقاق الأفكار الخلاقة، التي تفتح الطريق نحو توليد الحلول للمُعضلات القائمة بجانبها التنظيمي وبجانبها السياسي. ”
مع دخول الوفد الوزاري من حكومة التوافق الوطني الفلسطيني إلى قطاع غزة قادماً من رام الله برئاسة رئيس الوزراء الدكتور عاكف الحمد الله، وعقد الوزارة لاجتماعها الأول في القطاع، تكون مفاعيل المصالحة الوطنية الفلسطينية قد بدأت خطواتها الأولى المتواضعة في مسار مشوارها المطلوب، وتحديداً لجهة إعادة توحيد عموم الوزارات المؤسسات والأجهزة الحكومية بين الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، والشروع بحل جملة من الاستعصاءات الكبيرة التي خَلّفتها عملية الانقسام الذي وقع صيف العام 2007، بما في ذلك الشروع في حل مُشكلة المُتفرغين في الأجهزة الحكومية والأمنية في قطاع غزة، والعمل على دمجهم مع بقية العاملين في مؤسسات ووزارات السلطة، والذين تبلغ أعدادهم عدة آلاف، من الذين تم تفريغهم في قطاع غزة بعد وقوع الانقسام، دون اعتماد من الحكومة في رام الله، التي كانت بدورها تضخ الأموال لقطاع غزة طوال سنوات الأزمة، وتحديداً لمجموع المتفرغين والعاملين بالمؤسسات الحكومية قبل وقوع الانقسام دون اعتماد للمتفرغين في عموم المؤسسات في القطاع بعد وقوع الانقسام.
زيارة الوفد الحكومي لحكومة التوافق الوطني لقطاع غزة، خطوة جيدة، ومُبشرة، لكن علينا في الوقت أن نُجانب التطاير بالتفاؤل، خشية من وقوع انتكاسات تعودنا عليها، وخشية من أن تتحول تلك الزيارة وكأنها زيارة بروتوكولية بين بلدين متجاورين. فالزيارة يُفترض بها أن تتحول إلى ورشة عمل، من أجل إعادة توحيد مؤسسات السلطة، وحل ذيول وإفرازات ما بعد الانقسام على هذا الصعيد، وتحديد الوزارات التي يُفترض بها أن تتواجد بثقلها الرئيسي في القطاع، ومعها الوزراء المعنيون، كما في تحديد سلم الأولويات بالنسبة لقطاع غزة بعد محنة العدوان “الإسرائيلي” الأخير. ويفترض بتلك الخطوة أن تكون مقدمة لتنفيذ الحكومة التزاماتها وتحمل مسئولياتها، ومن هنا أهمية تفعيل مقر مجلس الوزراء الفلسطيني بغزة، وعقد اجتماعات مجلس الوزراء بشكل دوري في القطاع.
إن حجم الملفات الملقاة على عاتق حكومة التوافق الوطني الموحدة، كبيرة وواسعة، بعد محنة قطاع غزة الأخيرة، وهي ملفات تبدأ من حل مشكلة الازدواجية وتوحيد المؤسسات، وصولاً للمواضيع المتعلقة بإعادة إعمار القطاع وتعويض المتضررين، وتحديد الأولويات التي يتحسسها الناس في القطاع، الذين اكتوت جباههم بنيران أزمة الانقسام وتداعياتها التي جرجرتها طوال السنوات الماضية وصولاً للعدوان “الإسرائيلي” الأخير وما تسبب به من دمار كبير في البنى التحتية، وإيجاد حلول سريعة للنازحين الذين يسكنون مراكز الإيواء، وتوفير حل بديل يصون كرامتهم قبل قدوم فصل الشتاء، وتشكيل لجنة وطنية لمتابعة عملية الإعمار تسند وتدعم جهود الحكومة. كما في العمل على حل كافة الاشكاليات التي يعاني منها أهالي القطاع، وتوفير الموازنات والخدمات الطارئة، وإعفاء المتضررين من رسوم الخدمات البلدية والحكومية، وعلى رأسها تفعيل المطلب الشعبي باعتبار القطاع منطقة منكوبة بعد الدمار الهائل الذي خلفه العدوان الصهيوني على القطاع، وإلى ضرورة البدء الفوري والسريع في إعادة إعمار البيوت المدمرة، وفك الحصار المفروض على القطاع وفتح جميع المعابر وعلى رأسها معبر رفح وفق ما جاء في اتفاقية المصالحة، بالإضافة إلى بعض الإشكاليات الأخرى العالقة.
إن إنقاذ الحالة الفلسطينية المأزومة من وضع الانقسام وإعادة الوحدة لعموم مؤسسات السلطة بين الضفة والقطاع، يُفترض أن ترافقها مراجعات جدية صادقة حتى يستطيع الفلسطينيون من الوصول إلى أساس ثابت للعلاقة الداخلية بين مكونات الحالة الفلسطينية، وهو ما يتطلب اجتراح واشتقاق الأفكار الخلاقة، التي تفتح الطريق نحو توليد الحلول للمُعضلات القائمة بجانبها التنظيمي وبجانبها السياسي.
جانبها التنظيمي، هو الجانب المُتعلق بالمرجعية العليا للسلطة الوطنية الفلسطينية، ونعني به بمنظمة التحرير الفلسطينية، ومسألة دخول حركتي حماس والجهاد الإسلامي لعضويتها وعضوية عموم مؤسساتها، طبقاً لحضورها ووزنها في الشارع. وبجانبها السياسي البرنامجي.
أما جانبها السياسي، فيتعلق بإيجاد مقاربات سياسية وطنية فلسطينية، بين مُختلف الأطراف، وخصوصاً منها حركتي فتح وحماس، يتم من خلالها إحداث الخطوات العملية المطلوبة على طريق إنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني، وبناء التشاركية الوطنية المطلوبة بين الجميع قولاً وعملاً. تشاركية وطنية تَغلق الأبواب نهائيًّا أمام سياسات الإقصاء، والاستفراد، والاستئثار، والهيمنة، في صناعة وصياغة القرار الوطني الفلسطيني العام، وتُعيد القرار الوطني للناس وللقوى الحية وعموم مؤسسات المجتمع المدني وتعبيراته، والتي تُمثّل الرأي العام ومناخاته في فلسطين والشتات. فالشعب الفلسطيني بأمس الحاجة إلى وحدة القرار والجغرافيا والسياسة، والوحدة الميدانية حول برنامج سياسي تشاركي إئتلافي له علاقة بضبط مسارات العملية السياسية التفاوضية حال عودتها بتفاهم وتوافق فلسطيني داخلي. كما له علاقة بالمواجهة مع الاحتلال.
قصارى القول، إن وصول الوفد الوزاري لقطاع غزة، وعقد اجتماع وزارة التوافق الوطني على أرض القطاع، خطوة مهمة في سبيل إنهاء الانقسام وتنفيذ اتفاق المصالحة، والبدء بالخطوات الجادة للتخفيف من معاناة المواطنين خاصة بعد العدوان الصهيوني الأخير على القطاع والذي أدى لاستشهاد أكثر من (2200) وإصابة الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني قطاع غزة، وتدمير واسع في البنية التحتية وإلحاق كوارث إنسانية وبيئية وصحية واقتصادية. لكن الشرط الضروري للانتقال بالحالة الفلسطينية نحو خيارات سياسية وطنية فلسطينية جديدة، يتطلب الانتقال من وضع التفكك والانقسام إلى وضع التوحد واستجماع عناصر القوة الفلسطينية وأوراقها المتناثرة هنا وهناك. واستثمار الجو الفلسطيني الشعبي الموحد في الداخل والشتات، والعودة إلى تصحيح العلاقات الفلسطينية/الفلسطينية والعلاقات الفلسطينية/العربية، وصولاً لمراكمة الوقائع والقوى التي تدفع نحو إنضاج الشروط لولادة خيارات وبدائل فلسطينية جديدة، تؤدي إلى إعادة تصحيح مسارات الواقع الحالي في الداخل الفلسطيني وفي استراتيجيات مواجهة الاحتلال وسياساته.

إلى الأعلى