الأحد 20 أكتوبر 2019 م - ٢١ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تسخير الموجودات لإتمام الهجرة (3)

تسخير الموجودات لإتمام الهجرة (3)

وقف بنا الحديث ـ أعزاءنا الكرام ـ عند سيدنا علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ والذي جنداً من جنود الله تعالى لحماية نبي الله من المشركين حتى تتم هجرته المباركة بسلام وأمان، مع العلم أن من شارك في الهجرة المباركة من المؤمنين كانوا محبين لذلك مختارين له، مقدمين أرواحهم فداءً لله ولرسوله، ونصراً لدينه ودعوته، ولم يقم سيدنا علي ـ رضي الله عنه ـ في هذا المقام العظيم ليرد الأمانات إلى أهلها فقط، بل وصل الأمر إلى أعظم من ذلك كما هو مشهور، وقد كان جبريل ـ عليه السلام ـ أمر النبي (صلّى الله عليه وسلّم) أن لا يبيت على فراشه، فلما كانت عتمة الليل اجتمع فتيان من قريش على بابه، وبيدهم السيوف المرهفة، ويتطاير من عيونهم شرر الغدر والمكيدة، فلما رأى رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) مكانهم قال لعلي بن أبي طالب:(نم على فراشي، وتسج (تغطى) ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فإنه لن يخلص إليك منهم شيء تكرهه)، والمتدبر لهذا الوعد النبوي الكريم يجد أنه معجز في حد ذاته وكيف استقبله علي ـ رضي الله عنه؟ لقد استقبله بقوة يقين وصدق إيمان، وثقة في وعد الله ورسوله، مع العلم أنه ـ رضي الله تعالى عنه ـ كان سينام في فراش رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وإن لم يقل له ذلك أو يعده به، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ينام في برده هذا إذا نام، فسمع عليّ لما أشار به رسول الله وأطاع طيّبة بذلك نفسه، وبذلك كان أول فدائي شاب في الإسلام، فقد وقى رسول الله بنفسه، وهو يعلم أنه على قيد أذرع من سيوف المشركين ورماحهم، وكان هذا التدبير المحكم الذي أشار به جبريل ـ عليه السلام ـ مما لبّس الأمر على المشركين المتربصين للنبي، فكانوا إذا نظروا من خلل الباب (شقوقه) وجدوا النائم فيظنونه النبي، بينما هو الفتى الشجاع علي.(السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، محمد سويلم أبو شُهبة (1/ 475)، ولنعد إلى الفتيان المشركين الذين وقفوا يتربصون على باب الدار، يحرسون النائم ظنا منهم أنه النبي، بل صاروا يتشاورون فيما بينهم أيهم يهجم على صاحب الفراش فيوثقه، حتى اتاهم ات فقال: ما تنتظرون ههنا؟ قالوا: محمدا، قال: قد خيّبكم الله، قد ـ والله ـ خرج محمد عليكم، ثم ما ترك أحداً منكم إلا وضع على رأسه التراب، وانطلق لشأنه، أفما ترون ما بكم؟! فوضع كل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، فكأنهم لم يصدّقوا، فجعلوا يطّلعون فيرون النائم على فراشه متسجيّا ببرده، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائم، عليه برده.فما زالوا كذلك حتى تنفس الصباح، فدخلوا على النائم، وكشفوا البرد فإذا به علي! فقالوا له: أين صاحبك هذا؟ فقال: لا أدري، (المرجع السابق، 1/ 480) فعلموا أن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قد نجا، فأما عليّ فأقام بمكة حتى يؤدى ودائع النبي (صلّى الله عليه وسلّم). انظر كتاب (محمد صلى الله عليه وسلم) لمحمد رضا، 1/ 158، بترقيم الشاملة آليا).
والخلاصة أن سيدنا علي ـ رضي الله عنه ـ كان من أبرز الجنود الذين أدوا دوراً عظيماً لإنجاح الهجرة المباركة.
محمود عدلي الشريف*
*ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى